أخبارفنون و ثقافةفي الصميم

حين يصبح الدعم مجرد شهادة على قوة العلاقات لا على قوة الإبداع

بقلم: الفنان حفيظ بدري

بقلم: الفنان حفيظ بدري

كثيرًا ما تتحول الدعوة إلى إصلاح القطاع الثقافي إلى مواجهة بين من يطالبون بالشفافية ومن يتهمونهم باستهداف الفنانين وقطع أرزاقهم. والحقيقة أن المسألة ليست كذلك. فالدفاع عن الحكامة لا يعني تجويع المبدعين، بل حماية حقهم في العمل داخل منظومة عادلة.

إن الثقافة ليست امتيازًا تمنحه مجموعة مغلقة لنفسها، وليست ريعًا يُتداول بين أسماء بعينها. الثقافة مرفق عام، والاستثمار فيها يجب أن يخضع للقانون، ولدفتر تحملات واضح، يحدد شروط الاستفادة، وآليات الانتقاء، ومعايير التقييم، ويضمن تكافؤ الفرص بين الجميع.

فالمال العمومي لا ينبغي أن يوزع بمنطق العلاقات الشخصية أو النفوذ أو الانتماءات وإنما وفق قواعد معلنة، ولجان مستقلة، ومساطر قابلة للمراقبة والمحاسبة. وإلا فإننا سنجد أنفسنا عاجلًا أو آجلًا أمام أوليغارشية ثقافية تحتكر الدعم والفرص والمنابر، وتحتكر كذلك حق تعريف من هو الفنان ومن ليس كذلك.

لكن الاعتراف بحق الفنان في كسب رزقه لا يعني القبول بأن تتحول فرص العمل والدعم إلى امتياز دائم لفئة محدودة. فالسوق يجب أن يبقى مفتوحًا والدعم يجب أن يبقى خاضعًا للمنافسة، والصفقات ينبغي أن تستند إلى الكفاءة والشفافية لا إلى الولاءات.

إن الدفاع عن الارزاق والإبداع الحقيقي يبدأ بالدفاع عن عدالة توزيع الفرص. فحين تتكافأ الشروط، ويربح الأفضل، يكون الجميع رابحًا: الفنان، والدولة، والجمهور. أما حين تُغلق الأبواب وتُحتكر الموارد، فإن الخاسر ليس الفنان المستبعد وحده، بل الثقافة نفسها.

إن المطلوب اليوم ليس قطع الأرزاق، بل قطع الطريق على كل أشكال الاحتكار الثقافي، وترسيخ نموذج يقوم على الشفافية، والمنافسة النزيهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وحدها هذه المبادئ كفيلة بأن تجعل الثقافة مجالًا للإبداع لا فضاءً للامتيازات المغلقة.

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci