
صدر للكاتب و الصحفي عبد الحميد جماهري مقال في موقع «العربي الجديد» بعنوان «إمارة امتداد التراب الروحي للمغرب». و نظرا لأهمية المقال، نعيد نشره بالكامل.
بقلم: عبد الحميد جماهري

يحرص المغرب، بقيادة الملك محمّد السادس، على أن يتحرّك في جغرافية روحية يمتدّ ترابها بعيداً في القارّة السمراء. وإذا كانت جغرافية الإمبراطورية التي ربطت بين المغرب ودول الساحل والصحراء لم تعد كما كانت، بطبيعة الحال، ولا تكشف إرادة سياسية مباشرة لإحيائها، فإنّها تعمل في المخيال السياسي الإمبراطوري المغربي بشكل أكثر حداثة وبصيغ جديدة، وتؤطّر النفوذ الحديث للمغرب في القارّة.
ظلّ التاريخ حاضراً في الوعي الديني الأفريقي. وفي هذا يقول إبراهيم أحمد المقري، عضو فرع مؤسّسة محمّد السادس للعلماء الأفارقة في نيجيريا: “ولاء الممالك والدول الأفريقية المسلمة لإمارة المؤمنين بالمغرب تاريخي، يمتدّ قديماً إلى عصر المرابطين الذين امتدّت حدود دولتهم إلى السنغال والسودان، كما كانت بعض الدول الأفريقية تدعو للسعديين زهاء ثمانية عقود، وكانت الخطبة تتمّ باسم السلطان المغربي في تمبكتو التي بقي أهلها أوفياء لبيعتهم، وبقي العهد موصولاً إلى عهد المولى عبد الرحمن.
وأعادت ملكية محمّد السادس تنظيمه بشكل قوي وبمثابرة لا تلين”. وإذا كان التاريخ يسجّل أنّ الارتباط بين الدولة في المغرب والعمق الأفريقي قد بدأ مبكّراً، منذ العهد المرابطي في القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر، فإنّه يندر حقّاً اليوم، في دائرة العالم الإسلامي كما في دائرة عالم المؤمنين، أن تُنظَّم في عمق القارّة الأفريقية ندوة عن إمارة المؤمنين، بما هي قاعدة شرعية ودينية خاصّة بالإسلام بدأت منذ العهود الأولى للدولة الإسلامية، وبالأحرى أن تكون هذه الندوة في دولة النيجر الحديثة، ويكون موضوعها “إمارة المؤمنين ورعايتها للشأن الديني الأفريقي وللمشترك الإنساني“.
فقد نشَّط المغرب، خلال يومي السبت والأحد الماضيين، هذه القاعدة أو تراثه الحي فيها من زاويتين: الأولى، الشأن الديني الأفريقي، والثانية، المشترك الإنساني. بالنسبة إلى البند الأول، اعتُبرت إمارة المؤمنين ثابتاً من ثوابت التديّن الأفريقي، كما أن البعد الأفريقي ثابت من ثوابت إمارة المؤمنين. ولعلّ المؤسّسة المنظمة، مؤسّسة محمّد السادس للعلماء الأفارقة (تضمّ 48 فرعاً في كلّ الدول الأفريقية) هي أكبر تجلّيات الحضور القوي لإمارة المؤمنين في القارّة، وتدخل ضمن ترسانة مؤسّساتية متنوّعة التخصّصات والأنشطة من قبيل مؤسّسة محمّد السادس لنشر المصحف الكريم، ومعهد محمّد السادس لتكوين المرشدين والمرشدات. وهو ما يجعل من التفعيل الميداني لإمارة المؤمنين عملية يومية ومعيشية، بل تنقل أهم الصلاحيات التي تمّت في الحقل الديني المغربي إلى التربة الأفريقية التي لها علاقة بالتديّن في المغرب. بلغة أخرى، تنقل التجربة المغربية نفسها إلى الدول الأفريقية التي تستعدّ لاستقبالها بناءً على خصوصية نموذجها وأدواتها وتكوينها.
ولعلّ المتدخّلين انتبهوا إلى أنّ تحيين انشغالات إمارة المؤمنين يمرّ بالضرورة عبر طريق الوعي “بالتحوّلات التي تشهدها المجتمعات الأفريقية، والدور المحوري الذي تضطلع به إمارة المؤمنين في حماية الثوابت الدينية المشتركة، وصيانة الأمن الروحي، وترسيخ قيم الاعتدال والتسامح والعيش المشترك”.
ومن هنا جاءت الإرادة المُعبَّر عنها في “ترسيخ المرجعية الدينية المشتركة”، على اعتبار أنّ إمارة المؤمنين تجربة متفرّدة في “الجمع بين الشرعية الدينية وخدمة قضايا التنمية والاستقرار والعيش المشترك”. ويمكن القول إنّ التبادل الديني، في عهد محمّد السادس، تجاوز الأفعال الروحية والاعتبارية السابقة التي كانت تتلخّص عموماً في الدعم المادي، أو في حضور الشخصيات الدينية والزوايا والأذرع الجمعوية التابعة لها والفقهاء والعلماء إلى المحافل الدينية في المغرب، إلى ما هو أبعد من حيث نقل التجربة المغربية إلى عمق أفريقيا، وإثبات الحضور في المناطق كلّها من دون تمييز لغوي أو إثني، حيث توجد المؤسّسات المغربية في أفريقيا الفرانكوفونية، كما في نظيرتها الأنكلوفونية، من قبيل تنزانيا شرقي القارّة، التي أعلنت، على لسان مفتيها الأكبر، إيمانها بإمارة المؤمنين المغربية.
نحن أمام تجربة تفوق آلية قيادة دينية إلى ما هو أعمق، أي بناء مرجعية حضارية في قلب مشروع إعادة بناء هذه المجتمعات. طموح كبير، يضع فيه المغرب مهاراته التاريخية والفكرية والصوفية كلّها، علاوة على مهاراته الدبلوماسية والاقتصادية والعلمية الأخرى. ولعلّ هذا يقودنا إلى البند الثاني في مشروع العمل في الحقل الديني الأفريقي، وهو المشترك الإنساني.
أثبتت إمارة المؤمنين، بالرغم من تجذّرها التاريخي، وامتدادها الزمني في الماضي، أنّها يمكن أن تكون بوابة إلى المستقبل، من خلال الانشغالات الحالية في التنمية والتأهيل، وبناء المشترك المجتمعي في الدول المعنية، إلى ما يفوق ذلك في محاربة خطابات التطرّف والإرهاب، ومعالجة القضايا التي تفرزها هذه النزاعات. وقد كانت التجربة المغربية إلى حدّ الآن طريقاً في معالجة قضايا عالقة في وعي الأمّة: قضايا المرأة والآخر، وقضايا التسامح والتعدّدية… إلخ.
الرهانات الجيو – دينية تحضر في كلّ تحرّك تكون الدولة وراءه، وهو موجود عند كثيرين من منافسي المغرب وخصومه، الذين يسعون إلى بناء أرض تابعة تغيب فيها الروح والامتداد التاريخي، إيران وتركيا مثلاً، كما يغيب فيها الولاء لشخص الملك، باعتباره أميراً للمؤمنين. وهذا ينقل المجهود المغربي إلى ما هو أبعد من نفوذ سياسي، إلى مشترك روحي إسلامي إنساني.





