
بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

للقراءة في برنامجي اليومي حَيِّزُها الزَّمنِيُّ المعلوم، فيه أنسج صلات جديدة بِذاتِ نفسي وأحيا بقوة انفعالات لا أجد لها نظيرا في أي مجال آخر، تتغير قناعاتي وأُعَدِّلُ نظرتي للعالم والكائنات، تتغير حياتي كل يوم بارتباطها بالكتب وماتحمله بين دفتيها من عوالم هي أصدق و أشَدُّ ثراء من العالم الواقعي الشاحب والرتيب، فكل عمل أقرأه يعمق لدي الإحساس أن العالم بلا أدب خَطيئَةٌ لاتغتفرُ، وأن بوسع الكتب أن تغير بني البشر إلى الأفضل إن هم رافقوا الكتب وأخلصوا لها وجعلوا رفقتها خبزهم اليومي، فهل بوسع الكتب حقا أن تغير عوالمنا وأن تمثل لنا مرقاة إلى منزلة أسمى؟
جُلُّ القراء لايخامرهم رَيْبٌ في ذلك، وإن كانوا لايطرحون على أنفسهم هذا السؤال حول جدوى القراءة ومزاياها، إنهم يقرأون لأنهم اعتادوا القراءة ولايكثرتون للاستفهام حول وظيفتها وجدواها، ولايعنيهم أن تغير الكتب حياتهم أو تتركها كما هي بلا أدنى تغيير، إنها الهواء الذي يستنشقونه كل حين دون أن يتساءلوا عن جدواه في استمرارهم بقيد الحياة. بالقراءة وحدها تكتسب حيواتهم أبعادا غير متوقعة ويمسي فهمهم للعالم أشد عمقا ودقة مما كان قبل أن يرافقوا الكتب وقبل أن ترافقهم الكتب، جل من يقرأون يفرون بجلودهم من العالم الذين يشتركون فيه مع من لايقرأون ليسكنوا عوالم موازية لعالمنا، وهي عوالم أبهى بالتأكيد من عالمنا، لا مكان فيها للضجر ولا للشعور المأساوي بالزمن الذي ينفلت في غفلة منا، كان خورخي لويس بورخيص،الكاتب الأرجنتيني المرموق، يحلم دائما بأن يكون شخصية من شخوص رواية أو مسرحية، أ لِأَنَّ عالم الخيال أبقى وأشد ثراء أم لأنه أرحم وأرفق من عالمنا الواقعي؟
هل عالم رواية “البؤساء” مثلا يبعث على الاطمئنان وأخف وطأة من العالم الواقعي، ذلك العالم الزاخر بشخوص لاتنسى والذي صوره Victor Hugo فيكتور هيجو، الأديب الفذ ،بحنكة واقتدار لايضارعه فيهما أحد من روائييي الشرق والغرب؟ لا أدري، لكنني مستيقن من أمر واحد وهو أن فيكتور هيجو أبدع صرحا أدبيا ذا معمار بديع وسمفونية روائية من طراز رفيع، قرأتها في نسختها الأصلية قبل سنوات فملأت علي حياتي من مختلف أقطارها، وهي رواية تقع في أكثر من 1500 صفحة، أخذت الجزء الأول من أحد رفوف مكتبتي وشرعت أقرأه، وكلما استغرقت في القراءة كلما غمرني شعور غريب بالابتهاج، فكنت أخاطب نفسي :” أَ كُلُّ هذا الجمال كان يقبع على مرمى حَجَرٍ منك، وكنت عنه في غفلة، أيها البليد.” كنت “ألتهم” صفحات الرواية التهاما واقرأ إلى ساعة متأخرة من الليل، وكان النوم يُلِحُّ عَلَيَّ إلحاحا فأغالبه وأصر على الاستمرار في القراءة وأتمنى حينها أن يهجر النوم جفني لأَلِذَّ بفيض هذا الجمال الآسر، تبدو شاعرية فكتور هيجو أشد جلاء في هذا التحفة الروائية العظيمة و يظهر انشغاله بمعاناة البؤساء وهو ينتقد بشدة المؤسسات السياسية في تراخيها في السعي إلى القضاء على الفقر والعوز، ويتناول قضايا التعليم ودوره في النهوض بالأمم ورقيها، بل إن التعليم يكاد يمثل هاجسه الأوحد، فهو عن ضرورة أن تحظى به كل فئات المجتمع لأن في تعميمه علاج لكثير من أعطاب المجتمع وآفاته وهو يتناول كل هذه القضايا لم يكن ف. هيجو يؤلف كتابا فلسفيا مجردا، بل كان يبدع عملا روائيا بحبكة مُحْكمة وذات بناء درامي وبشخوص تنبض بالحياة ومضاء الإرادة، وعلى هذا النحو وبكل الصدق المعهود في أعمال الأدباء العظام، أهدى فيكتور هيجو العالم رائعة أدبية نقلت إلى عشرات اللغات حول العالم واقتبست أحداثها لإنجاز عشرات الأعمال السينمائية والرسوم المتحركة والأشرطة المصورة و الأعمال الاستعراضية ( الأوبرا)، لقد أنجز فيكتور هيجو في عمل واحد مايعجز عالم النفس والمصلح الاجتماعي والفيلسوف عن إنجازه مجتمعين، لذا فإنني أعتبر فيكتور هيجو كاتبا عالميا لاينتمي إلى أمة بعينها، بل هو ملك للبشرية جمعاء، بمقدورها أن تمتح في جملة أعماله مايلهمها لأن تعرج في مدارج الجمال.
فيكتور هيجو واحد من طائفة الأدباء النابهين، الذين بوسع من يطلع على أعمالهم أن يعود إلى قراءتها بين الفينة والأخرى ليجد فيها ضالته و ليستنير بقبس من الجمال وليدرك أنه الأدب ماله عنه معدى إن كان يتوق أن تكون حياته أعمق وأشد ثراء، ويشاطر فيكتور هيجو في هذا الملمح أدباء آخرون ،من أمم وثقافات مختلفة منهم صديقه الأقرب هونوري دو بلزاك، هذا الأديب الألمعي، الذي عندما اكتشفت أعماله، اكتشفت معها وبفضلها سحر الأدب وهو يقلب كيان القارئ العاشق رأسا على عقب، في كل رواياته وقصصه عوالم زاخرة بالشخوص التي ترافقك كل حين، إنها شخوص تنبض بالحياة وبإرادة صلبة وتصميم راسخ ومكين، في الأب غوريو Le père Goriot أو La peau de chagrin وبالتأكيد رائعته Les illusions perdues التي لايضاهيها أي عمل من أعماله الأخرى, والتي كان V.S Naipul ،الروائي الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة2001، يصر أن يقرأها مرة على الأقل كل سنة، على غرار ما درج عليه الكاتب الأرجنتيي المرموق Carlos Fuentes من قراءته كل سنة لرواية دون كيشوت لسيرفانتس.
عندما قرأت لأول مرة رواية لبلزاك وهي”الأب غوريو”، أدركت لحظتئد أنه سيكون لي رفيقا وصديقا، بلزاك كاتب يرافق قراءه في كل طور من أطوار حياتهم، تقرأه في سن العشرين أو في عقدك الرابع أو حين تبلغ الخمسين، فتكتشف في أعماله أفكارا وسمات لم تفلح فيما مضى في اكتشافها، وهذا مايذهب إليه الناقد ومؤرخ الأدب موريس بارديش Maurice Bardèche والروائي جان ديتور Jean Dutourd في حوار لهما عن بلزاك ونبوغه الخارق ( ثمة مقطع من الحوار على اليوتيوب)،ومايجعل من بلزاك كاتبا استثنائيا هو أن حياته الزاخرة بأحداث متضاربة وعنيفة وصاخبة يمكن أن تمثل مادة رواية حقيقية تحفل بالمغامرات وبالأحداث المفاجئة والمثيرة، ففي السيرة التي ألفها André Maurois أندريه موروا تحت عنوان Promethée ou La vie de Balzac، يسهب الأديب والناقد في الحديث عن نشأة بلزاك وإخفاقاته المتتالية ومغامراته الغرامية الجارفة و عن صعوباته المالية التي كان يجابهها بالاقتراض ذات اليمين وذات الشمال، وعن عجزه عن سداد ديونه ،وعن ميله إلى الأثاث الفاخر والفخم وعن إصراره أن يغدو كاتبا عظيما رغم كل الناشرين الذين عرض عليهم مخطوطاته في بداية مساره الإبداعي الذين شككوا في موهبته ودعوه أن يزاول نشاطا آخر غير الكتابة في مجال الأدب، لكنه ظل مصرا إصرارا لايلين أنه سيكتب كما لم يكتب أديب قبله أو بعده. فكان له ما أراد أي أحد أعظم الروائيين في تاريخ الأدب العالمي.
وإذا ظل بلزاك حريصا على نقل صورة أمينة للمجتمع الفرنسي في القرن التاسع عشر وسعى إلى تحليل الدوافع الخفية التي تحمل الإنسان على الإقدام على فعل بعينه، والوقوف على الأهواء التي تتلاعب ببني البشر، مستعينا في ذلك بقراءاته الغزيرة في شتى الحقول المعرفية وبتأملاته وملاحظاته الذكية للوضع الإنساني بمختلف تعقيداته، فإن روائيا من العالم الجديد، سلك سبيلا آخر ليودع أعماله عصارة تأملاته الفلسفية، فكان يؤلف روايات مغامرات، يمثل فيها البحر فضاء شاسعا تجري أحداث رواياته على السفن التي تمخر عبابه، أو في المرافىء حيث ترسو هذه السفن في انتظار إقلاع جديد، ففي رواية Moby Dick ” موبي ديك”، يروي هرمان ملفيل Hermann Mellevil أحداث مطاردة لحوت أبيض ضخم ومشاكس، بطلها القبطان Achab أكاب الذي فقد إحدى قدميه أثناء مطاردة سابقة، وهو رجل جسور وقاس مع نفسه ومع عمال السفينة، في كل يجد نفسه على وشك أن يمسك بذلك الحوت الأبيض، يتمكن هذا الأخير من الإفلات من قبضته، وتستمر المطاردة و يستمر معها إصرار القبطان على مطاردة عدوه اللدود والإمساك به، إنها رواية تشبه إلى حد بعيد روايات المغامرات التي كان يؤلفها روربير لويس ستيفنسون Robert Luis Stevenson وأشهرها على الإطلاق رواية “جزيرة الكنز” L’île au trésor. لكن رواية موبي ديك تختلف عنها اختلافا جليا، إنها رواية فلسفية في المقام الأول في صورة رواية مغامرات، فالروائي الأمريكي يصوغ فيها تأملاته الفلسفية عن موقع الإنسان في الكون وعن صلاته ببني البشر وبالكائنات الأخرى وعن تأرجح الإنسان بين القوة والجبروت والضعف والجبن.
إنها رواية استثنائية بكل المقاييس، قرأتها خلال مقامي بأكادير ذات صيف، وهدير البحر على بعد عشرات الأمتار مني، أستمع لأنينه وصخبه ليلا وأنا أقلب صفحات هذه التحفة الأدبية، وعندما فرغت من قراءتها، لم أعد أرى البحر كما كنت أراه قبل أن أقرأها، إنها رواية عظيمة، خلبت لُبَّ جل الأدباء الكبار الذين اطلعوا عليها، منهم جان جيونو Jean Giono، الأديب الفرنسي المرموق، الذي قام بترجمتها رفقة مترجم بارع آخر وألف كتابا تحية إجلال وإكبار لمبدعها Hermann Melville فصل فيه الحديث عن أعمال الكاتب الأمريكي وعن عوالمه الروائية الشائقة ومن بلد أوربي صغير، لكنه عظيم بما خلفه فلاسفته وأدباؤه القدامى والمحدثون، وهو اليونان، الذي أنجبت تربته وجزره شعراء نابهين خلال القرن العشرين، نال بعضهم جائزة نوبل للآداب باقتدار، لكن أحد أعظم أدباء القرن الماضي لم ينلها وهو يستحقها بلا أدنى شك، إنه نيكوس كازانتزاكيس Nikos Kazantzakis مؤلف رواية “زوربا”Zorba، وهي العمل الأدبي الفريد الذي عرف به، ولاسيما بعد تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي بديع أدى فيه دور البطولة الممثل الكبير Anthony Quinn أنطوني كوين والممثلة Irène Papas، لكن الرواية تظل أجمل من الفيلم بكثير، ورغم أن من يعرفون كازانتزاكيس، يعرفونه بهذه الرواية ،فإن له أعمالا روائية أخرى، تفوق رواية” زوربا” من حيث عمقها وحبكتها المُحْكمة وتوترها الدرامي المثير، وأذكر منها إحدى أجمل الروايات التي قرأتها طيلة السنوات التي خلت Le Christ recrucifié ” المسيح يصلب من جديد”،فهي رواية لاتكاد أحداثها وتأملات شخوصها تفارق القارئ، إنها رواية أبدعها كازانتزاكيس لتُدْرسَ لا لتقرأ من أجل التسلية وتزجية الوقت، روايات تعج بشخوص متباينة الرؤى والغايات، تتصارع فيما بينها لإثبات سداد هذه الرؤى، فيها تفكير عميق حول الدين ( المسيحية الأرثودكسية)، وحول رسالة الأديان عامة والتي يفترض فيها الانتصار للمستضعفين والمقهورين، وحول علاقة الإنسان ببني جلدته و بالكائنات الأخرى التي تعمر كوكبنا.
قرأتها سنة 2000، وكنت حينها أتابع دراستي بالسنة الأولى من سلك التبريز، قرأتها بغرفة بالقسم الداخلي لمدرسة الأساتذة العليا بمرتيل، كنت أتلفع بلحاف وأقرأ لساعات طوال هذه التحفة الأدبية، دون أن يمتد إلى نفسي الملل، أقرأ وألِذُّ بما أقرأه، وأحيانا أقرأ فصلا أو بضع صفحات وأعيد قراءتها، لأ لِذَّ بكل ذلك الجمال الذي يتوهج بريقه بين سطور تلك الرواية العظيمة.