
بقلم: محمد خوخشاني

على مشارف شهر رمضان المبارك، يستعد العالم الإسلامي لأداء أحد أركان الإسلام الخمسة: الصيام. وعلى مدى تسعة وعشرين أو ثلاثين يومًا، يمتنع المسلمون من الفجر إلى غروب الشمس عن الطعام والشراب وعن شهوات أخرى، متفرغين للعبادة والتقرب إلى الله، حيث تعم أجواء الخشوع في المساجد خلال صلاتي التراويح والتهجد، ويتردد صدى القرآن في ليالٍ روحانية مميزة.
ويُعدّ رمضان شهر الجود والتكافل بامتياز. ففيه تتعاظم قيمة الزكاة والصدقات، وتُترجم روح التضامن إلى مبادرات عملية لفائدة الأسر المعوزة، والأرامل، والأيتام، وذوي الحاجة. إنه الشهر الذي تلتقي فيه الروحانية بالعدالة الاجتماعية، وتتحول القيم الدينية إلى سلوك يومي ملموس.
غير أن هذا البعد الإيماني يتقاطع مع واقع اقتصادي دقيق. فكل سنة يشهد شهر رمضان ارتفاعًا ملحوظًا في الاستهلاك الأسري، خصوصًا في المواد الغذائية الأساسية، مما يفرض ضغطًا إضافيًا على القدرة الشرائية. ويزداد الوضع حساسية هذه السنة بالنظر إلى التقلبات المناخية الاستثنائية التي عرفها المغرب خلال الأسابيع الماضية، وما ترتب عنها من فيضانات وخسائر في الماشية والمحاصيل الزراعية، فضلًا عن نزوح عدد من الأسر من مساكنها. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الأوضاع على العرض في الأسواق، وبالتالي على أسعار المواد الأكثر طلبًا خلال هذا الشهر الفضيل.
في مثل هذا السياق، تبرز خطورة المضاربة والاحتكار. فالقانون المغربي واضح في تجريم الممارسات الرامية إلى إحداث ندرة مصطنعة في السوق أو إخفاء المخزون أو الرفع غير المبرر للأسعار. وتنص التشريعات المتعلقة بحرية الأسعار والمنافسة وحماية المستهلك على عقوبات قد تشمل غرامات مالية ثقيلة، وحجز السلع، وإغلاق المحلات التجارية إداريًا، بل والمتابعة القضائية التي قد تفضي إلى عقوبات حبسية في الحالات الجسيمة. إن استغلال حاجة المواطنين في ظرف استثنائي لا يُعد مجرد مخالفة تجارية، بل هو مساس بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
ولا تقل خطورة عن ذلك ممارسات الغش المرتبطة بجودة المنتجات المعروضة في الأسواق. فبيع مواد غذائية فاسدة، أو التلاعب في تواريخ انتهاء الصلاحية، أو تضليل المستهلك بشأن مصدر السلع وجودتها، كلها أفعال يعاقب عليها القانون بعقوبات زجرية قد تصل إلى المتابعة الجنائية، لما تشكله من تهديد مباشر لصحة المواطنين. ففي شهر يزداد فيه الإقبال على المواد الغذائية، يصبح تشديد المراقبة الصحية ضرورة ملحة لحماية المستهلكين من حالات التسمم أو من مخاطر صحية أخرى قد تنجم عن غياب الضمير المهني.
إن مسؤولية السلطات العمومية مضاعفة في هذا الظرف، سواء من حيث ضبط الأسواق ومحاربة الاحتكار، أو من حيث تعزيز المراقبة الصحية وضمان سلامة المنتجات. غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها؛ فالتجار والفاعلون الاقتصاديون مطالبون باستحضار البعد الأخلاقي لمهنتهم، وتغليب المصلحة العامة على الربح السريع. كما أن المستهلك مدعو إلى ترشيد سلوكه الاستهلاكي وتجنب الإسراف الذي يتنافى مع جوهر القيم الرمضانية.
رمضان لا ينبغي أن يتحول إلى شهر قلق اجتماعي أو ضغط مالي على الأسر محدودة الدخل. إنه شهر السكينة والتراحم، والاعتدال فيه جزء من رسالته. إن صون القدرة الشرائية، ومحاربة المضاربة، والتصدي للغش، ليست فقط إجراءات اقتصادية، بل هي التزام أخلاقي ينسجم مع روح هذا الشهر الكريم.
ومع اقتراب لياليه المباركة، يبقى الرهان الحقيقي هو جعل العدالة الاجتماعية واقعًا معاشًا، حتى يظل رمضان شهرًا للكرامة المشتركة، لا شهرًا للمعاناة الصامتة.



