“صورية موقيت, باحثة سوسيولوجية ورئيسة سابقة لشبكة الكفاءات المغربية في ألمانيا: “برلين بادرت إلى الاستماع إلى نبض المغاربة من خلال الانفتاح على الكفاءات الألمانية المغربية

تعتبر صورية موقيت الحاصلة على دكتوراه في تخصص سوسيولوجيا من جامعة ترير (غرب) ، من الجيل الثالث للهجرة المغربية إلى ألمانيا ، إذ ساهمت من خلال عملها كأمينة عامة لمركز (راميش) ، في تعزيز مكانة هذه المؤسسة المعترف بها في مجال الحوار وتعدد الثقافات والتعليم والتربية والاندماج ومحاربة التمييز والعنصرية على صعيد ولاية زارلاند .

 

ما هي قرائتكم للتطورات الأخيرة في العلاقات المغربية الألمانية؟

تحديث وزارة الخارجية الألمانية لمعلوماتها حول المغرب، كان خطوة جد إيجابية لطي هذه الصفحة بأسرع وقت ممكن والانكباب على المشاريع المشتركة لما فيه مصلحة ألمانيا والمغرب. واعتقد أن إشارة برلين إلى أن مشروع الحكم الذاتي هو خطوة هامة للوصول إلى توافق لحل هذا النزاع المفتعل، لإشارة قوية ودعم جهود الأمم المتحدة بقيادة المبعوث الأممي الجديد ستافان دي ميستورا. في نظري الخطوة الألمانية الجديدة جاءت لتطلق دينامية جديدة في العلاقات الديبلوماسية المغربية الألمانية التي تمتد لأكثر من خمسة وستين سنة. فهذا النزاع المفتعل هو نزاع طال أكثر من اللازم، وحان الأوان أن ينتهي. المغرب قدم مشروعا جادا لإخراج هذا الملف من النفق، فيما جنرالات الجزائر المتحكمين الحقيقيين في الطرف الأخر يريدون جر المنطقة إلى حرب ستكون عواقبها وخيمة على المنطقة وعلى أوروبا، فسيناريو الهجرة الجماعية وخطر الإرهاب يبقى دائما واردا. لذا على ألمانيا وأوروبا الضغط بقوة لحل هذا النزاع. فقضية الصحراء بالنسبة للمغاربة توزاي أهمية الوحدة الألمانية بالنسبة لألمانيا. فالمغرب حسم بشكل نهائي السيادة المغربية على الصحراء، وهذا الأمر غير قابل للتغيير، بل بمفاوضات ترمي إلى إيجاد حل سلمي لهذا النزاع في إطار الحكم الذاتي والجهوية الموسعة.

حدثينا عن دور  الكفاأت المغربية في إعادة الدفئ للعلاقات المغربية الٱلمانية…

بداية لابد من التسجيل إلى أن ألمانيا بادرت إلى الاستماع إلى نبض المغاربة من خلال الانفتاح على الكفاءات الألمانية المغربية، فيما يخص سوء الفهم الكبير الذي تحدث عنه المغرب في بيانه بعد استدعاء سفيرة المملكة في برلين. وهذه خطوة تحسب لبرلين. شخصيا ساهمت من موقعي إلى جانب كفاءات أخرى في لقاءين واحد بالرباط بالسفارة الألمانية في المغرب في شهر سبتمبر، والثاني ببرلين في شهر نوفمبر من خلال الدعوة التي تلقاها حوالي عشرة أشخاص لتقريب وجهات النظر بين البلدين. وكما سبق أن قلت في أحد اللقاءين، فنحن ألمان من أصول مغربية، كنا بين نارين. نحن مغاربة ألمان ومصلحة الدولتين تهمنا معا. إننا بمثابة سفراء كلا الثقافتين. كانت هذه الأزمة بالنسبة لنا وكأنه خصام بين الوالدين، لا يهمني من هو الوالد ومن هي الوالدة، غير أننا كنا عالقين بين الطرفين. لذا عندما وجهت لنا الدعوة لم نتردد قط في تقديم مساهمتنا بحكم أننا على اطلاع كبير بالثقافتين معا وندرك تماما نقاط قوة كل طرف وعثرات كل جانب. ففي قضية الصحراء كنا واضحين جميعا للتعبير على أن هذه القضية هي مصيرية للمغرب وأنها تلعب نفس الدور الذي لعبته الوحدة الألمانية بالنسبة للألمان. وتعتقد أن هذا التشبيه ترك أثر كبيرا لدى المسؤولين في الخارجية الألمانية. كما أعجبتني فكرة أحد إخواننا حينما قال إن المغاربة قد يتنازعون في كل شيء إلا في قضية الصحراء، فهم على كلمة واحدة. من خلال هذه المحادثات تبين لي خلاصات أساسية. أهمية الدبلوماسية الموازية لأن الدبلوماسيين يتغيرون ومغاربة ألمانيا باقون دائما، وأهمية التواصل بشكل عام والمتابعة الصحفية للعلاقات بين البلدين خصوصا في وقت تنتشر فيه الأخبار المضللة والكاذبة، وأهمية الادراك في التواصل بين البلدين، لأننا اكتشفنا أن عددا من القضايا والتصريحات كانت بالنسبة لبرلين عادية، فيما كانت بالنسبة للرباط غاية في الاستفزاز. لابد من الإشارة أيضا إلى أننا لمسنا في جميع حواراتنا الجدية والسعي الحثيث لطي هذه الصفحة، فبرلين التزمت بكل ما تداولناه في لقائنا يوم 19 نوفمبر. الأهم من كل ذلك هو الحفاظ على الحوار مهما كانت حدة الاختلاف في وجهات النظر.   

ما هي ٱفاق هذه العلاقات في ظل الحكومة الألمانية الجديدة؟

لي اليقين أن برلين والرباط ستجدان أرضية مشتركة لتحديد الأولويات وطي هذه الصفحة إلى الأبد. فسواء في بيان السفارة الألمانية في الرباط أو من خلال المعلومات التي تم تحيينها، نجد أن ألمانيا غيرت لغتها بشكل كبير، حيث الحديث على الندية والشراكة التي تتطلع للمستقبل على قدم المساواة. هذا بالإضافة للإشادة بإصلاحات المغرب واعتباره حلقة وصل مهمة بين الشمال والجنوب على جميع الأصعدة، مشيرة إلى أن المغرب شريك محوري للاتحاد الأوروبي وألمانيا في شمال إفريقيا، وأنه يلعب دورا مهما في استقرار وتنمية المنطقة. دون أن ننسى الإشارة إلى دور المغرب في الاستقرار والتنمية المستدامة في المنطقة المغاربية من خلال سعيه الحثيث لحل الأزمة الليبية. فهذه التطورات هي إشارات سياسية كبيرة من بلد له مكانته الكبرى في الاتحاد الأوروبي وبلد له مكانته القوية في إفريقيا. فمن مصلحة البلدين العودة إلى العلاقات الديبلوماسية الجيدة والموسعة تقليديا، بحسب ما قالت السفارة الألمانية في الرباط، وأعتقد أنها هذا سعي المملكة المغربية أيضا.

المغرب يطالب ألمانيا بقرن القول بالفعل… ما هو المطلوب تحديدا؟

في اعتقادي الشخص أن الرسالة المغربية التقطتها برلين سواء فيما يتعلق بالوضوح والندية ورفض الغموض والازدواجية في المواقف. هذا بالإضافة إلى التقييم الإيجابي لمشروع الحكم الذاتي كأرضية لحل هذا النزاع المفتعل تحت إشراف الأمم المتحدة. اعتقد أن أهم عامل يكمن في ضرورة أن تأخذ الدول الكبيرة ومنها ألمانيا المغرب على محمل الجد، فمغرب اليوم ليس هو مغرب الستينات. الأهم من ذلك هو الحوار الواضح والمباشر لحل كل القضايا العالقة وإيجاد أرضية مشتركة لتجاوز الأزمات.

