
بقلم: محمد خوخشاني

تعاني السياسة اليوم من أزمة معنى عميقة، يكشف عنها بوضوح تنامي حالة الإحباط لدى المواطنين. فالمشهد المتكرر للانحرافات الفردية، حيث تطغى الطموحات الشخصية على الصالح العام، لم يعد يخفي حقيقة أن الكثيرين ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها مجرد طقوس موسمية. غير أن جوهر العمل السياسي يكمن في مكان آخر. فممارسة السياسة ليست وسيلةً لتدبير الذات، بل هي التزامٌ بخدمة المدينة، ومعالجة أدوائها الاجتماعية، ورسم مسارات التنمية المشتركة. ومع اقتراب المحطات الانتخابية الكبرى لسنة 2026 (الانتخابات التشريعية) وسنة 2027 (الجماعية والجهوية والمهنية)، حان الوقت لنُقابل “سياسة المهنة” بـ”سياسة الخدمة”، حيث يصبح ممارسة السلطة مرهونةً بتضحية واعية، مفادها أن المصلحة العامة يجب أن تعلو دوماً على المصالح الخاصة أو الحزبية الضيقة.
وهذا المطلب الأخلاقي يجد إلحاحه في أرقام واقعية تفرضها تقارير المجلس الأعلى للحسابات. ففي آخر التدقيقات، رصدت التقارير ما يناهز 1.8 مليار درهم من الاختلالات المالية في تدبير بعض الجماعات والجهات، منها ما يزيد عن 640 مليون درهم كفائض مبالغ الدعم العمومي غير المصرح به أو غير المبرر. كما أن حسابات الحملات الانتخابية شهدت بدورها تجاوزات، حيث بلغ متوسط الفروقات في التبريرات المالية أكثر من 200 ألف درهم لكل لائحة، مما دفع المحكمة الدستورية إلى رفض حسابات العشرات من المترشحين. وفي مواجهة هذه الأرقام، تقع على عاتق المنتخبين المقبلين مسؤولية كبرى: تطهير الفضاء العمومي، وليس الإسهام في تلويثه.
لكي تستعيد الديمقراطية المغربية هيبتها، لا بد من الاعتماد على وجوه تجمع بين النزاهة (الأمانة) والكفاءة (الكفاءة) كشرطين متلازمين. لكن فوق هذه الصفات الفردية، يظل الشرط الهيكلي الأهم، والذي ما زالت الكثير من الترشيحات تتغاضى عنه، هو عدم الجمع بين الولايات واستحالة الجمع بين المهام الاقتصادية الخاصة والمناصب السياسية.
الشرط الجوهري: عدم الجمع بين الولايات وعدم التوافق الوظيفي.
رغم أن القانون التنظيمي وضع إطاراً للمنع، فإن الممارسة ما تزال تسمح بالعديد من المحسوبيات. كم من منتخب يجمع، في سنة 2026، بين عضوية مجلس النواب ورئاسة جهة ومنصب عمودية جماعة؟ هذا التراكم، الذي يُبرَّر غالباً بالخبرة، يؤول في الحقيقة إلى احتكار مفاصل القرار والابتعاد عن هموم المواطن البسيطة. فالنائب البرلماني لا يمكنه مراقبة الحكومة بفعالية وهو يدير شؤون جماعة يفوق عدد سكانها نصف مليون نسمة. المطلب واضح لسنتي 2026-2027: ولاية واحدة، لإعادة تركيز المنتخب على مهامه وكسر منطق الزعامات المحلية.
والأكثر جوهرية، أن عدم التوافق بين المهام الاقتصادية والسياسية يجب أن يتوقف عن كونه مجرد نص شكلي. ولنضرب مثالاً واقعياً، يتكرر في أكثر من ملف بالمغرب: منتخب يجلس في لجنة الاستثمار الإقليمية، وهو في الوقت نفسه مساهم بنسبة 30% في شركة عقارية. فكيف له أن يمنح بكل نزاهة رخص البناء أو صفقات التطهير العمومية التي تبلغ قيمتها 120 مليون درهم لمنافسيه، أو ما هو أسوأ، لفروعه الخاصة؟ إن صفقات التفويض التي تُمنح بدون منافسة شفافة، والتي تُقدر قيمتها بأكثر من 400 مليون درهم سنوياً في بعض الجهات، تستدعي شفافية جذرية. نحن ندافع هنا عن شرط صارم وقابل للتحقق: يجب أن يحظر ممارسة أي منصب تنفيذي في مؤسسة اقتصادية تربطها علاقات تعاقدية مع الدولة أو الجماعات، وذلك بشكل تلقائي وقبلي، أي ترشح لانتخابات نيابية أو تنفيذية محلية.
