أخبارفي الصميممجتمع

عندما تلتهم الحرارة ما منحه المطر — مفارقة الماء في المغرب القروي عام 2026

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

ثمة سخرية قاسية في الأوضاع التي يعيشها المغرب مع مطلع شهر يوليو 2026. فبعد ست سنوات متتالية من الجفاف، جاء شتاء 2025 أخيراً بأمطار غزيرة. وعادت السدود لتكتسي حُلّة الماء، مسجّلة نسبة ملء إجمالية بلغت 61٪ بتاريخ 31 يناير 2026، مقابل حوالي 27٪ قبل عامٍ واحد — أي بزيادة قاربت 120٪ في الموارد المائية المتاحة، التي بلغت 10 مليارات متر مكعب. تنفّست الفرشات المائية، وعاد الأمل إلى قلوب الفلاحين.

وإذا بموجة حرّ شديد، تصل درجات الحرارة فيها إلى ٤٨ درجة مئوية، تأتي في غضون أسابيع قليلة لتهدّد بإذابة ما كانت أشهر من تساقطات قد راكمت بصبر. وهذه المفارقة تجسّد تماماً هشاشة البنية الهيكلية للعالم القروي المغربي في وجه التغيّر المناخي: فالمشكلة ليست اليوم في غياب المطر، بل في عجز البنى التحتية والتربة عن الاحتفاظ بما أعطته الأمطار، في مواجهة حرّ يبخّر ويجفّف ويستنزف بوتيرة مثيرة للقلق.

طلب متزايد على الماء في ظلّ القيظ.

ارتفاع درجات الحرارة يخفض إنتاجية المحاصيل الرئيسية ويزيد من حاجياتها المائية، مما يقلّص فعالية الريّ. فكلما اشتدّ الحر، ازدادت النباتات شراباً، وتلاشت الاحتياطيات. وتعمل الموجات الحارة على تضخيم التبخّر في السدود، فيما تعاني القنوات المكشوفة القديمة من خسائر معتبرة.

في المناطق القروية، تسبّبت هذه الظواهر المناخية في اضطرابات كبرى على مستوى توزيع الماء الصالح للشرب، فضلاً عن تقييدات واسعة النطاق للريّ الفلاحي. وبالنسبة للفلاحين الصغار، الذين يشكّلون النسيج الأساسي للعالم القروي — إذ تمتدّ نحو 70٪ من الضيعات المغربية على أقل من خمسة هكتارات — يمكن لمثل هذا الضغط على المورد أن يعني ضياع موسم فلاحي بأكمله، بل التخلّي عن الأراضي نهائياً.

العالم القروي، رهينة الأزمة الأولى.

يعيش حوالي 79٪ من الفقراء في المناطق القروية، وترتبط سبل عيشهم ارتباطاً وثيقاً بالفلاحة. وتساهم الزراعة بنسبة 16٪ من الناتج المحلي الإجمالي و ١٩٪ من الصادرات الإجمالية، مع تشغيلها لـ 67٪ من اليد العاملة القروية. وقد بات تواتر موجات الجفاف وحدّتها ومداها المتزايد عاملاً رئيسياً من عوامل الهشاشة، مصحوباً بمخاطر فقدان الدخل، واستنزاف الأصول، وسوء التغذية، والهجرة.

يُضاف إلى ذلك إشكال تقني مزعج: إذ تبلغ الفاقد المادي للمياه في شبكات التوزيع حوالي 24٪. شبكات بالية تبدّد مورداً لم يعد باستطاعتنا تبذيره.

حلول قائمة لكن تسارع وتيرة نشرها ضروري.

تحظى نظم الريّ بالتنقيط بدعم واسع النطاق ونشر مكثّف، حيث أصبح نحو نصف الأراضي المسقية مجهّزة بها. كما تشهد الزراعة الذكية، وأجهزة استشعار رطوبة التربة، والبيانات الساتلية تقدّماً ملحوظاً.

وفي إطار برنامج تحويل نظم الأغذية الزراعية في المغرب، المموّل من البنك الدولي بمبلغ 250 مليون دولار، من المتوقع أن يستفيد 120 ألف فلاح، منهم 18 ألف شاب و 6 آلاف امرأة، من ممارسات فلاحية ذكية مناخياً. كما ينبغي أن تتوسع الزراعة العضوية على مساحة 25 ألف هكتار، وتهدف منحة قدرها 5 ملايين دولار من صندوق “كوكب قابل للحياة” إلى مساعدة صغار المستغلين على إنجاز تحوّلهم. وأضحت تعبئة الموارد المائية غير التقليدية — تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالَجة — ضرورة ملحّة لتأمين التزويد بالماء.

لكن هذه التقدّمات لا تزال تعجز عن بلوغ المناطق القروية النائية، حيث تضرب الحرارة بأقسى ما يكون، وحيث تكون الفئات السكانية الأقل تسلّحاً لمواجهتها.

لقد منح شتاء 2025 المعتدل المغرب فرصة ثمينة — والسدود عند نسبة 61٪ والـ 10 مليارات متر مكعب المتاحة خير دليل ملموس على ذلك. لكن موجة حرّ صيف 2026 تذكّرنا بصفعة أن هذه المهلة ليست حلاً. بين سماء تعطي وشمس تأخذ، لم يعد التحدي مناخياً فحسب — بل هيدروليكياً واجتماعياً وسياسياً. حماية الماء في المناطق القروية المغربية تعني حماية الرجال والنساء الذين يقطنونها، ومعهما جزءاً جوهرياً من هوية المملكة وسيادتها الغذائية.

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci