أخبارالانتخابات التشريعية 2026

عندما تدخل السياسة في رقصة… للالتفاف على الجوهر

بقلم : محمد خوخشاني

بقلم : محمد خوخشاني

مع اقتراب المواعيد الانتخابية المقبلة، يتكرر المشهد نفسه، بشكل شبه متطابق، في جميع أنحاء المملكة. يجوب قادة الأحزاب السياسية المدن والقرى والبوادي. يُستقبلون على وقع البندير، والأغاني الشعبية، والزغاريد، والرقصات التقليدية، والفهود. الكاميرات حاضرة. الهواتف المحمولة تصوّر. ومنصات التواصل الاجتماعي تنقل هذه المشاهد فوراً.

ثم يأتي اللحظة المنتظرة: يغادر المسؤولون السياسيون موقعهم الرسمي لينضموا إلى الفرق الفولكلورية، يرسمون بعض خطوات الرقص، يصفقون على إيقاع الطبول، ويظهرون قرباً ممنهجاً من المواطنين.

للوهلة الأولى، يبدو المشهد طريفاً. فهو يعبّر، كما سيقال، عن تمسك بالتقاليد الوطنية ورغبة في مشاركة المواطنين أفراحهم. ولن ينكر أحد غنى التراث الثقافي المغربي ولا المكانة الجوهرية التي تحتلها الفنون الشعبية في هويتنا الجماعية.

لكن السؤال ليس هنا.

الإشكال الحقيقي هو لماذا، في كل حملة أو مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يأخذ هذا التمثيل المسرحي للسياسة كل هذه الأهمية، وكأن الانفعال يجب أن يحل محل التفكير، والصورة أن تحل محل الحصيلة، والفولكلور أن يقوم مقام البرنامج السياسي؟

الخطر واضح: تحويل السياسة إلى عرض، والمواطن إلى مجرد متفرج.

فالفولكلور يصبح ديكوراً. والأغاني تصبح مؤثراً صوتياً. والرقصات تصبح أداة تواصل. وبينما تخطف الأنظار الاحتفالات، تختفي من الشاشة انشغالات المغاربة الحقيقية.

فالمواطنون لا يعيشون على الموسيقى ولا على الصور.

إنهم يعيشون مع غلاء المعيشة الذي يثقل كاهل كل أسرة، وقوة شرائية مهتزة، وبطالة تطال خاصة الشباب، ومدرسة عمومية تبحث عن تجديد، ونظام صحي لا يزال غير كاف، وفوارق ترابية مستمرة، وإدارة غالباً ما تكون بعيدة عن تطلعات المرتفقين، وثقة تتراجع باستمرار في المؤسسات السياسية.

إزاء هذه التحديات، لا ينتظر الشعب المغربي تصاميم رقص انتخابية.

إنه ينتظر أجوبة.

ينتظر سياسات عمومية متماسكة.

ينتظر استراتيجيات اقتصادية واجتماعية قادرة على تحسين حياته اليومية بشكل ملموس.

ينتظر التزامات محددة، مصحوبة بأهداف قابلة للقياس وآجال واضحة.

في الواقع، هذا التمثيل المسرحي الدائم يخاطر بصرف المواطنين عن الجوهر. فهو يشغل الفضاء الإعلامي، ويثير ردود فعل وجدانية، ويخلق وهم القرب من الشعب، لكنه غالباً ما يتجنب الأسئلة الأصعب: أين الحصيلة؟ وأين المشروع؟ وما هي الأولويات؟ وما هي التمويلات؟ وما هي النتائج؟

لا ينبغي للسياسة أن تسعى إلى تسلية المواطنين عن معاناتهم. بل ينبغي أن تمنحهم وسائل تجاوزها.

وهذا هو بالضبط دور الأحزاب السياسية.

فمهمتها لا تقتصر على الفوز بمقاعد أو كسب انتخابات. بل هي قبل كل شيء التفكير في المستقبل، وتحليل تحولات المجتمع، ووضع مشاريع تنموية، وتكوين أطر كفأة، وتغذية النقاش الديمقراطي.

لزمن طويل، كانت الأحزاب المغربية تتميز بمرجعياتها الإيديولوجية، ومشاريعها المجتمعية، ومدارسها التكوينية. كانت تنشط النقاش الفكري. وتساهم في التربية المواطنة. وتطرح رؤى مختلفة للتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وتنظيم الدولة.

أما اليوم، فهذه المواجهة الفكرية تبدو تتراجع تدريجياً لصالح التسويق السياسي. فالشعارات تحل محل التحليلات. والصور تحل محل الحجج. والتمثيليات تحل محل البرامج. والتواصل يطغى على القناعة.

هذا التطور مقلق.

فالديمقراطية القوية لا تُبنى على مقاطع فيديو سريعة الانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي. بل تقوم على مواطنين مطلعين، وأحزاب ذات مصداقية، ونقاشات تناقضية، وخيارات واعية.

المغرب يعيش فترة تتضاعف فيها التحديات: التشغيل، والتعليم، والصحة، والماء، والأمن الغذائي، والتحول الطاقي، والتحول الرقمي، وتقليص الفوارق الترابية، ومكافحة الفساد، وتخليق الحياة العامة، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

هذه التحديات تتطلب رؤى، وكفاءات، وشجاعة سياسية. ولا يمكن مواجهتها بسحر التواصل فقط.