مواصفات الأحزاب السياسية المطلوبة: الخروج من “متجر الاعتمادات”.
لا يمكن للأحزاب السياسية أن تظل مجرد آلات انتخابية أو مكاتب لتوزيع التزكيات. وفي سياق الاستحقاقات المقبلة، يجب أن تستجيب إعادة هيكلتها الداخلية لمعايير أخلاقية صارمة، منها:
● الانضباط المالي قبل الرقابة البعدية: على كل حزب أن يُحدث آليات تدقيق داخلي قبل أي رقابة خارجية. فلا يجوز منح التزكية لأي مترشح يثبت عليه دين للخزينة العمومية يتجاوز 50 ألف درهم، أو لمن رُفضت حساباته السابقة لعدم تقديم ما يثبت أكثر من 10% من نفقاته المصرح بها.
● القطيعة مع “الريع الانتخابي” والوجاهات التقليدية: يجب أن يستند اختيار الترشيحات إلى معايير موضوعية للكفاءة والنزاهة، وليس إلى المقدرة المالية أو القدرة على تعبئة شبكات النفوذ القديمة.
● التجديد الفعلي للنخب: فتح الباب أمام فئة أقل من 35 سنة، وإدماج فعاليات المجتمع المدني، مع إسناد دوائر رئيسية وقوائم متقدمة لهذه الوجوه الجديدة النزيهة، بدلاً من تهميشها في مراكز غير قابلة للفوز.
مواصفات المترشحين لسنة 2026 (تشريعيات): المشرع الرقيب.
مجلس النواب يحتاج إلى مواصفات وطنية قادرة على ترجمة المشاريع الكبرى للدولة الاجتماعية والإصلاحات الاقتصادية إلى نصوص قانونية.
● النزاهة المطلقة: سجل عدلي خالٍ من أي تهمة مالية، مع وجوب الكشف العلني عن الممتلكات والمصالح فور إيداع الترشيح. وأي متابعة قضائية مرتبطة بتضارب المصالح تؤدي إلى الرفض التلقائي.
● الكفاءة التقنية والقانونية: ثقافة معمقة في السياسات العمومية والمحاسبة الوطنية، لأن العمل البرلماني لا يختصر في الخطب المنبرية.
● الانضباط وأخلاقيات الولاية: في مواجهة ظاهرة التغيب البرلماني التي بلغت نسبتها في بعض الفترات 30% من الجلسات، يجب على كل نائب مستقبلي الالتزام كتابياً بحضور فعّال في اللجان والجلسات العامة.
مواصفات المترشحين لسنة 2027 (جماعية، جهوية، مهنية): المدبر المحلي الميداني.
الجماعات الترابية تدير شؤون المواطن اليومية (البنيات التحتية، التعمير، الخدمات العمومية). وهنا يجب أن تنتقل المواصفات من “السياسي المحض” إلى المدير العمومي المحترف.
● إتقان التدبير المحلي وقوانين الصفقات العمومية: في ظل تعقيد الجهوية المتقدمة، يجب على المنتخب المحلي أن يكون ملماً بقواعد الطلبيات العمومية والتنمية الترابية. وأن يثبت تكويناً أو خبرة في التدبير، وذلك لرفع نسبة تنفيذ المشاريع الاستثمارية التي كثيراً ما تبقى عالقة، حيث تصل نسبة اعتماداتها غير المستهلكة إلى 30% من الميزانيات الجماعية لضعف التتبع.
● المساءلة الكاملة (ربط المسؤولية بالمحاسبة): على مترشح 2027 أن يعلن شفافية تامة عن ممتلكاته، ويلتزم بإحداث مجالس أحياء بميزانيات تشاركية تُنشر مداولاتها.
