كتاب الرأي

دَرْسٌ في فَنِّ الْعَيْشِ أو إِكْسيرُ الْحَياة

بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

من عادتي، حين أشتغل ساعات الصًّبيحة أو بعضها، أَنْ ألتقي صديقي مصطفى ك. وأن نغادر المؤسسة حيث نشتغل معًا، فيوصلني على متن سيارته إلى بيتي قبل أنْ يَسْتَأنِفَ طريقه إلى مَقَرِّ سكناه، ولكن في مرات عديدة، نُلْقي أَغْْراضََنا في حَقيبةِ سيارته، ونَقْصِدُ سوقُا وسط المدينة، حيث نقتني بضاعة نحن في غِنًى عنها، ولكنها لَوْثَةُ الاستهلاك تَسْتَبِدُّ بنا وتدفعنا دفعا إلى اقتناء أشياء سنطرحها في ركن من أركان البيت دون أن نستعملها أبدا أو في مرات معدودة، ونحن نقصد تلك المتاجر، نتجاذب أطراف الحديث حول مواضيع شَتَّى، نُثَرْثِرُ ونتفقد أحوال البلاد والعباد، نقهقه آنًا، ونلعن هذا الزمان وأهله آوِنَةً أخرى، نسير أحيانا دون وجهة معلومة، كصعلوكين تحملهما أقدامهما دون أن يكون لديهما عليها سُلْطانٌ، نمشي قليلا، نتوقف بُرهَةً، نواصل السير، وأحيانا نعود أدراجنا، نقف أمام واجهة دُكّانٍ، نستفسر هذا التّاجِرَ أو ذاك عن بضاعة بعينها دون أن نشتري نصيبا منها، ونمضي حتى يبلغ التَّعَبُ منا مبلغه، فنقفل عائِدَيْنِ إلى بيتينا، ويتكرر هذا الأمر مرتين على الأقل كل أسبوع.

وذات صباحٍ، ونحن نَسْلُكُ شارعًا صغيرا، لاحتْ لنا على ناصيته واجهةُ دُكّّانٍٍ، كانت واجهة زجاجية عُرِضَتْ خلفها بعض اللّوحاتِ والرسومِ، تقدمنا من المحَلِّ، مدفوعين بالفضول إلى النظر إلى مافيه، بعد أن أسَرَّ لي صديقي مصطفى: “تَصَوَّرْ أنَّهُ ليس لديَّ ببيتي لوحة فَنِّيةٌ واحدةٌ، إن جدران بيتي خالية تماما مما يُزَيِّنُها، ثم إن عالم الفن التشكيلي يبقى عندي لغزًا لا أفهم قيْد أَنْمُلَةٍ.” فقلتُ له باسمًا:” وهل أنا أفْضَلُ منك حالًا، يا صاح،

إن الرَّسّامينَ وعوالمهم تأسرني، ولكن مايسعفني قليلا في ذلك هو حدسي الذي يدُلُّني أحيانا على بعض مواطن الجمال في هذه اللوحة أو تلك، هذا كل مافي الأَمْرِ.”ثم دَنَوْنا من الدُّكّانِ،وكان مدخله مغلقًا، فطرقناه طرقًا خفيفًا على سبيل الاستئذان، ودلفنا إلى الداخل، فقام صاحب المحلِّ من مكتبه لاستقبالنا، سألناه عن بعض اللَّوحاتِ المعْروضَة وأسعارها، فَتَحَدَّث إلينا بصَوْتٍ خَفيضٍ وبِأدَبٍ جَمٍّ، ورحَّب بنا بحفاوة بأن دعانا إلى احتساء فنجان قهوة برفقته، ومن لُكْنَتِهِ أدركت أنّهُ ليس مغربيا، فقد كان نطقه لحرف الجيم يشي بأن الرجل عراقي المولد والنَّشْأَةِ، إذ كانت جيمًا معطشة، سألناه عمّا جاء به إلى المغرب الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن موطنه، العراق، أرض الهلال الخصيب، وبلاد الرافدين، دجلة والفرات.

وَكَأَنَّ الرَّجُلَ-وإسمه حاتم -كان يتَلَهَّفُ للقاء من يسأله عن سنوات حياته التي مضت وعمّا شهدته من أسفارٍ وخطوبٍ وأحْداثٍ، فأخذ يسرد علينا بعض تفاصيلِ حياته وكأنَّه يعرفنا منذ أمدٍ بعيدٍ، وكان يتحدث إلينا بلكنته العراقية التي لم تسلبها منه سنوات التجوال والتّرحال، كَأنَّهُ السِّندباد، تَتَقاذَفُهُ أمواجُ الحياة وأحداثها، لايكاد يستقر على حال، فروى لنا قصته على هذا النَّحْوِ، وكُنّا في كل مرَّةٍ يقتضي الأمر ذلك نسأله حول هذه الواقعة أو تلك أو هذا التفصيل أو ذاك، ساعِيَيْنِ أن نفهم دوافعه حتى نستخلص الحكمة والمعرفة من رجل عَرَكَتْهُ الْحَياةُ عرْكًا، فقال:

” تخرَّجت من مدرسة المعلمين العليا ببغداد سنة 1959،وتم تعييني للتدريس بإحدى المدارس الابتدائية، فكنت أدرس تلاميذي كل المواد وهي اللغة العربية والحساب والعلوم والفنون التشكيلية واللغة الأنجليزية. اشتغلت بضع سنوات، ثم اضطرتني الظروف السياسية العاصفة التي كان يشهدها العراق حينذاك إلى أنْ أترك وظيفتي وتلاميذي وأن أغادر بلدي وأنا في عجلة من أمري، حدث ذلك سنة 1964- وأغلب الظن أنه كان عضوًا أو متعاطفا مع الحزب الشّيوعي، وعندما أمسك حزب البعث بمقاليد الحكم بعد انقلاب عسكري، طارد الشيوعيين ونَكَّلَ بهم تَنْكيلًا، فَفَرّ بعضهم خارج البلاد وأُعْدِمَ آخرون عقب محاكمات صورية بِتُهَمٍ ملفقة، وزُجَّ ببعضهم خلف القضبان، وقد كانت مدرسة المعلمين ببغداد حينها ساحة للسِّجالِ الفكري والسياسي بين تيارات سياسية متباينة منهم الاشتراكيون والقوميون والبعثيون والشيوعيون وغيرهم-، وانتقلت إلى الجزائر حيث اشتغلت من 1964 إلى 1968، في عدة معاهد جامعية، ودَرَّسْتُ فيها مادة الهندسة الحضرية لأنَّني كنت أحمل حينها شهادة الباكالوريوس في هذا التخصص التي خَوَّلَتْ لي التَّدريسَ بالسِّلكِ الجامعيِّ، وبعد هذه السنوات، غادرت الجزائر،ب عد أن تَعَذّرَ عليَّ المقام فيها، إن أهل الجزائر إجمالا أناسٌ طيِّبون، ولكن منهم من يُعْرفون بخشونة الطبع وضيق الصدر وغِلْظَةِ القلب ويبدو أن المدة الطويلة التي قضاها الاستعمار الفرنسي على أرضهم أفسدت طباعهم ومزاجهم، ثم حَطَطْتُ الرّحال بالمغرب سنة 1968، حيث اشتغلت مُدَرِّسًا لمادة التربية الفنِّية بمدرسة تكوين المعلمين بضع سنوات، و اشتغلت أيضا بالتعليم الابتدائي لسنوات قبل أن تتم إحالتي على التقاعد.”

فبادرناه بالسؤال:” هل كنت تشتاقُ إلى العراق وإلى مافيه من أَهْلٍ وأَحِبَّةٍ.” فافْتَرَّتْ شفتاه على ابتسامَةٍ خجلى واستأنف حديثه قائلا :” أجل، لقد كنت أتلهف لملاقاة أهلي والحديث إليهم، ولكن ما باليد حيلة، كانت عودتي إلى العراق حينها تعني أن أُعْدَمَ أو أن أُسْجَنَ مدى الحياة في أفضل الأحوال، لقد كان نظام البعثِ دمويًّا يُصَفّي معارضيه في محاكمات صورية وبِتُهَمٍ مُلَفَّقَةٍ ،لم أزر العراق إلا في بحر سنة 2017، فرأيت عراقا ساءت أحوال أهله، وأصبح أرضًا خَرابًا بعد أن كان فيما مضى أرض خصبٍ وعمارة، وأنا أقيم اليوم في المغرب حيث تزوجت وأنجبت ولا أفكر أبدا في العودة إلى العراق، أرسم بعض اللوحات وهي في معظمها لوحات موضوعها الزهور، باقات زهور أو زهور في أصيص- أَجَلْنا النَّظَرَ في أرجاء المحل فأشار إلى عدة لوحات، ذات تكنيك محكم، بألوان زاهية تطغى عليها الألوان الأحمرُ والأصفرُ والبرتقاليُّ والأرجوانيُّ- إنَّني تاجر لوحات وأصنع أيضا إطارات للوحات زبنائي، وما استرعى انتباهي في المغرب وجود فَنّانين كُثُرٍ، متمكنين جدا من تقنيات الرسم والصباغة، مع وجود تيارات ومدارس تشكيلية متباينة، لكن لسوءِ الطّالِعِ، ليست ثمَّة حركةٌ نقديةٌ تتابع هذا النتاج الفني وتكشف أوجه خصوبته وغِناهُ.” ثم سألناه عن سِنِّهِ فقال:” إنني أبلغ ثمانا وثمانين سنة.”

فاندهشنا حقا، إذ لاتبدو على الرجل سمات الشَّيخوخةِ، فوجهه حليقٌ ناعِمٌ لم يتَغَضَّنْ، وهو يرتدي قميصًا وسروالًا مكويين بإتقان ويضع على عينيه نظارة طِبِّيةً أنيقةً، لولا أنه يغمض إحدى عينيه التي أصيبت بِعِلَّةٍ ما، ويقف أمامنا “مُنْتَصِبَ القامةِ مرفوعَ الهامةِ”، لم تنل منه السنوات ولم يمتد إلى بدنه الضعف والوهن وهو الذي تكالبت عليه الدواهي والخطوب والملَمّاتُ، فاستفسرناه عن سِرِّ هذا “الشَّبابِ الدّائِمِ”، فقال بحكمة وبتواضع شديدين: “ليس ثمة سِرٌّ أخفيه عليكما، كل مافي الأمر أنني لا أُصيبُ طعامًا إلّا حين أَجوعُ، وحين آكل، لا أفعل ذلك حد الشَّبعِ والتُّخمة، ولست مُتَطلِّبًا فيما يتصل بالطعام إذ آكل مِمّا أجده أمامي من طعامٍ، دون أن أشترط وجود صِنْفٍ بِعَيْنِهِ، ثُمّ إنّني عندما أضع اللقمة بين شدقي فإنني أمْضَغُها مضغًا جيدا، قبل أن تجد طريقها إلى بلعومي.” وحين كنا قد دخلنا الدكان، وجدنا الرجل يجلس إلى مكتبه، بيده اليمنى ملعقة صغيرة و أمامه علبة ياغورت وكِسْرَةُ خُبزٍ بحجم كَفِّ اليد، وأَكَّدَ لنا أن هذه هي وجبة غذائه لذلك اليوم، وكأن الرجل يتَأَسّى بالحكمة العربية التي تقول:” نحن قوم لانأكل حتى نجوع ،وإذا أكلنا لانشبع”، لأن المرء يحفر قبره بأسنانه، وجُلُّ أَسْقامِنا تأتي من طبيعة مانصيبه من طَعامٍ، وأضاف قائلا :” لا أذكر أنّ شخصًا حدَّثَني يوما عن فائدة القصد في المأكل والمشرب وغيرهما، بل وجدتني أفعل ذلك دون نصح أو توجيه.”

رنَوْتُ إلى صديقي وكأنني أدعوه إلى أن يُصْغي جَيِّدًا لما يَتًفَوَّهُ به هذا الرجل اللبيب الأريب، وتذكرت أننا نَزْدَرِدُ الطّعامَ ازْدِرادًا ونحشو معداتنا في أغلب الأحيان بطعامٍ رديء فيه الأذى لأبداننا ولو بعد حين، إن العادة هي التي تجعلنا نتناول عدة وجبات في اليوم الواحد التي توردنا مورد العلة والهلاك، فقد عمر بعض الناس وبلغوا من الكبر عتيا موفوري الصحة ولم يكونوا يتناولون أكثر من وجبة واحدة في اليوم, ألم يكتب أحد أكبر حكماء القرن الماضي، رجل المسرح والفيلسوف الإيطالي Guido Ceronetti في كتابه Le Silence du corps عبارة بليغة، وإن كانت تحمل في الظاهر مفارقةً غريبةً:” Tout ce qu’on ne mange pas nous fait du bien.” إن القلب السليم من المعدة السليمة، بل إن المزاج الرائق يجد منشأه في الأمعاء، فالسيراتونين وهو أحد النواقل العصبية التي تتحكم في الشعور بالسعادة يتكون في الأمعاء.

صمت الرجل هُنَيْهَةً ،ثم استأنف حديثه قائلا:” ثم إن هناك أمرا آخر يجدر بي أن أذكره ،هو أنني أستقبل كل الأحداث بسَرّائِها وضَرّائها بصَدْرٍ رحبٍ، فلا أبتهجُ أكثر مما يليق بالإنسان العاقل الحكيم أن يبتهج عندما تثير الأحداث في النفس الحُبورَ والغِبْطَة، وألاقي صروف الدهر ونوائبه دون شَكاةٍ أو أنينٍ، فلا الفرح مقيم أبد الدهر ولا الحزن باقٍ مدى الحياة، إن الحياة نسيج من الفرحِ والألمِ، وينبغي أن نستقبل أحداثها حُلْوَها ومُرَّها دون فرحٍ غامِرٍ أو يأسٍ قاتِلٍ، إنّني لا أفكر مما مضى من حياتي فأعُضُّ على أصابعي من فرط الحَسْرَةِ والنًّدمِ ولا أجلد ذاتي على ماضٍ أَخْطَأتُ أو أسأتُ فيه التصرف والتقدير، إن الماضي حاضِرٌ انقضى ولا سلطان لي على أًحْداثِهِ وقد ابتلعها العدم، ولا أجْزَعُ على مستقبلٍ هو في ظهر الغيب، بل أعيش الحاضرَ أي اللّحظةَ التي أنا فيها، أستخلص منها أفَضَلَ مافيها وهذا الأمر جعلني أتفادى أن أكون سجين حبائل الماضي الذي انقضى وفات، أو رهينة مستقبل لا سلطان لي عليه.”

لًحْظَتَئِذٍ ،تساءَلتُ عمّا إذا سبق للرجل أن قرأ للفلاسفة الرِّواقيين stoïques كسينيكا Sénèqueو إبيكتيتوس Épictete و غيرهما، لَكِنّني تذكَّرتُ أن فنّ العيشِ لا نلتمسه في بُطونِ الكُتُبِ، حتّى وإن سَعَيْنا إلى ذلك سعيا وأجهدنا أنفسنا في ذلك، إنه يتوقف على طبعنا واستعدادنا النفسي لذلك، وعلى خبرة نراكمها على مر السنين،وعلى من نصادفهم في حياتنا من أشخاص يغيرون نظرتنا للبشر والأحداث، وتذكرت أن ثمة مؤلفا ذائع الصّيت لإيكارث ثول Eckhart Tolle عنوانه ” قوة اللحظة الراهنة” Le pouvoir du moment présent ، يتناول فيه المؤلف ضرورة التخلص من عبء الماضي وعدم الندم على الاخطاء التي يقترفها المرء أحيانا مدفوعا بفورة الشباب ونزقه وعدم اجترار أحداثه، والتخلص من شعور القلق إزاء المستقبل، لأن أحداثه تحرمنا من أن نَلِذَّ بالزّمن الحاضر، وهذا ماذهبت إليه جل الفلسفات وبخاصة الشرقية منها التي تَحُضُّ على اغتنام الحاضرِ دون الالتفات للماضي أو الانشغال بالمستقبل و”رباعيات الخيام” باعتبارها نصا فلسفيا تأمليا حول الحياة والموت والزمن تَضُمُّ أبياتا كثيرة تدعو إلى هذا المعنى:

واغْنَمْ مِنَ الْحاضِرِ لَذّاتِه ///فَليْسَ في طَبْعِ اللَّيالي الْأَمان.

أما الإسلام فيقرن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر بالإيمان بالقدر خيره وشرّه، ولايكون المسلم مؤمنا ويحسن إيمانه حتى يؤمن أن ما أصابه ماكان ليخطئه وأن ما أخطأه ماكان ليصيبه، وأن الله يصرف الأمور كما يشاء، وأن الاعتراض على مشيئته كفر بواح، والشاعر أبو القاسم الشابي يقول:

خُذِ الْحَياةَ كَما جاءَتْكَ مُبْتَسِماً// في كَفِّها الْغارُ أَْوْ في كَفِّها الْعَدمُ

وارْقُصْ عَلى الْوَرْدِ والْأَشْواكِ مُتَّئِداً// غَنَّتْ لَكَ الطَّيْرُ أَوْ غَنَّتْ لَكَ الرُّجُمُ

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci