أخبارمجتمع

تعليق على نص * عبد السلام الصديقي بشأن تنمية إقليم جرسيف، مع مقترحات عملية لحل إشكالية الأراضي السلالية.

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشانيc

أولاً: تحليل النص الأصلي – رؤية تنموية طموحة.

يمثل نص السيد عبد السلام الصديقي قراءة سياسية وتنموية متكاملة لواقع إقليم جرسيف. النقاط الجوهرية التي يطرحها تستحق الوقوف عندها بتقدير، لأنها تخرج من منطق التوصيف التقليدي إلى منطق البرمجة الاستراتيجية:

1. الانتقال من البنية التحتية إلى خلق الثروة.
يتجاوز النقاش التقليدي حول فك العزلة وتوفير الخدمات، إلى طرح سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل الإنتاج الفلاحي إلى قيمة مضافة وفرص شغل؟ وهذا يتوافق مع التوجهات الكبرى للاستراتيجيات الفلاحية بالمغرب، التي تركز على تثمين المنتوج وتقوية سلاسل القيمة.
2. جعل الزيتون محركاً اقتصادياً.
يضع النص سلسلة الزيتون كقلب المشروع التنموي، وهو تركيز واقعي، حيث تشير المعطيات إلى أن جهة الشرق، وضمنها إقليم جرسيف، تعد قطبا مهما لإنتاج الزيتون وطنياً. غير أن هذا لا ينبغي أن يكون حكراً على محصول واحد.
3. ربط الفلاحة بالتنمية البشرية
يشير النص إلى مفارقة مهمة، وهي أن النجاح الفلاحي لم ينعكس بشكل كافٍ على تحسين ظروف عيش السكان ومحاربة البطالة، خاصة بين الشباب والنساء. وهذه المفارقة هي جوهر إشكالية التنمية المحلية.
4. دعوة لحكامة محلية جديدة
يدعو إلى تبني مشروع جماعي يشارك فيه جميع الفاعلين المحليين، من منتخبين وإدارة وفعاليات اقتصادية ومدنية، لبناء “ميثاق ترابي” حقيقي. وهذا الطرح ينسجم مع روح الجهوية المتقدمة والحكامة التشاركية.

ثانياً: تعليق على الملاحظات المرفقة – إضافة نوعية وتصويب ضروري.

الملاحظات التي أرفقتها بالنص الأصلي تقدم إضافة نوعية وتصويباً مهماً للرؤية المطروحة، وتتمثل في نقطتين أساسيتين:

1. تنويع الإنتاج الفلاحي.

النص الأصلي ركز بشكل مكثف على الزيتون، بينما تشير الملاحظة بدقة إلى أن المؤهلات الطبيعية للإقليم تتجاوز ذلك لتشمل أشجاراً مثمرة متنوعة كالتين والرمان والمشمش والخوخ والسفرجل. هذا الفتح في الرؤية يسمح بتنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على محصول واحد، وتعزيز المرونة الاقتصادية للإقليم في مواجهة التقلبات المناخية والأسواق.

2. قضية العقار (الأرض السلالية) – النقطة الأكثر جوهرية.

النص الأصلي أشار إلى إشكالية العقار بشكل عام، لكن الملاحظة تحدد بدقة أن غالبية الأراضي هي “أراضي عرشية أو سلالية”. وتوضح أن المشكلة ليست فقط في عدم التحفيظ، بل في تعقيد الوضعية القانونية الناتج عن تنازل ذوي الحقوق عن المنفعة لآخرين (بما يشبه “البيع العرفي” أو “الملكية” على سبيل الانتفاع) مقابل مبالغ مالية، مع استمرار انتقال هذا الانتفاع من جيل إلى آخر، وأحياناً دون مراعاة حقوق النساء الوراثيات.

هذا الوضع يخلق حالة من عدم اليقين القانوني التي تعيق أي استثمار حقيقي، وتجعل من الصعب تطبيق أي خطة تنموية طموحة دون معالجة جذرية لهذا الملف الشائك. فالأرض التي يكتنفها الغموض لا يمكن أن تكون ضماناً للقروض، ولا وعاءً للاستثمارات طويلة الأمد، ولا أساساً لتخطيط عمراني أو فلاحي منظم.

ثالثاً: حلول مقترحة لإشكالية الأراضي السلالية (الجماعية) – مقاربة قانونية وإدارية.

انطلاقاً من واقع الحال الذي وصفته، وبالنظر إلى التشريعات والسياسات العمومية الجاري بها العمل في المغرب، يمكن اقتراح الحلول التالية، مقسمة بين ما هو ممكن على المستوى المحلي، وما هو مطروح على مستوى الوزارة الوصية (وزارة الداخلية، عبر مديرية الشؤون القروية والتعاونيات، وبالتنسيق مع الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري).

أ. الحلول الممكنة على مستوى الجماعة أو النيابة أو المحكمة المحلية.

1. بالنسبة لذوي الحقوق الأصليين (الورثة الشرعيون).

● تحفيز الإجراءات التصالحية داخل الأسرة أو العرش
يمكن اللجوء إلى آليات الوساطة القبلية أو العشائرية (التوفيق بين الأطراف) لتحديد الأنصبة الشرعية، مع الاستعانة بعدول أو خبراء في الفرائض، على أن يُرفع ذلك إلى القضاء الشرعي للمصادقة عليه.
● رفع دعاوى إثبات الحقوق أمام المحاكم الابتدائية.
في حالة النزاع، يمكن لأي وريث أن يرفع دعوى لإثبات حقه في الإرث، استناداً إلى وثائق الحالة المدنية والوثائق العرفية (كعقود الملكية أو شهادات العدول)، وذلك قصد الحصول على حكم قضائي يُحدد الأنصبة.
● المطالبة بتعويض مالي عادل مقابل التنازل عن المنفعة.
في الحالات التي تنازل فيها ذوو الحقوق عن منفعة الأرض لأطراف أخرى مقابل مبالغ مالية، يمكن إعادة النظر في تلك الاتفاقات عبر الصلح أو التقاضي، خاصة إذا ثبت أن المبالغ لم تكن عادلة، أو أن الاتفاق تم تحت ضغط أو دون مراعاة لحقوق النساء أو القصّر.

2. بالنسبة للمستفيدين الحاليين (الذين اشتروا الانتفاع أو ورثوه).

● تحويل عقود الانتفاع العرفية إلى عقود كراء طويل الأمد موثقة.
يمكن للمستفيدين التقدم إلى الجماعة أو السلطة المحلية لتوثيق وضعيتهم ككرّاء أو منتفعين، مع تحديد مدة وإيجار رمزي، على أن يُرفق ذلك بتعهد بالاستثمار وتحسين الأرض.
● اللجوء إلى إجراء التملك عن طريق التقادم المكسب (الحيازة لمدة 30 سنة).
إذا توافرت شروط الحيازة الهادئة والمستمرة والظاهرة وغير المعترض عليها لمدة 30 سنة، يمكن للمستفيد رفع دعوى أمام المحكمة للتملك عن طريق التقادم، طبقاً للفصل 89 من مدونة الحقوق العينية، خاصة إذا توفرت وثائق تثبت بداية الحيازة.
● طلب تحفيظ الأراضي بشكل جماعي باسم المستفيدين الحاليين
في بعض الحالات، وبموافقة الأطراف المعنية، يمكن التقدم بطلب للتحفيظ العقاري للأراضي المستغلة، مع إثبات الصفقات العرفية التي تمت، على أن يتم إشهار ذلك قانونياً لإعطاء الصفة الرسمية للملكية.

ب. الحلول المطروحة على مستوى الوزارة الوصية (وزارة الداخلية – مديرية الشؤون القروية).

تتعامل الدولة المغربية مع ملف الأراضي الجماعية (السلالية) كأولوية وطنية، خاصة في إطار تفعيل الجهوية المتقدمة وتشجيع الاستثمار الفلاحي. وفي هذا الصدد، تم اتخاذ عدة إجراءات تشريعية وإدارية:

1. قانون 62-17 الصادر في 2019.

