
بقلم: محمد خوخشاني

مقدمة
أطلقت انطلاقة كأس العالم 2026 النقابَ مباشرة عن وجه الكرة المغاربية تحت أضواء النقد الدولي. فقد كشفت المباريات الافتتاحية للمنتخبين المغربي والجزائري عن مسارين متباينين، وديناميكيات نفسية متقابلة، وطموحات لا تصطدم بالحقائق نفسها. فبينما يؤكد “أسود الأطلس” رسوخ قدمهم في نخبة الكرة العالمية، يقيس “الخضر” – بعد غياب دام اثني عشر عاماً – حجم التحدي الذي ينتظرهم.
أولاً: التحليل الفني للأداء.
المغرب 1 – 1 البرازيل (المجموعة الثالثة): تأكيد المكانة.
لا يُعزى التعادل الذي حققه أسود الأطلس أمام “السيليساو” (1-1) إلى الصدفة، بل يجسّد النضج الذي اكتسبته تشكيلة تُدرّبها نخبة من الكفاءات، وتعلمت ألا تخشى عمالقة كرة القدم.
اللحظة الفارقة: أثبت هدف التقدم المبكر الذي سجله إسماعيل صيباري (الدقيقة 21) قدرة المغرب على استغلال فترات القوة، قبل أن يعيد فينيسيوس جونيور المدرجات إلى التعادل (د 32). لكن الأهم من النتيجة هو الموقف المغربي: تنظيم دفاعي دقيق، وهجمات مرتدة سريعة، وإدارة عاطفية تليق بأكبر الفرق.
نظرة المراقبين: رغم الإحباط الذي أبداه المدرب (“أردنا الفوز، لكنها كرة القدم”)، أشادت الصحافة الدولية بالأداء المغربي. لم يعد المغرب يكتفي بالوجود، بل يفرض أسلوبه وينظر في عيون خصومه التاريخيين. هذا الأداء، أمام برازيل مرعبة، يؤكد أن مشوار 2022 لم يكن شذوذاً، بل كان بمثابة شهادة ميلاد قوة كروية صاعدة.
الأرجنتين 3 – 0 الجزائر (المجموعة العاشرة): درس قاس في مستويات النخبة.
اصطدم عودة “الخضر” إلى المحفل العالمي بعد اثني عشر عاماً من الغياب بواقع بطل العالم القاسي. في كانساس سيتي، وجه المنتخب الأرجنتيني درساً قاسياً (3-0) تجاوزت تداعياته النتيجة، وكشفت عن هشاشة هيكلية فريق لا يزال في مرحلة الاستعداد.
اللحظة الحاسمة: ثلاثية ليونيل ميسي (د 17، 60، 76) – وهي عبقرية فردية مذهلة – حطّمت آمال الجزائريين. أمام هذا المستوى، تطايرت صلابة الدفاع التي كانت مصدر فخر الكتيبة الخضراء.
تحليل لا هوادة فيه: أظهر الفارق في المستوى الفردي والواقعية الجارفة للأرجنتين حجم الطريق الذي لا يزال يتعين قطعه. ورغم أن التأهل ما زال في المتناول، فإن هذه الهزيمة الموجعة تفرض مراجعة جذرية. تحتاج الجزائر إلى الوقت والمباريات والمراجع الجماعية لتطمح في منافسة كهذا المستوى من الإيقاع والكثافة.
ثانياً: التداعيات النفسية وتصور “الفجوة”.
تُغذي المقارنة بين النتيجتين الأولىَين النقاشات حول تحول محتمل في قيادة الكرة الإقليمية. لكن ما وراء الملاحظة الرياضية، هناك حالتان ذهنيتان متضاربتان.
المغرب: الفخر والطموح كمحرك.
لدى الجماهير المغربية، الشعور السائد هو الفخر المشروع الممزوج بطموح لا حدود له. لم تعد مكانة نصف نهائي المونديال السابق ذكرى بعيدة، بل أصبحت معياراً للأداء. يُنظر إلى الأداء ضد البرازيل على أنه دليل على أن المغرب ينتمي بحق إلى نخبة الكرة العالمية. تنعكس هذه الثقة في تصريحات المدرب: الندم على عدم الفوز على البرازيل هو إعلان طموح لم يعد مجرد موقف. لقد دخل أسود الأطلس بُعداً جديداً، حيث يصبح الإنجاز هو القاعدة.
الجزائر: الوعي الصادم.
في الجزائر، تُحدث الهزيمة أمام الأرجنتين هزة بناءة ولكنها مؤلمة. الإحباط الذي يلوح في الأفق لدى الأنصار يزداد حدّة لأنهم يدركون جيداً الموهبة الخام لمنتخبهم. لكن هذا الإدراك المرير يصاحبه يقين: الغياب الطويل عن المنافسات الكبرى ترك ندوباً عميقة. على الطاقم الفني الآن إعادة بناء الثقة الجماعية، وتذكير اللاعبين بأن التأهل ما زال ممكناً، وتحويل هذه الإذلال إلى وقود للمباريات القادمة. العقبة شامخة، لكن كرة القدم تمنح دائماً فرصاً للثأر.
ثالثاً: آفاق بلوغ المربع الذهبي.. ملامح المسارات.
بلوغ نصف نهائي كأس عالم بمشاركة 48 منتخباً يبقى إنجازاً استثنائياً. لكن الجولة الأولى رسمت بالفعل ملامح المسارات المحتملة.
حظوظ المغرب: طموح ذو مصداقية.
بهذه النقطة الثمينة التي انتزعها من مرشح المجموعة، يخوض المغرب ما تبقى من مبارياته (أسكتلندا وهايتي) بمؤشرات إيجابية للغاية. يبدو التأهل متصدراً أو ضمن أفضل الثواني في المتناول. لكن القوة الحقيقية للأسود قد تبرز في الأدوار الإقصائية. فخبرتهم الجماعية، وصلابتهم الدفاعية، وقدرتهم على تدبير اللحظات الحاسمة، تسمح لهم بالنظر إلى المربع الذهبي بمصداقية لا تستطيع معظم الفرق الإفريقية ادعاءها. مشوار 2022 لم يكن مصادفة؛ بل صقل هوية فريق كامل.
حظوظ الجزائر: طريق شائك.
وضعية الخضر أكثر تعقيداً. مع صفر نقطة وفرق أهداف سلبي (-3)، لا مجال للخطأ أمام الأردن والنمسا في المجموعة العاشرة. ورغم أن التأهل إلى دور الـ32 ما زال ممكناً، فإن التفكير في المربع الذهبي في هذه المرحلة يبقى رهاناً جريئاً. على الفريق أولاً تثبيت كتلته الدفاعية، واستعادة الحيوية الهجومية، والأهم، استعادة الثقة اللازمة لخوض المباريات الفاصلة. الموهبة الفردية موجودة، لكن الالتئام الجماعي وخبرة المواعيد الكبرى هي الغائبة. الطريق نحو ربع النهائي أو نصفه يمر أولاً عبر إعادة بناء نفسية.
رابعاً: تحليل معمق: مفاتيح التحول الإقليمي.
وراء النتائج، يعمل هذا المونديال كمرآة عاكسة للمسارات. فـ”الفجوة” التي تبدو آخذة في الاتساع بين الجارين المغاربيين ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج انتظام منهجي.
1. الاستمرارية مقابل التذبذب.
بنى المغرب صعوده على سياسة التكوين والاستمرارية. الجيل الحالي هو ثمرة عمل طويل الأمد، حيث أثمر استقرار الأطر والثقة في المواهب الشابة. على النقيض، عانت الجزائر من جفاف دام اثني عشر عاماً على الساحة العالمية. ورغم المواهب الفردية الرائعة، فإن نقص المنافسة على أعلى المستويات ترك ندوباً. انتظام الأداء هو الدرع الأول ضد خيبات الأمل.
2. الخبرة كرصيد.
تعلم أسود الأطلس كيفية إدارة الضغط واللحظات الحاسمة والخصوم الكبار. مباريات 2022 منحتهم نضجاً لا توفره إلا المنافسات الكبرى. أما الجزائر، فلا تزال بحاجة لاكتساب هذه الخبرة، التي لا تُشترى بل تُبنى في رحم المعاناة.
3. القيادة الإقليمية: مسألة تصور.
إذا كان المغرب يبدو اليوم متقدماً، فمن التبسيط جعل ذلك قدراً محتماً على الجزائر. كرة القدم المغاربية ككل تقدمت. التنافس بين البلدين لا يمحى، بل يتحول. المغرب يتولى قيادة الكرة الإفريقية، لكن الجزائر تمتلك الموارد البشرية والإمكانات للعودة.
خامساً: الخاتمة: تحول يحتاج إلى تأكيد، وتنافس يحتاج إلى تجديد.
كشفت انطلاقة مونديال 2026 عن واقعين متميزين لكنهما متكاملان. المغرب، بمجابهته للبرازيل بثقة الكبار، يثبت أن مكانته العالمية لم تعد استثناءً بل قاعدة. لم يعد أسود الأطلس يسعون لخلق المفاجأة؛ بل يتبنون مكانتهم ويتطلعون إلى المربع الذهبي بشرعية طموحاتهم. بالنسبة للجزائر، يتردد صدى الهزيمة أمام الأرجنتين كتذكير وحشي بمتطلبات المستوى العالي جداً. بعد سنوات الغياب، يمر إعادة البناء عبر مباريات كهذه، حيث ألم الفشل يشكل الطباع ويشحذ الاستراتيجيات.
لكن ما يميز كرة القدم – هذه اللعبة الملك التي تأسر الكوكب – هو عدم قابليتها للتوقع. إذا كانت القيادة الإقليمية تميل اليوم لصالح المغرب، فإن البطولة لم تبدأ إلا للتو. أمام الخضر مباراتان لشن ثورتهم وإثبات أن كرة القدم المغاربية، بكل تنافسيتها وثرائها، لم تنتهِ بعد من هز العالم.
لأن ما وراء الأرقام والتصنيفات، هذا الشغف المشترك، وهذا الفخر المتقاسم، هو ما يوحد شعوب المغرب العربي أبعد من الملاعب. النصر الحقيقي، ربما، يكمن في هذه القدرة على تجاوز الذات، والحلم معاً، ورفع رايات منطقة لا تتوقف عن كتابة تاريخ كرة القدم العالمية


