
بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

مازلت أتذكر الأمر كما لو أنه حصل بالأمس، عندما توصلت ذات يوم من الأيام الأخيرة لشهر يونيو 1988 بخبر اجتيازي لامتحانات الباكلوريا بنجاح، قصدت رفقة أحد اصدقائي مكتبة تقع في مركز المدينة، ومازلت أُجْهِدُ نفسي لأتذكر كيف حصلت على مبلغ من المال، أنا الذي نادرا ماكنت أحصل على مايسميه أبناء اليوم بمصروف الجيب، إذ كانت تمضي شهور وشهور دون أن يجد الدرهم الأبيض طريقه إلى جيبي، فقد كان والدي رحمه الله يكسب بالكاد قوتنا اليومي ونحن الأسرة المؤلفة من تسعة أفراد، نقضم دراهمه المعدودة كالجرذان، ذهبت أنا وصديقي إلى تلك المكتبة، لنقتني بعض الكتب نستغرق الصيف كله أو أكثر أيامه في قراءتها استعدادا للموسم الدراسي الموالي وحينها كنت قد عقدت العزم على دراسة اللغة والأدب الفرنسيين بكلية الآداب والعلوم الإنسانية (والتي كان يحلو لبعض الظرفاء منا تسميتها تهكما كلية العذاب والهموم الإنسانية، لأنها لاتتيح لخريجيها الحصول على منصب عمل إلا بعد مشقة وعناء شديدين، وتلك حكاية أخرى).
دخلت المكتبة، وكنت مشدوها بتنظيمها البديع، فقد كانت الكتب مصنفة أولا تبعا للتخصص الذي تندرج فيه، ثم تبعا للترتيب الأبجدي للحروف اللاتينية، توجهت رأسا إلى المكان المخصص لعرض الروايات والشعر والمسرح، ودون أن تكون لي سابق معرفة مفصلة بالأدب الفرنسي وأعلامه المميزين، إذ كانت معارف معظم أبناء جيلي تقتصر على النصوص المبرمجة في الكتب المدرسية وهي على أي حال لا تقدم صورة جامعة للأدب الفرنسي وبعض سمات تفرُّدِه وأصالته بين آداب الأمم الأخرى، تناولت ثلاثة كتب كما اتفق وهي على التوالي رواية Madame Bovary للكاتب غوستاف فلوبير Gustave Flaubert و Les mots للفيلسوف الوجودي والناقد والمسرحي جان بول سارتر Jean_Paul Satre وأحد أعظم الدواوين الشعرية في تاريخ البشرية Les fleurs du mal للشاعر العبقري Charles Baudelaire.
لم أكن أعلم عن تاريخ الأدب الفرنسي ومراحل تطوره إلا النزر القليل، لكن ربما حدسي هو الذي دلَّني على هذه التحف الأدبية التي سأتعمق في دراستها لاحقا حين سأكون قد اكتسبت بعض أدوات الفهم والتحليل، هي أعمال لارابط بينها للوهلة الأولى، لكنني سأعلم لاحقا أن الفيلسوف جان بول سارتر كتب دراسة تحليلية لأعمال فلوبير الأدبية يحمل عنوان “أبله العائلة” L’idiot de la famille “، قام سارتر متوَسِّلا بأدوات التحليل النفسي إلى إخضاع أعمال هذ الكاتب الفذ إلى تشريح نفسي وقف فيه على تركيبة المؤلف النفسية وعلى بعض مواطن تفرُّدِه في المشهد الأدبي الفرنسي وبين مُعاصِريه من كتاب فرنسا العظام: شاتوبريان، فيكتور هيجو، بلزاك وغيرهم. ولقد كتب سارتر دراسة نقدية حول أعمال بودلير الشعرية بخاصة.