يُعد هذا القانون نقلة نوعية في تدبير الأراضي الجماعية، حيث يسمح بـ:

● إحداث مجالس تدبير للأراضي الجماعية تضم ممثلين عن المنتفعين والإدارة، لتسيير الشؤون العقارية بطريقة ديمقراطية وشفافة.
● إمكانية إبرام عقود كراء طويلة الأمد (تصل إلى 40 سنة) لفائدة المستثمرين، مما يشجع الاستثمار الخاص مع الحفاظ على الملكية الجماعية للأجيال القادمة.
● تحديد آليات لتوزيع المداخيل (كراء، تعويضات، أرباح) بشكل عادل بين المنتفعين، مع إمكانية تخصيص حصص للنساء والأرامل والأيتام.

2. سياسة التحفيظ العقاري (الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية).

· أطلقت الوكالة حملات تحفيزية لتحفيظ الأراضي الجماعية، مع تخصيص إعانات مالية وتقنية للجماعات والنيابات لتسريع العملية.
· أصبح التحفيظ شرطاً أساسياً للاستفادة من برامج الدعم الفلاحي (كـ”الجيل الأخضر”) والحصول على القروض البنكية، مما يخلق حافزاً قوياً للأطراف المعنية لتسوية وضعياتها.

3. لجان الصلح والتوفيق الجهوية.

● أحدثت وزارة الداخلية، بتنسيق مع وزارة العدل، لجاناً جهوية مختلطة (إداريون، قضاة متقاعدون، أعيان، خبراء عقاريون) لتسوية النزاعات المتعلقة بالأراضي الجماعية قبل الوصول إلى المحاكم، مما وفر وقتاً وجهداً كبيرين على المتقاضين.

4. التوجيهات الوزارية بخصوص حقوق النساء.

● شددت المناشير الوزارية على ضرورة إدراج النساء ضمن قوائم المنتفعين، واعتماد مبدأ المساواة في الاستفادة من مداخيل الأراضي الجماعية، خاصة في المشاريع التنموية، وإن كان التطبيق لا يزال متفاوتاً بين المناطق.

رابعاً: خلاصة واستنتاج عام.

النص الأصلي لعبد السلام الصديقي يُعد وثيقة سياسية طموحة تحدد الاتجاهات الكبرى للتنمية، لكن الملاحظات المرفقة تُذكّر بأهمية النزول إلى تفاصيل الواقع، حيث تظل قضية تسوية وضعية العقار الفلاحي هي العائق الأساسي الذي، ما لم يُحل، ستبقى أي رؤية تنموية مجرد حبر على ورق.

التحدي الحقيقي لجرسيف ليس فقط في تحويل الزيتون إلى منتوج ذي قيمة مضافة، بل في تحويل الأرض نفسها إلى أداة واضحة وقانونية للإنتاج والاستثمار. وهذا يتطلب:

1. إرادة سياسية محلية وجهوية لتفعيل القوانين القائمة (خاصة 62-17) وليس انتظار قوانين جديدة.
2. مبادرات تصالحية بين المنتفعين الأصليين والمستفيدين الحاليين، برعاية السلطة المحلية والقضاء، للخروج من منطق الصراع إلى منطق الشراكة.
3. حملات تحفيزية وتحسيسية حول أهمية التحفيظ العقاري، مع تقديم مساعدات مالية وتقنية للراغبين في تسوية وضعياتهم.
4. إدماج فعلي للنساء في عملية التوزيع العادل للمنفعة، ليس فقط على مستوى النصوص، بل في الممارسة اليومية للجماعات والنيابات.

إن نجاح أي مشروع تنموي بجرسيف، سواء تعلق بالزيتون أو بالأشجار المثمرة أو بالصناعات التحويلية، يمر حتماً عبر بوابة العقار. فالأرض الواضحة قانونياً هي الأرض القابلة للاستثمار، والأرض المستثمرة هي الأرض القادرة على إنتاج الثروة وفرص الشغل والكرامة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci