أخباردوليكتاب الرأي

مدنيون بين فكيّ النزاع: الثمن الإنساني للصراعات المعاصرة

بقلم: محمد خوخشاني

 

 

بقلم: محمد خوخشاني

الكلمات كانت مباشرة، تكاد تكون عارية من كل تزويق: «ما أعرفه هو أن النظام يقتل الناس. وإسرائيل والولايات المتحدة تقتلان الناس أيضاً.»

هكذا عبّر مواطن إيراني، وهو في طريقه إلى الفرار نحو تركيا، في مداخلة عبر أثير إذاعة فرانس إنفو مساء يوم 2 مارس 2026.

خلف هذه العبارة لا نجد تحليلاً جيوسياسياً ولا حسابات استراتيجية. نجد الخوف، والإرهاق، وحقيقة مأساوية واحدة: في الحروب الحديثة، يدفع المدنيون – ومن بينهم الأطفال – الثمن الأثقل.

الأطفال… الضحايا الأوائل غير المرئيين.

مع كل تصعيد عسكري، تتضخم حصيلة الضحايا. غير أن وراء الأرقام وجوهاً وقصصاً:
● أطفالاً تحت الأنقاض،
● رُضّعاً حُرموا من العلاج بسبب انقطاع الكهرباء،
● مراهقين أنهكتهم صدمات القصف،
● عائلات أُجبرت على النزوح.

البنيات التحتية المدنية — المدارس، المستشفيات، شبكات المياه — تتحول إلى أضرار جانبية. لكن حين يتوقف مستشفى عن العمل، لا تسقط أهداف عسكرية، بل تنهار أرواح هشّة كانت تتشبث بالحياة.
الأطفال لا يختارون الأنظمة السياسية ولا التحالفات الاستراتيجية. ومع ذلك، فهم يرثون قرارات تُتخذ في مكاتب بعيدة عن معاناتهم.

دوامة الانتقام.

في النزاعات التي تشمل دولاً مثل إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، تتغذى منطق المواجهة على حلقات متتالية من الردود الانتقامية. كل هجوم يستدعي رداً، وكل رد يفتح باباً لتبرير جديد.

لكن كلما تصاعدت الخطابات وتشدّدت المواقف، يبقى الضحايا أنفسهم: إنهم المدنيون.

في هذه الآلية القاسية، تفقد عبارة «هدف استراتيجي» معناها عندما تطال الضربات مناطق مكتظة بالسكان. التصريحات الرسمية تتحدث عن الأمن القومي؛ أما المشارح المؤقتة فتشهد على واقع آخر.

اللجوء… الملاذ الأخير.

الشهادة التي بثّتها فرانس إنفو تكشف أيضاً عن ظاهرة متنامية: الفرار. الهروب من الوطن ليس خياراً بسيطاً؛ إنه التخلي عن بيت، ولغة، وذاكرة. حين يعبر الآباء الحدود بأطفالهم، فهم لا يبحثون عن مكسب سياسي، بل عن النجاة.

تدفقات الهجرة القادمة من مناطق النزاع تؤكد حقيقة بديهية: الحرب لا تتوقف عند خطوط التماس، بل تمتد إلى مخيمات اللاجئين، وإلى رحلات العبور المحفوفة بالمخاطر، وإلى أجيال موسومة بمرارة الاقتلاع.

الأبرياء… رهائن دائمون.

بعيداً عن الحسابات الدبلوماسية والتحالفات العسكرية، تبقى حقيقة ثابتة: المواطنون العاديون يدفعون ثمن القرارات التي يتخذها القادة. وما يُسمّى «جنون القادة» ليس وصفاً مبالغاً فيه إذا نظرنا إلى النتائج الإنسانية:
● أطفال حُرموا من مستقبلهم،
● آباء حُرموا من فلذات أكبادهم،
● مجتمعات فقدت شبابها.

القانون الدولي الإنساني يضع مبادئ واضحة: التمييز بين المدنيين والمقاتلين، مبدأ التناسب، حماية غير المشاركين في القتال. غير أن هذه المبادئ تتعرض للاهتزاز على أرض الواقع تحت وطأة المصالح الجيوسياسية.

مسؤولية جماعية.

تُظهر التجارب المعاصرة أن القوة العسكرية لا تضمن استقراراً دائماً ولا أمناً مطلقاً، لكنها تترك ندوباً عميقة في الجسد الإنساني للمجتمعات.

إذا كان القادة يحسبون الأمور بمنطق موازين القوى، فإن الشعوب تعيش بمنطق الخسارات التي لا تعوّض. الأطفال الذين يُقتلون أو يُشوَّهون ليسوا أرقاماً في تقارير؛ إنهم الدليل الأبلغ على فشل السياسة.

في صراعات اليوم كما في صراعات الأمس، يظل السؤال الجوهري قائماً: كم من الأرواح المدنية يجب أن تُزهق قبل أن تستعيد الدبلوماسية مكانتها؟ في نهاية المطاف، ليست الإيديولوجيات ولا العقائد العسكرية هي التي تنزف.
بل الأبرياء.


Photo crédit: ©Mahmoud ssa/Anadolu via Getty Images

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci