
بقلم: محمد خوخشاني

يوم تاريخي بامتياز.
سيظل 16 يوليو 2026 محطة فارقة في روزنامة الدبلوماسية المغربية-الفرنسية. فقد احتضنت الرباط الدورة 15 للقاء رفيع المستوى بين البلدين، وهو موعد مؤسساتي اكتسى هذه السنة حجماً غير مسبوق. وإلى جانب رئيسي الحكومتين — عزيز أخنوش عن المغرب، وسيباستيان ليكورنو عن فرنسا — اجتمع وفد استثنائي بكثافته: 22 وزيراً في المجموع، بينهم اثنا عشر رافقوا الوزير الأول الفرنسي في زيارته. ولم يسبق أن حطّ وفد فرنسي بهذا الحجم في الرباط من أجل جلسة عمل ثنائية.
وتندرج هذه المحطة في السياق الذي رسمه قائدا البلدين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إلى المغرب في أكتوبر 2024. تلك المرحلة التأسيسية، التي توجت بتوقيع 22 اتفاقاً استراتيجياً بقيمة تفوق 12 مليار يورو، كانت قد أنشأت “شراكة استثنائية معززة”. وبعد أقل من سنتين، جاء دور الانتقال من خريطة الطريق إلى حصيلة التقدم، ومن الوعد إلى الإنجاز.
وقد جرى التوقيع على 11 اتفاقية جديدة، تغطي مجالات متنوعة كالصحة، والنقل، والطيران المدني، والتعاون اللامركزي، والتعليم العالي، وتعزيز اللغة العربية. لكن ما لفت الانتباه، أكثر من الأرقام، هو المنهجية: إذ عمل كل وزير فرنسي، في لقاءات ثنائية، مع نظيره المغربي على ملفات ملموسة، في مقاربة قطاعية تهدف إلى ترسيخ العلاقة في التنفيذ بدل الاكتفاء بإعلان النوايا.
ما تكشفه كلمتا الافتتاح.
أفصحت كلمات افتتاح رئيسي الحكومتين عن عدة خلاصات كبرى، رسمت ملامح علاقة غيرت طابعها نهائياً.
1. شراكة تغير أبعادها: من الرمزي إلى الهيكلي.
المفردات المستخدمة لا تحتمل اللبس. فعزيز أخنوش يتحدث صراحة عن “التنفيذ الكامل” للشراكة، بينما يشير سيباستيان ليكورنو إلى أن العلاقة “ينبغي الآن أن تغير مقياسها”. ويتقاطع الخطان على تشخيص واحد: لقد ولّى زمن التصريحات الكبرى. والعلاقة دخلت الآن مرحلة التنفيذ القابل للقياس — عبر اتفاقات مبرمة، وزيارات متبادلة (أكثر من 40 في سنتين)، وآليات متابعة مؤسساتية، على غرار اللجان المشتركة واللجان التقنية.
2. الإعلان عن معاهدة ثنائية، محطة استراتيجية كبرى.
أبرز ما جاء في الكلمتين هو إعلان سيباستيان ليكورنو عن التحضير لمعاهدة ثنائية غير مسبوقة — هي الأولى من نوعها التي تستعد فرنسا لتوقيعها مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي. وهذا الإعلان يتجاوز منطق الاتفاقات القطاعية الظرفية ليصل إلى إطار قانوني دائم، مصمم للبقاء رغم التناوبات السياسية في كلا البلدين. ومن هنا جاءت الإشارة إلى “لجنة من الحكماء” مكلفة بإعداد أسسها. وهذه المعاهدة، إن رأت النور، سترفع العلاقة المغربية-الفرنسية إلى مصاف الشراكات الأكثر تنظيماً التي تربط فرنسا بدولة غير أوروبية.
3. قضية الصحراء المغربية، ركيزة ثابتة لا تتزعزع.
في كلمته، جدّد سيباستيان ليكورنو التأكيد بحزم على أن الموقف الفرنسي، المعبر عنه في الرسالة الرئاسية بتاريخ 30 يوليوز 2024، هو موقف “ثابت لا يتغير”. وهذا التذكير، الذي صدر أمام الوفدين المجتمعين، يؤكد أن هذا الملف يظل الشرط السياسي الأساسي الذي يقوم عليه كامل الصرح العلائقي. أما الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية والأمنية الجديدة فتندرج في مناخ الثقة المستعادة بشأن هذه النقطة، مما رفع العوائق السابقة وأتاح تسارعاً هائلاً في التعاون.
4. مقاربة شمولية تتجاوز الاقتصادي وحده.
أبى الخطابان اختزال الشراكة في بُعدها التجاري فقط. فقد وردت في سياق واحد ملفات: التنقل البشري (التأشيرات، الطلاب، مزدوجو الجنسية)، والأمن (مكافحة الإرهاب، تهريب المخدرات، الهجرة غير النظامية)، والثقافة والفرنكوفونية، وكذلك البعد الأفريقي المشترك — مع إشارات إلى قمة نيروبي بين فرنسا وأفريقيا والالتزام المشترك في منطقة الساحل. وهذا التعدد يُظهر رغبة مؤكدة في نسج ترابط متعدد المستويات، أكثر مقاومة وأصعب في التفكيك من اتفاق تجاري بحت.
5. بُعد شخصي ورمزي محسوب.
النبرة الودية التي اعتمدها سيباستيان ليكورنو — “عزيزي عزيز”، وإشارته إلى المشجعين المغاربة الذين حملوا آنذاك قميص المنتخب الفرنسي والعلم المغربي معاً خلال ربع نهائي مونديال 2026 — ليست عابرة. بل هي جزء من استراتيجية تواصلية تُضفي طابعاً شخصياً على العلاقة بين دولة ودولة، بهدف ترسيخ مناخ من الود في الرأي العام للبلدين، يتجاوز الحسابات الدبلوماسية وحدها. وبذلك يسعى الطرفان إلى تحصين شراكتهما ضد تقلبات السياسات الداخلية.
6. محطة قبل قمة.
يصر المتحدثان على الطابع الانتقالي لهذا الاجتماع. فهو ليس غاية في حد ذاته، بل خطوة تحضيرية سياسية وتقنية قبل الزيارة الرسمية المقبلة لجلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا، التي يقدمها الطرفان باعتبارها قمة هذه الدينامية المتجددة. وهذه الرؤية تجعل من لقاء 16 يوليو بروفة عامة قبل موعد دبلوماسي أسمى.
في الخلاصة.
ترسم هذه الخطابات صورة لعلاقة تسعى إلى:
● الترسيخ المؤسساتي الدائم (معاهدة ثنائية، آليات متابعة)
● تثبيت مكتسب سياسي حساس (الصحراء المغربية)
● توسيع نطاقها ليشمل قضايا مشتركة (أفريقيا، الأمن، التنقل)
وكل ذلك في قالب خطابي يتسم بالقرب الإنساني، يهدف إلى ترسيخ هذه الدينامية خارج دائرة صناع القرار وحدهم.
لذا، تقرأ الدورة 15 للقاء رفيع المستوى بين المغرب وفرنسا ليس كختام، بل كخطوة إضافية في بناء إطار ثنائي يُتوقع أن يصبح، في نهاية المطاف، واحداً من أكثر الأطر هيكلة لدى فرنسا مع دولة خارج الاتحاد الأوروبي. إنه صرح يُشيَّد حجراً حجراً، تحت أنظار رأي عام يسعى الطرفان إلى إشراكه، عبر العاطفة والمصلحة، في هذه المغامرة الدبلوماسية المشتركة.