ما هو تعليقك على مستوى التعاون التقافي بين البلدين؟

للأسف ليس بالشكل الذي نطمح إليه. هناك حاجة كبيرة لتبادل ثقافي يسد الفراغ في ألمانيا حول المغرب والعكس صحيح. حاولنا من جهتنا في شبكة الكفاءات المغربية في ألمانيا المساهمة في مد الجسور على هذا المستوى بعدد من المبادرات، منها مثلا الاحتفالية الكبيرة التي نظمناها في برلين في سنة 2013 بمناسبة مرور خمسين سنة على الهجرة المغربية في ألمانيا. كما أصدرنا بالمناسبة نفسها كتابا علميا بالتعاون مع معهد جامعة أوزنابروك للدراسات الهجروية حول الهجرة المغربية وأخيرا أصدرنا كتابا يتضمن بورتريهات تحاول إعطاء فكرة عن غنى وتنوعها الهجرة المغربية في ألمانيا. نشعر بشيء من الحيف تجاه الاهتمام بهذه الهجرة في ألمانيا، فالمغاربة ساهموا إلى جانب عدد من الهجرات في إعادة بناء ألمانيا وقدم الجيل الأول تضحيات كبيرة. نحاول من جهتنا إعادة الاعتبار لهذه الهجرة. كما يهمنا كشبكة تعزيز العمل من خلال انتاج دراسات علمية بعيدة عن النظارات الكولونيالية التي تعطي الدروس وتملي نصائحها. كما نشدد على أهمية برامج التبادل الثقافي بين البلدين للتعرف على مميزات المجتمعين وما يزخران به من غنى وتنوع ثقافي، خاصة على مستوى الشباب ومكونات المجتمع المدني. هذا بالإضافة إلى أهمية مراكز ابحاث تقرب الألمان من المغرب بشكل علمي وعملي كبديل عن دراسات سطحية. من جهتها حاولت شبكة الكفاءات المغربية تحريك عدد من الملفات. غير أن مجهودها لحد الآن يقوم على أساس تطوعي وهذا غير كافي. نحن في حاجة إلى دعم مؤسساتي لخلق هياكل قارة تتفرغ لهذا العمل. أعتقد أن إمكانيات التعاون كبيرة بين البلدين سواء على مستوى نقل الخبرة أو الاستفادة من خبرة ألمانيا في حفظ الذاكرة على مستوى الهجرة أو تعزيز صورة الإسلام الوسطي وتكوين الأئمة أو مثلما حدث مع ترميم العديد من المعابد والمباني اليهودية في المغرب. حاليا تعمل الشبكة على انجاز مشروع لاقتفاء أثار التواجد اليهودي في المغرب وألمانيا ونقلها إلى الأجيال الجديدة، لإكمال ما بدأه صديقنا الطبيب جان جوزيف ليفي الذي شكل رحيله عنا خسارة كبيرة لتعزيز التعايش المشترك.   

ما هو مستوى معرفة الشعب الألماني بالتقافة المغربية؟

للأسف هناك نقص كبير على هذا المستوى. فبغض النظر على تداعيات هذه الأزمة التي هزت صورة ألمانيا في نظر المغاربة، كانت ألمانيا تحظى باحترام كبير لدى المغاربة. وأتمنى أن تكون عودة العلاقات إلى طبيعتها فرصة لتعزيز الصورة الإيجابية التي كان المغاربة يحملونها على الألمان قبل الأزمة. أما على الطرف الأخر فلأسف يلعب الإعلام دورا سلبيا على هذا المستوى، حيث التركيز على بعض المظاهر السلبية لمغاربة ألمانيا بدل البحث عن قوة هذه الهجرة وحتى التقارير الإعلامية التي تتناول المغرب تركز على ما هو سلبي دون التقاط الإشارات القوية ودينامية المجتمع والإصلاحات الكبيرة التي دشنها المغرب خلال العقود الأخيرة. ملاحظة أخرى تتعلق بتدبير المغرب لجائحة كورونا، هي الأخرى لم تحظ باهتمام يذكر في وسائل الإعلام الألماني.  لابد من التفكير أيضا في تطوير وسائل الوساطة المغربية في ألمانيا كمراكز تينك تاك لفتح حوارات مع مختلف الفاعلين السياسيين ومكونات صنع القرار في برلين.   

في أي مجالات يكون التعاون الثنائي جيدا؟

أعتقد أن ما يجمع بين البلدين أكبر مما يفرق بينهما، حيث التعاون وثيق فيما يخص تحديات تغير المناخ ومشاريع الطاقة الواعدة بين البلدين. فهذه الأزمة أوقفت التقدم في تنفيذ مشروع  طاقة الهيدروجين الذي ينتظر أن يلبي خمسة وعشرين في المئة من احتياجات الطاقات المتجددة لألمانيا. هذا بالإضافة إلى التعاون في مجال الهجرة ومحاربة الإرهاب والتعاون المشترك لإرساء السلام في ليبيا وتعزيز شراكة شمال جنوب على قاعدة رابح رابح، لا سيما من خلال تشجيع المقاولات الصغيرة والمتوسطة والتدريب المهني. إنها فرصة أيضا لكي تعود ألمانيا إلى بعدها المتوسطي الافريقي من خلال تعزيز التعاون بين ألمانيا كأكبر اقتصاد أوروبي والمغرب كبوابة نحو إفريقيا كأحد الأسواق العالمية المهمة بمليار وثلاثمئة ألف شخص. فهذه التحديات لا يمكن مواجهتها إلى من خلال التواصل المباشر والمنفتح المبني على الاحترام. وهذا يتطلب حوارا مباشرا من خلال السفيرين وعودتهما لبدء عملهما بأقصى سرعة ممكنة. أعتقد أن الاشارات السياسية الايجابية مؤخرا بين برلين والرباط تقتضي الرفع الدائم لحظر التواصل مع المؤسسات الألمانية في المغرب، للدخول بشكل مباشر في حوار صريح حول الشراكة الاستراتيجية بين البلدين والبدء في تنفيذ المشاريع المشتركة لمصلحة البلدين.