كتاب الرأي

عن الوحدة والألم

بقلم: عبد العزيز الرغاوي

بقلم: عبد العزيز الرغاوي*

في فجر يوم الأربعاء ١٦ من شهر شتنبر ٢٠١٦، استيقظت على غير عادتي مُبَكِّرًا، جمعت بعض الوثائق الإدارية والطبية ودَسَسْتُها على عجلٍ في محفظة جلدية، نزلت سلم العمارة مُسْرِعا، جلست إلى جانب رفيقة دربي التي كانت تنتظرني خلف عجلة القيادة وانطلقنا معا قاصدين مَشْفًى خاصا بحي بوركون، لم أتناول يومها وجبة فطوري، لأنني كنت سأخضع لتدخل جراحي”تقويمي” على الفتق الأربي hernie inguinale وهو تمزق لعضلة جدار البطن يؤدي إلى ورم أو انتفاخ تحدثه الأمعاء التي تضغط بثقلها على العضلة التي لحقها التمزق، لكن هذا التمزق ليس مؤْلِمًا البتَّة، وإن كان مزعجا في أغلب الأحيان، إذ يحدث صوتا هو قرقرة يسمعها كل من تجالسهم، وقد يؤدي إلى انسداد معوي occlusion intestinale ينتج عنه توقف جريان الدم في عروق الأمعاء une nécrose مما يفرض تدخلا جراحيا مستعجلا قبل أن يؤدي ذلك إلى استئصال جزء من المعي الدقيق والتي ترافقه مضاعفات صحية أخرى قد تؤدي إلى الوفاة.

لم أَرْتَعْ وماتَمَلَّكَني الخوف يومها، لأن العملية هَيِّنَةٌ يسيرة في أغلب الأحيان، ولأن الطبيب الجرّاح المشرف عليها ذو خبرة وكفاية وطول باع في مجال اختصاصه لايماري فيها أي كان، وهو طبيب المسالك البولية الذي طار صيته في الآفاق حتى أن العشرات من المرضى يزورون عيادته كل يوم من سكان الدارالبيضاء ومن بعض المدن والقرى المغربية الأخرى وهو مغربي يهودي يتحدث إلى مرضاه بمزيج من العامية المغربية واللغة الفرنسية ويشرح لمرضاه عِلَلَهُمْ بصبر وأناة ورحابة صدر، لاتند عنه حركة ضيق أو تبرم إذا ألح أحدهم في الاستفسار.

خضعت أولا لتخدير موضعي لايشمل مفعوله إلا الجزء الأسفل من بدني أي من صُرَّتي إلى قدميَّ، مما تَسَنّى لي معه متابعة العملية بكل أطوارها وأنا بكامل وَعْيّي، كنت أسمع الطبيب الجراح يتحدث إلى فريق مساعديه بصوت خفيض آونة وبآخر غاضب وزاعق آونة أخرى. كانت العملية تمضي كما شاء الله لها أن تمضي دون أي مشكل يذكر، وكان من المتوقَّع أن لاتناهز مدتها ثلث الساعة أو نصفها، لكنها امتدت واستطالت لتقارب مدتها ساعة كاملة بدقائقها الستين، وعندما تجاوزت نصف الساعة شعرت بقشعريرة تَدِبُّ في أوصالي وبعرق باردٍ يتحلَّب من جبيني، وهَجَسَ في رَوْعي أنَّني لامحالة مُفارِقٌ دنيا الناس، فأخذت أتمتم الشهادتين وأَجْأَرُ بالدُّعاءِ لخالقي أن يكون بي رحيما وأن يُفْرِغَ علي صَبْرًا وقد بلغ مني الإجهاد مبلغه، فكنت أناجي نفسي: “لقد أزفت ساعتك، ياهذا، وستغادر دار الدنيا الفانية وأنت مُسَجًّى على سرير غرفة العمليات، لقد حَلَّ أَجَلُك ولكلِّ أجلٍ كتابٌ.” فَطِنَتْ إحدى مساعدات الطبيب إلى معاناتي، فكانت تهدئ من روعي وتدعوني إلى مزيد من الصبر والتجلد لأنه لم تبق إلا دقائق معدودة قبل أن يفرغ الطبيب من العملية وسألتني عمّا إذا كنت أود أن يضيف طبيب الإنعاش والتخدير جرعة أخرى من العقار المخدر تخفف عني بعض الألم، لكنني خاطبتها بصوت خافت بأنني سأتَحَمّلُ قليلا مادام الطبيب على وشك الانتهاء من العملية.

