
بقلم: محمد خوخشاني

جاء شتاء 2026 في المغرب قاسيًا واستثنائيًا، حاملاً معه أمطارًا طوفانية وتساقطات ثلجية كثيفة تسببت في فيضانات عارمة شمال البلاد، ولا سيما في وادي اللوكوس وسهل الغرب. وفي مدينة القصر الكبير، فرضت خطورة الوضع اتخاذ قرار حاسم بإنقاذ الأرواح قبل كل شيء، فتم إجلاء ساكنة المدينة بأكملها. أكثر من 104 آلاف مواطنة ومواطن نُقلوا إلى مناطق آمنة، كما جرى إنقاذ الماشية، وتهيئة مراكز إيواء لاستقبال الأسر التي لم تجد من يؤويها.
أمام هذه الظروف الاستثنائية، برهنت الدولة المغربية على جاهزيتها وحسن تدبيرها للأزمات. فقد تعبأت السلطات الترابية، والمصالح التقنية، والوقاية المدنية، والجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية في تنسيق محكم يبعث على الاعتزاز. لم يقتصر التدخل على تدبير حالة الطوارئ فحسب، بل شمل الحفاظ على كرامة الإنسان، من توفير للغذاء والأغطية والرعاية الصحية والأمن والمواكبة النفسية، في مشهد جسّد المعنى الحقيقي للدولة الحاضنة لمواطنيها.
وإلى جانب هذا المجهود المؤسساتي، برز عامل لا يقل أهمية: روح التضامن المجتمعي. فقد أبان المواطنون عن حس عالٍ بالمسؤولية، من خلال مبادرات تطوعية تلقائية، وتآزر اجتماعي بين الأحياء والمناطق، ليؤكدوا أن قوة المغرب لا تكمن فقط في مؤسساته، بل أيضًا في تماسك نسيجه الاجتماعي وعمق قيم المواطنة فيه.
ولا يفوت المقام توجيه تحية تقدير خاصة إلى مختلف المصالح الأمنية، بمختلف تلاوينها واختصاصاتها، التي سهرت ليلًا ونهارًا على حماية الأرواح والممتلكات، في ظروف صعبة ومخاطر حقيقية. كما يستحق أفراد القوات المسلحة الملكية إشادة واعترافًا كبيرين، بعدما جرى تعبئتهم ميدانيًا بأوامر سامية وتعليمات مباشرة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، ليكونوا في خدمة المواطنين المتضررين في المناطق المهددة بالفيضانات، في تجسيد عملي لمعنى الجيش المواطن.
وتزداد دلالة هذه المحنة عمقًا حين نستحضر أنها تزامنت مع تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025، التي جرت في ظروف مثالية أشاد بها الجميع، من وفود 24 بلدًا إفريقيًا مشاركًا. بنية تحتية متطورة، وفنادق جاهزة، وتنظيم أمني محكم، وحسن استقبال يليق بمكانة المغرب القارية، كلها عناصر أكدت قدرة المملكة على التوفيق بين تدبير الأزمات الداخلية والوفاء بالتزاماتها الدولية.
إن شتاء 2026 لن يُسجَّل فقط كحدث مناخي استثنائي، بل سيظل محطة دالة على قدرة المغرب على تحويل المحن إلى اختبارات ناجحة في الحكامة، والتضامن الوطني، والإشعاع الإقليمي. درس في التدبير الرشيد، قبل أن يكون درسًا في الإنسانية