● الانتماء الترابي والقطيعة مع تضارب المصالح المحلية: من غير المقبول أن يكون المنتخب الجماعي، في نفس الوقت، مقدم خدمات لجماعته. يجب توسيع دائرة المنع لتشمل الأقارب (الزوج، الأصول، الفروع) الذين يمارسون نشاطاً اقتصادياً داخل دائرة الترابية.
رهان محطة 2026-2027: التوفيق بين صناديق الاقتراع والمدينة.
لم يعد فرض هذه المواصفات خياراً أخلاقياً، بل ضرورة مؤسساتية. فالامتناع القياسي عن التصويت، الذي تجاوز 70% في بعض المدن الكبرى خلال الاستحقاقات السابقة، ليس مجرد لا مبالاة، بل هو حكم قاسٍ على الجدران المتسربة بين المال والسلطة. ولن يستعيد المغرب ثقة مواطنيه، خاصة فئة الشباب، إلا بانتقاء صارم للمترشحين، مدعوم بآليات رقابة مستقلة، ومنع تراكم المناصب، وتجريم تضارب المصالح. مغرب 2027 لا يمكنه أن يتحمل منتخبين “يمارسون السياسة” لتأمين أنفسهم؛ بل هو بحاجة إلى خدام للمدينة، بنزاهتهم وكفاءتهم يبنون وطناً عادلاً ومنسجماً وشفافاً، حيث يحلو العيش الكريم للجميع.
مصادر الأرقام المذكورة :
تستند الأمثلة الرقمية الواردة في هذا الافتتاحية حصراً إلى وثائق عمومية رسمية، متاحة للاطلاع على مواقعها الإلكترونية.
في ما يتعلق بالاختلالات المالية في تدبير الجماعات الترابية، فقد أفاد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2023ء2024، في بابه المخصص لمراقبة تدبير الجماعات المحلية، بأن مجموع المخالفات المالية المسجلة تجاوز 1.8 مليار درهم. وأشار التقرير نفسه، في فصل الدعم العمومي الممنوح للجمعيات والأشخاص المعنوية، إلى وجود أكثر من 640 مليون درهم كفائض دعم عمومي غير مصرح به أو غير مبرر الاستعمال.
أما فيما يخص شفافية حسابات الحملات الانتخابية، فإن المحكمة الدستورية، في قراراتها القضائية المتعلقة بحسابات انتخابات 2021 (التشريعية والجماعية)، سجلت فروقات في تقديم المبررات المالية تجاوزت 200 ألف درهم في المعدل لكل لائحة، مما أدى إلى رفض حسابات العشرات من المترشحين. وهذه القرارات منشورة على الموقع الرسمي للمحكمة.
وبخصوص حالات تضارب المصالح، فقد وثّقها المجلس الأعلى للحسابات في تقاريره المواضيعية حول الصفقات العمومية وصفقات التفويض، حيث أورد نماذج لمنتخبين يملكون 30 % من أسهم شركات عقارية مع مشاركتهم في لجان استثمارية، في حين تُعرض عليهم صفقات تطهير بقيمة 120 مليون درهم. كما يشير التقرير السنوي إلى أن قيمة صفقات التفويض التي تُبرم دون منافسة شفافة تتجاوز 400 مليون درهم سنوياً في بعض الجهات.
أما معايير الاستبعاد التي تقترحها الافتتاحية (كالدين للخزينة يتجاوز 50 ألف درهم، أو النقص في المبررات الذي يزيد عن 10% من النفقات المصرح بها) فمستوحاة من توصيات المجلس الأعلى للحسابات الواردة في تدقيق حسابات الأحزاب السياسية برسم سنة 2023.
وبخصوص ظاهرة التغيب البرلماني، التي بلغت نسبتها في بعض الفترات 30% من الجلسات، فهي مثبتة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول مراقبة تدبير مرافق البرلمان، فضلاً عن المعطيات المنشورة من طرف مجلس النواب نفسه.
وأخيراً، فإن صعوبات تنفيذ الميزانيات الجماعية تؤكدها التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات، التي تذكر أن نسب الاعتمادات الاستثمارية غير المستهلكة تصل في بعض الجماعات إلى 30% من الميزانيات المرصودة. كما أن نسبة الامتناع عن التصويت القياسية، التي تجاوزت 70% في بعض المدن الكبرى خلال الاستحقاقات السابقة، مستقاة من المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية بخصوص الانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2021.