وفجأة تَراقى إلى سمعي هرجٌ ومرجٌ وسمعت الطبيب يصرخ مُغْضَبًا بجمل فرنسية مُحَلّاةٍ بعبارات عامية مغربية ” C’est à devenir fou, mais recomptez-moi ces foutues compresses, آش من خدمة هاذي، واش هاذي أول مرة كاتدخلو لبْلوكْ.. ” كان يدعو مساعديه إلى البحث عن كمّادة ضائعة،إذ كان عدد الكمادات إثني عشر، ويبدو أن واحدة منها قد اختفت، فكان يخشى أن تندسَّ بين أحشائي وأن يتم غرز (خياطة) الجرح، وبعد ارتباك وجلبة، عُثٍرَ عليها في موضع ما، فتنفس جميع أعضاء الفريق الصُّعداء، وتًمَّتْ عملية غرز الجرح في طرفة عين.

نُقِلْتُ مُمَدَّدًا على نقّالة إلى قاعة الإنعاش، وبرأسي دوخة مالي بها سابق عهد، حدثت بفعل العقار المخدر، شعرت بالغثيان يهزّني هزّا، تقيّأْتُ وشعرت حينها أن الغُمَّةَ انجابت وأنه بوسعي أن أغمض جفني وأخلد للنوم، ثم وجَدْتُني في غرفة حيث سأقضي الليلة بمفردي، عادت زوجي إلى البيت لتعتني بطفلينا، كنت مستلقيا على سرير أبيض أنتظر صباح اليوم الموالي لأقفل عائدا إلى بيتي بعد أن يكون الطبيب قد تأكد من استقرار وضعي الصحي، ومساء، زارتني أمي وبعض أخواتي ثم زارني ولَدايَ وبعدها أتى صديقي الصَّدوقُ مصطفى ك. يحمل علبة شوكولاتة، ثم انفضَّ الجميع من حولي وبقيت وحيدا.

وأَقْبَلَ اللَّيْل، ياحبيبي (كما تصدح بذلك كوكب الشرق في واحدة من أجمل أغانيها) وأقبل الألمُ، ألم مُمِضٌّ لاقِبَلَ لي به، وبرَّح بي يمزِّق الرّوح والأحشاء، فما استطعت أن أُسْبِل جَفْنَيَّ لأنام، كنت أنظر إلى زجاج النافذة يحجبه ستارٌ من ثوب، وقد ليَّل الليل وران الصمت على الأشياء والخلائق لا يمزقه سوى صوت عجلات بعض العربات على الإسفلت أو مواء بعض القطط السائبة.

كان اللّيْلُ وكان الألم له صِنْوًا ورفيقًا وكانت الأوصاب والأوجاع تنقضُّ من علٍ كنسور غَرْثى تُنْشِبُ مخالبها في الرّوح والبدن، وكأنَّ الأوجاع لايَلِذُّ لها أن تخرج من قمقمها إلا حين يَجِنُّ الليل، فتتكالب على الخلائق تنهشها بالمِخْلبِ والنّابِ كما تنهش السباع فرائسها، فخطر ببالي ساعتئذ قول امرئ القيس:

ولَيْلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أرْخى سُدولَهُ//عَلَيَّ بأَنْواعِ الْهُمومِ لِيَبْتَلي

فَقُلْتُ لًهُ لَمّا تَمَطَّى بِصُلْبٍ//وَأَرْدَفَ أَعْجازًا وَناءَ بِكَلْكَلِ

أَلا أَيُّها اللَّيْلُ الطَّويلُ أَلا انْجَلي//بِصُبْحٍ وًما الْإِصْباحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

كأن اللَّيل ماخُلِقَ إلا للأوجاع والآلام ما هان منها وماعَظُمَ، لقدخُلِقَ لتهدأ فيه الخلائق بعض اضطراب وليكون لها سُباتًا وسَكَنًا، لكن بعض الناس يبيتونه نهب آلام تحيل نفوسهم وأبدانهم مزقا، لا يجدون من يبثّونه شكواهم سوى بارئهم الذي أوجدهم أول مرة، ألم يقل أبو الطيب المتنبي متحدثا عن الحمى التي لاتزوره إلّا لَيْلًا، ويتهيأ لمن يقرأ الأبيات الأولى من قصيدته أنه يستحضر ذكرى عشيقته التي تَنْسَلُّ خِلْسةً ليلًا لتختلي به لتطارحه ويطارحها أحاديث العشق والغرام؟