ليس الأمر طبعاً منع مسؤول سياسي من مشاركة لحظة ود مع فنانين أو مع المواطنين. فهذا جدل عقيم.

ما يستحق النبذ هو توظيف التراث الثقافي لأغراض انتخابية، عندما يصبح الفولكلور بديلاً عن النقاش السياسي، وعندما يستخدم الاحتفال لتغطية غياب الأجوبة، وعندما يحل القرب الممنهج محل القرب الحقيقي من انشغالات المواطنين اليومية.

في العمق، يبقى السؤال الجوهري:

أين هي مشاريع المجتمع؟

أين هي الإصلاحات الكبرى التي ستتيح خلق فرص شغل دائمة، وتحسين جودة التعليم، وضمان تغطية صحية فعالة، واستعادة الثقة في المؤسسات، ومحاربة الريع، وتعزيز الجدارة، وتقليص الفجوات الاجتماعية والترابية؟

المغاربة ليسوا بحاجة إلى مسؤولين يرقصون أمامهم. إنهم بحاجة إلى قادة يعملون معهم ولأجلهم.

تتوقف التصفيقات. وتسكت الطبول. وتتبدد المواكب. وتختفي الفيديوهات تدريجياً من مواقع التواصل.

لكن، في اليوم التالي، تعود الأسر إلى معاناتها، ويواصل الشباب بحثهم عن عمل، وينتظر المرضى العلاج، ويأمل الفلاحون المطر، ويواجه المقاولون العقبات الإدارية، ويواصل المواطنون الأمل بحياة أكثر كرامة.

لن يحفظ التاريخ أولئك الذين أدوا أجمل رقصاتهم أمام الكاميرات. بل سيحفظ أولئك الذين قدموا رؤية، ووفوا بالتزاماتهم، وحسّنوا بشكل دائم ظروف عيش مواطنيهم.

السياسة ليست عرضاً. إنها عقد ثقة بين أمة وأولئك الذين يطمحون لخدمتها. وعندما يصبح العرض هو الجوهر، فغالباً ما يكون الجوهر قد نُسي. وعندما يُدعى شعب للتصفيق بدل النقاش، فالديمقراطية نفسها تخاطر بفقدان الإيقاع.


من «الخبز والألعاب»… إلى الفولكلور الانتخابي

هذه الطريقة في ممارسة السياسة تذكّر بوصفة حكم قديمة كانت سائدة في روما القديمة. فقد كان الشاعر اللاتيني جوفينال يندد بمجتمع كان فيه الحكام يسعون إلى استرضاء الشعب بتقديم «الخبز والألعاب» (Panem et circenses). فطالما كان الجمهور منشغلاً بالعروض ومُشبعاً جزئياً في حاجاته الأكثر إلحاحاً، كان ينسى أن يسائل السلطة حول تدبيرها وخياراتها ومسؤولياتها.

من المفهوم أن الأمر لا يتعلق بمقارنة السياقات التاريخية. لكن الآلية النفسية تظل فعّالة بشكل مدهش إلى اليوم: فعندما يحتكر التواصل والاحتفال والفولكلور والتمثيل المسرحي الفضاء الإعلامي بأكمله، تتراجع نقاشات السياسات العمومية إلى الخلف.

يُستحث المواطن عندئذ في عاطفته أكثر مما يُستحث في روحه النقدية. ويُسعى إلى كسب الالتزام عبر الصورة بدل الحجة، وعبر القرب الظاهر بدل النتائج المحققة.

غير أن الديمقراطية الحية لا يمكنها أن ترضى بهذا المنطق. فالمواطنون ليسوا مجرد متفرجين أتوا ليُصفقوا لعرض انتخابي؛ بل هم حاملو السيادة الشعبية. يحق لهم أن يطلبوا الحساب، وأن يساءلوا الحصائل، وأن يقارنوا البرامج، وأن يقيموا الوعود على محك الإنجازات.

المغرب اليوم بحاجة إلى سياسة ترفع النقاش لا أن تحرفه. إنه بحاجة إلى أحزاب قادرة على إنتاج الأفكار والابتكار واقتراح إصلاحات طموحة وفتح آفاق للأجيال الشابة.

تشكل الفنون الشعبية ثروة لا تقدر بثمن لتراثنا. تستحق أن تحتفي بها لذاتها، لا أن تختزل في مجرد ديكور للحملات الانتخابية.

الشعب المغربي لا يطلب منا أن نُسلّيه؛ بل يطلب منا أن نحترمه. والاحترام يبدأ بالصدق ووضوح الالتزامات والإرادة الصادقة في الاستجابة للتطلعات الملموسة للمواطنين.

في ساعة الاختيار، لن تكون أفضل تصميمات الرقص هي تلك التي تؤدى بالخطوات. بل ستكون تصميم الإصلاحات العادلة والقرارات الجريئة والنتائج الملموسة.

المغرب ليس بحاجة إلى ديمقراطية العرض؛ بل هو بحاجة إلى ديمقراطية المشروع.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci