
بقلم: محمد خوخشاني

دعوة للعودة إلى التآخي وحسن الجوار عبر الرياضة.
كانت كأس العالم لكرة القدم والمسابقات الدولية الكبرى دوماً محتفى بها كـ”قدّاسات” السلام العالمي. طيلة شهر، تحبس الكوكب أنفاسها، ليس تحت وطأة التهديد، بل في نشوة اللعب. الرياضة، بجميع اختصاصاتها، تمتلك هذه الفضيلة شبه المقدسة: الدعوة إلى التعايش السلمي، واحترام الخصم، وتجاوز الحدود. غير أن الواقع المرير يفرض نفسه اليوم في منطقة المغرب العربي، حيث يُحوّل الملعب الرياضي في كثير من الأحيان إلى امتداد للحرب الباردة بين الجزائر والمغرب. كيف وصلت دول يجمعها التاريخ والدم والعقيدة المشتركة إلى جعل الرياضة متنفّساً لعداء ممنهج؟
الرياضة متنفّساً سياسياً: مرآة مكبّرة للتوترات.
عندما تعتم القنوات الدبلوماسية وتُغلق الحدود، يتوقّف المستطيل الأخضر عن كونه فضاءً للعب ليصبح مسرحاً لبديل المواجهة المباشرة. وغياب الحوار الرسمي يجعل مباريات كرة القدم محمّلة بشحن عاطفي وقومي مضاعف. فالنصر لم يعد رياضياً فحسب؛ بل يتم توظيفه، في بعض الخطابات، كدليل على التفوق السياسي أو المعنوي. ويجد الرياضيون أنفسهم، رغماً عنهم، جنوداً لقضية تفوقهم.
وهذا الانحراف تضخّمه بشكل كبير المزايدات الشوفينية لبعض وسائل الإعلام، ورنّانة التدميرية لوسائل التواصل الاجتماعي. عبر خوارزميات التفرقة، والاستفزازات، والبحث عن “الترند”، تعمل أقلية صاخبة على تشويه صورة الجار الغربي. من التصفير أثناء النشيد الوطني إلى التوترات الخارجة عن الرياضة حول الأقمصة أو التأشيرات، تُؤخذ الرياضة رهينة، وتُستخدم كأداة لتضخيم الكراهية الجيوسياسية.
خيانة مزدوجة: الأخلاق الرياضية في مواجهة القيم الروحية.
يكشف هذا العداء العلني في الملاعب عن تناقضين كبيرين، عن خيانة لأعمق قيم ثقافتنا وإنسانيتنا:
خيانة الروح الرياضية.
الميثاق الأولمبي والأخلاق الكونية للرياضة يقومان على الروح الرياضية، واليد الممدودة، والاحترام المطلق للآخر. تحويل المنافس إلى عدو لدود هو إفساد لجوهر اللعبة ذاتها.
نبذ تعاليم الدين.
بالنسبة لشعوب تنتسب إلى الدين الإسلامي، فإن هذا العداء يمثل قطيعة تامة مع النصوص المقدسة. فالإسلام، دين التسامح والسلام، يرفع حق الجوار إلى مرتبة الواجب الروحي المطلق. الإيمان يفرض الإحسان، وتحريم الإيذاء، والتآخي الإنساني. واستبدال هذه التعاليم بقومية عدوانية هو خطأ أخلاقي فادح.
وسائل الإعلام الجزائرية والصمت المدوّي.
هذا العداء تجاوز كل الحدود: وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية قرّرت بكل بساطة تجاهل مباراة ربع النهائي بين المغرب وفرنسا، التي ستُقام مساء اليوم. لا تحليل، لا تعليق، ولا حتى ذكر للمواجهة. هذا التعتيم ليس نسياناً، بل استراتيجية ممنهجة: رفض الاعتراف بنجاح الجار.
بحسب تحليل لموقع “توالا”، تُعاش هذه المباراة في الجزائر كـ”رهان عاطفي”، والصمت يُنظر إليه كملاذ: “سنتجنب. ليس تكبراً، بل لئلا ننهي المساء بشتم التلفاز”. هذه السياسة ليست وليدة اليوم، فالصحافة الجزائرية لم تتوانَ عن التهجّم على إنجازات المغرب سابقاً، متحدثة عن “فضيحة” و”مصداقية الكاف” بعد تتويج أسود الأطلس. لكن هذه المرة، السلاح المختار هو الصمت، محاولة لنفي واقع دولة مجاورة تتألق على الساحة العالمية.
عندما تخرج الكراهية عن الإطار.
هذا العداء لا ينحصر في غرف التحرير. إنه ينفجر في الشارع، في فرنسا وخارجها. فقد تم توثيق مقاطع فيديو لأفراد من أصول جزائرية وهم يمزّقون ويحرقون العلم المغربي علناً، وذلك عقب تأهل المنتخب المغربي. كما تقدّمت السفارة المغربية في باريس بشكوى رسمية بتهمة “إهانة العلم والتحريض على الكراهية”، مندّدة أيضاً باعتداءات لفظية ضد نساء وأطفال كانوا يرتدون قميص المنتخب المغربي.
هذه الأفعال ليست حوادث عابرة، بل امتداد لحرب رمزية، حيث يُسقط البعض إحباطاتهم على كل ما يرمز إلى السيادة المغربية. الرياضة التي يفترض أن تجمع، أصبحت ذريعة للانتقام من الجار.
خيانة مزدوجة.
هذا العداء العلني هو خيانة مزدوجة:
● خيانة الروح الرياضية، بتحويل الخصم إلى عدو يجب القضاء عليه.
● ونبذ تعاليم الدين الإسلامي، الذي يرفع حق الجوار إلى مرتبة الواجب المقدس، ويأمر بالإحسان والتسامح.
المونديال: منبر للمصالحة لا للتفرقة.
المباريات المقبلة، خاصة في كأس العالم، يجب ألا تكون ذريعة للتعبير عن الضغائن، بل مناسبة لإنهائها نهائياً. المواجهة الرياضية مع الجار، قريباً كان أم بعيداً، ينبغي أن تكون عيداً وجسراً بين الشعوب، لا خندقاً إضافياً في النفوس.
لقد حان الوقت لنذكّر أن الرياضة لا تولّد الكراهية؛ بل تعكس ما يسقطه البشر عليها. وراء ضجيج المدرجات والعنف الرقمي، يبقى التطلع العميق للشعوب منصبّاً على الانفتاح والمصالحة. فإنجازات الماضي للبعض جعلت قلوب الآخرين تخفق سرّاً، دليلاً على أن روابط التآخي متينة رغم كل شيء.
خاتمة: ضرورة ملحّة.
إنهاء العداء في المجال الرياضي هو ضرورة ملحّة. فالأمر يتعلق بكرامة أممنا، والحفاظ على قيمنا الروحية، ومستقبل شباب يستحق أن يرى في الرياضة وسيلة للأمل والتعايش والسلام الدائم. وكما كان يأمل المغفور له الملك الحسن الثاني، وكما يدعو إليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، فقد حان الوقت لفتح “صفحة جديدة، تقوم على الثقة والتآخي وحسن الجوار”، بعيداً عن أي حسابات ضيقة أو عداوات بالية