قرأْت باهتمام بالغ وبمتعة آسِرةٍ رواية فلوبير، فعلمت أن بودلير هو أيضا كتب مقالة نقدية في إحدى المجلات تناول بعض الخصائص الفنية والأسلوبية لرواية فلوبير وأنه كان من بين القلائل الذين احتفوا بالرواية عند صدورها، وكشفوا مواطن الجِدَّةِ والأصالة فيها، كان بودلير شاعرا ألْمَعِيّاً وكان أيضا ناقدا أدبيا وفنيّا من طرازٍ نادر، كان بمقدوره أن يمسك بما لايخطر على بال مُجايِليهِ من تفاصيل تجعل من عمل أدبي معين عملا متفردا. لكن ما أسَرَني في ديوانه “زهور الشر” وهو العلامة الفارقة ومنعطف التحول الحاسم في مهمة الشاعر داخل مجتمعه وفي النظرة إلى ماهية الشعر وارتباطه بالعالم والفنون الأخرى من موسيقى ورسم ونحث. لقد وجدت في هذا الديوان ضالّتي، إذ مازالت قصائده ترافقني منذ أن اكتشفته أول مرة ومازلت أكتشف فيه إلى اليوم مايخلخل الكثير من تصوراتي عن العالم والكائنات و مازلت أدرس بعض قصائده رفقة تلاميذي وأحفظ بعضها، ومازلت أقتني نسخا كثيرة منه لمجرد أن ناقدا أو شاعرا فرنسيا كبيرا كتب تقديما لهذا الديوان.
لا أعتقد أنه يوجد ديوان يعبِّر عن الوضع الإنساني ومأساويته كما يعبر عنه بودلير في قصائده المنظوم منها والمنثور، حالة التمزق الدائم والمؤلم بين رغبات الجسد ومطامح الروح، بين الأرض والسماء، بين الشعور القاتل بالوحدة وسط الجموع وبين الارتماء في أحضانها، لكنني قرأته وأنا مازلت يافعا تتنازعني الكثير من الأهواء وتتلاعب بي الكثير المشاعر المتناقضة، كنت أتلمس طريقي في هذا العالم الذي كنت أشعر به يُناصبني العداء ويزْرع في طريقي العقابيل من كل لون.
وما كان يملأ كياني حقا هو حالة الاكتئاب الدائم التي التي كنت اشعر والتي كانت قراءة قصائد بودلير تُعَمِّقُها وتُفاقمها، لذا كان الكاتبُ الأرجنتيني الكبير خورخي لويس بورخيس George Luis Borgès يحذر من الإقدام على وضع هذا الديوان الحارق بين يدي قارئ أو قارئة خلال يفاعته أو مراهقتها، لأنه كتاب مُعْدٍ contagieux يمتد منسوب الكآبة التي يحملها بين ثناياه إلى قارئه، إنه ديوان يقترح تعريفا جديدا للشعر وجمالياته ويطرق موضوعات لم يسبقه إليها أي شاعر قبله ويؤسس للحداثة الشعرية على الأقل في الآداب الغربية، لكنه أيضا يكشف أيضا جوانب خفية من “خطورة” الأدب على فئة من مُتَلَقّيه، ديوان كئيب يبث كآبة قاتلة في نفس من يقرؤه. لهذا مازلت أحيانا أجدني دون أن أدري ما يحصل لأيام طويلة مكتئبا على نحو لايُطاق.
إنني لاأؤكد هنا على من يقرأ بعض قصائد بودلير سيُصاب بلعنة الاكتئاب، بل إن من لديه تركيبة نفسية سريعة التأثر والعطب، ستدب الكآبة في كيانه كما يدب السم الناقع في كل خلِيّةٍ جسد من تجرّعه مُكْرَهًا أو عن طيب خاطر، لكن قصائدَ هذا الديوان الذي لاتضاهي سوداويته أشد ليالي الشتاء حُلْكةً سيبقى شابا غضَّ العود كقرائه، وهذا ما وصف به الشاعر والمترجم المرموق Pierre-Jean Jouve هذا الديوان الفريد في دنيا الأدب : “il aura toujours l’âge de ses lecteurs…”

