
بقلم: محمد خوخشاني

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لشهر شتنبر 2026، يحين وقت تقييم مسار الحكومة التي تشكلت في خريف 2021. خمس سنوات من الكثافة البرلمانية غير المسبوقة، ميّزتها أكثر من 80 نصاً قانونياً مهماً، تتيح اليوم فك شيفرة المسار السياسي لحكومة عزيز أخنوش. بعيداً عن الانقسامات الأيديولوجية التقليدية، ترسم الحصيلة التشريعية لهذه الولاية ملامح سلطة إدارية بامتياز، تقوم على ديناميكيتين متوازيتين: البناء الطموح للـ”دولة الاجتماعية” من جهة، وسياسة الصفح الأبيض تجاه الإرث السياسي للعقد السابق من جهة ثانية.
أولاً: سياسة السحب.. القطيعة عبر الصفح الأبيض.
منذ بداية ولايتها، تميزت الأغلبية باستخدام استراتيجي وفوري لحقها الدستوري في سحب مشاريع القوانين العالقة. ولم يكن السحب المتزامن لنصوص كبرى – وعلى رأسها المشروع رقم 10-16 المعدل للقانون الجنائي – مجرد تعديل تقني، بل كان فعلاً سياسياً بامتياز.
فالمشروع المذكور، الذي كان يُحدث تجريماً مثيراً للجدل للإثراء غير المشروع بعد أكثر من ست سنوات من التنقيب البرلماني في ظل الحكومات السابقة، اعتبرته الحكومة الجديدة “غير ملائم”. وبسحبه، كما فعلت مع نص آخر يتعلق بشغل الملك العمومي، عبّرت الأغلبية عن رفضها تدبير توافقات الماضي، فارضة رؤيتها المركزية والتكنوقراطية. وقد برّر مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، هذا القرار بضرورة مقاربة “رمزية” لنص اعتبر تأثيره محدوداً. ورغم أن هذه المقاربة أثارت اتهامات حادة بتراجع ديمقراطي من طرف المعارضة – التي رأت فيها إرادة “حماية الفاسدين” – ومن طرف جمعيات المجتمع المدني، فإنها مكّنت السلطة التنفيذية من تحرير الفضاء التشريعي لأولويتها المطلقة.
ثانياً: بنية الدولة الاجتماعية.. العمل الكبير في قطاع الصحة.
في إعادة بناء نظام الصحة العمومية، وجد البرنامج الحكومي ترجمته الأكثر إبهاراً وهيكلة. فلامتصاص الصدمة الناجمة عن تعميم التأمين الإجباري عن المرض الذي شمل أكثر من 11 مليون مستفيد من نظام “أمو تضامن”، سخرت الحكومة ترسانة تشريعية كثيفة.
1. اللامركزية عبر التجميعات الصحية الترابية.
كان إصدار القانون الإطار رقم 06-22 بمثابة محفز للامركزية عميقة. فبكسر المركزية البيروقراطية للرباط، راهنت الدولة على الحكم الذاتي الجهوي عبر إنشاء التجميعات الصحية الترابية كهيئات عمومية مستقلة بموجب القانون رقم 08.22 الصادر في 27 يونيو 2023. وأصبحت كل جهة من جهات المملكة تتوفر على تجميع مكلف بتنفيذ البرامج الصحية وفق خصوصياتها المحلية، كما أثبتت ذلك التجربة النموذجية لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
2. الثورة التدبيرية في الوظيفة الصحية.
رافق هذه إعادة الهيكلة المؤسساتية ثورة تدبيرية تمثلت في إرساء الوظيفة الصحية. فبربط جزء من أجر المهنيين الصحيين بالأداء والخدمات المنجزة، تحاول الحكومة الحد من نزوح الكفاءات نحو القطاع الخاص أو الخارج – وهي هجرة جماعية قدّرت بأكثر من 3000 طبيب بين 2018 و2023. وبإشراف الهيئة العليا للصحة، ودعم سياسة السيادة الدوائية عبر الوكالة الوطنية للدواء، جرى تأهيل الخدمة الصحية العمومية قانونياً للتحول من نموذج الإغاثة البحتة نحو منطق الفعالية والجودة.
ثالثاً: من الإحسان إلى المواطنة.. تحول نظام “راميد”.
يكمن تتويج هذه الاستراتيجية في الانتقال من نظام “راميد” إلى نظام “أمو تضامن”. فهذا التحول من نظام إغاثة يقوم على شهادة العوز، كثيراً ما كانت تخضع لتقدير الإدارة، إلى حق شامل في التأمين الصحي يرتكز على الاستهداف العلمي للسجل الاجتماعي الموحد، يشكل نقلة نوعية سياسية واجتماعية.
فالأثر على حياة 11.6 مليون مغربي انتقلوا إلى هذا النظام الجديد لا ينكر: فالولوج إلى العيادات الخاصة وحرية اختيار الأطباء يكسر شكلاً من أشكال التهميش الصحي. غير أن هذا التقدم الاجتماعي الكبير يعمل ككاشف لمفارقات النظام. فبفتح أبواب القطاع الخاص أمام الفئات الأكثر هشاشة، وضعت الدولة المستشفى العمومي أمام صدمة تنافسية غير مسبوقة. فلم يعد المستشفى العمومي، الذي بات مضطراً لفوترة خدماته للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لضمان استمراريته المالية، يواجه فقط عجزاً في الكوادر (نسبة خصاص تبلغ 45٪ في فئة الممرضين) وبطء التحول الرقمي، بل أصبح مطالباً باستعادة جاذبيته.
رابعاً: البراغماتية كبوصلة سياسية.
تكشف الحصيلة التشريعية لهذه السنوات الخمس عن حكومة تتقدم وفق إيقاع ضروراتها الاقتصادية والاجتماعية، ولو تطلب الأمر ترتيب الأولويات. فإذا كان ميثاق الاستثمار أو القوانين المتعلقة بآجال الأداء قد صوّت عليها بوتيرة سريعة لطمأنة أرباب العمل، فإن الحكومة أظهرت حذراً محسوباً في الملفات ذات الحساسية النقابية العالية. فالجمود الفعلي لمشروع القانون التنظيمي للحق في الإضراب، وتأجيل التحكيمات الصعبة بشأن الإصلاح الشامل لأنظمة التقاعد، يبرهنان على أن براغماتية الأغلبية تعرف أين تقف حيث يبدأ خطر الانفجار الاجتماعي.
خلاصة القول، إن النشاط البرلماني منذ 2021 يقدّم صورة سلطة استطاعت استثمار انضباطها الأغلبي لتحديث الهياكل الأساسية للمملكة (مدونة المسطرة المدنية، إصلاح الصحة، الدعم المباشر). لكن بإدخال منطق السوق في صلب الخدمة العمومية الاستشفائية لإنقاذ الدولة الاجتماعية، فتحت حكومة أخنوش ورشاً جديداً للمستقبل: يتمثل في ضمان ألا تُضعف المنافسة الهياكل ذاتها التي تعهدت بإعادة بنائها