وزائِرَتي كَأَنَّ بها حيَاءٌ//فَلَيْسَ تَزورُ إِلَّا في الظَّلامِ

فًرَشْتُ لَها الْمَطارِفً وَالْحَشايا//فَعافَتْها وَباتَتْ في عِظامي

يَضيقُ الْجِلْدُ عَنْ نَفْسي وَعَنْها//فَتوسعُهُ بأَنْواعِ السِّقامِ

وأبرق في ذهني بيتان من مطلع معلقة النابغة الذبياني، يُلَمِّحُ فيهما إلى الألم النفسي الذي يَنْسِفُ البدن والروح معا:

كِليني لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبٍ//وَلَيْلٍ أُقاسيهِ بَطيء الْكَواكِبِ

تَطاوَلَ حَتّى قُلْتُ لَيْسَ بِمُنْقًضٍ//وَلَيْسَ الَّذي يَرْعى النُّجومَ بِآيِبِ

تقضي يومك قرير العين، راضي النفس، ناعم البال، وحين يُعَسْعِسُ الليل، تتهالك عليك الآلام من كل حدْبٍ وصوْبٍ، والألم جَلّاد عَتِيٌّ، فهذا ألم ضرس يكاد يطير بلُبٍّك، وذاك ألم أذن كمسمارٍ من شُوّاظٍ يَنْدَقُّ في جمجمتك، أو مغص يَحُزُّ أحشاءك، وحين يتنفس الصبح ويتبدد ظلام الليل، يتبدد الألم كأنه كان” صَرْحًا مِنْ خَيالٍ فَهَوى”، كأنه ماكان، وحينئذ بوسعك أن تُطْبِقَ جفنيك لتَتَرَدّى في وَهْدَةِ النّوم الرحيم.

قضيت ليلتي مُسهّدا والألم يمزق أسفل بطني، ألم فوق طاقة بني البشر لايدرك مداه إلا من كابده حقًّا، كنت أنتظر الصبح أن ينفلق لأنعم بإغفاءة، لكن أَنّى لي ذلك والألم آلاف من الخناجر لاتَني عن الطعن، لحظتئذ، أدركت أن الإنسان خلق للأوجاع والألم والمعاناة وأنه كائن سريع العطب وأن أيَّ ألم مهما يكن يسيرا يَهُدُّ روحه وبدنه، وشعرت بوحدة عميقة لاتكسر صمتها خلائق الأرض والسماء، إنك منذور للوحدة ومامن أحد بمقدوره أن يشعر بألمك النفسي والجسدي إلا أنت وإن إخوتك وأبناءك وزوجك وأقاربك بل أبويك جميعا لايمكنهم أن يشعروا بالألم الذي يقض مضجعك ويُنَكِّلُ بك تَنْكيلًا، وحدها الأم ربما بمقدورها أن تشعر بذلك لأنك فلذة من كبدها.

يُقْبلُ الإنسان إلى الدنيا وحيدا، ويقضي حياته يضطرب فيها وحيدا، تتنازعه الآمال والأوهام والفواجع والخيبات وحيدا، وبين جوانحه تضطرم كتلة مشاعر متناقضة، وبين المهد واللحد، يحلم ويَأْلَمُ يبتهج ويأسى وحيدا، تسومه الحياة سوء العذاب، تُدْميهِ المِحن والمَلَمّاتُ فيلعق جراحه ويمضي، قد يشاطره الآخرون بعض أفراحه ومسرّاته، لكنه في الأتراح والفواجع والمآتم والأسقام، يكابد المعاناة أَعْزَلَ وحيدًا.

في تلك الليلة اللَّيْلاء التي انحفرت ذكراها على جلد روحي حيث كان الألم يسحقني ويذروني هشيمًا، عراني إحساس هو مزيج من التضامن والرثاء لحال الآلاف ممن يقضون ليالي بل شهورا وسنوات وهم يعانون آلاما مبرحة لاتفلح جرعات المورفين
وغيرها من مضادات الألم في التخفيف منها، يقضون سحابة أيامهم ولياليهم، يَتَلَوَّوْنَ من شِدَّة الألم كما لوكانت مضاجعهم فُرُشًا من لهبٍ، هؤلاء الذين أَخْنى عليهم الدَّهْر ودَهَمَهُم المرضُ على غِرَة فأذهلهم على أنفسهم وهَدَّ كيانهم وجعل حياتهم قطعةً من العذاب المقيم

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci