
بقلم: سعيد بوعيطة

إذا كان إنشاء وزارة مستقلة تعنى بالذكاء الاصطناعي(والانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة/ الوزارة القديمة) في الحكومة المغربية الجديدة، وما يرتبط بذلك، يندرج ضمن رؤية طموحة لقيادة الانتقال الرقمي، وانعكاس لتوجه الدولة نحو تبني أحدث التقنيات الرقمية وتطبيقاتها في القطاعات الحيوية، فهل هناك مسوغات لإنشاء هذه الوزارة؟ وهل نحن مؤهلون لذلك؟ ومتى ننتقل من مرحلة المابين؟ (مرحلة الإنتقال الديمقراطي، مرحلة الانتقال الرقمي، وهلم جرا). فكأن واقع حالنا يشير إلى أننا عشنا ولا نزال في المنزلة بين المنزلتين إذا استعرنا العبارة من المعتزلة.
هل نحن في حاجة لوزارة الذكاء الاصطناعي؟
لو افترضنا جدلا أن المغرب قطع أشواطا لا بأس بها في مجال الذكاء الإصطناعي، فمن الممكن أن يحدو حدو العديد من البلدان الذي عملت على دمج الذكاء الاصطناعي ضمن مهام وزارة أخرى. كما في مملكة البحرين، التي أدرجت مسؤوليات الذكاء الاصطناعي ضمن هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية وتحت إشراف وزارة المواصلات والاتصالات، أو كما في دولة الكويت التي أسندت هذه المهمة للجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات الخاص بمتابعة السياسات الرقمية، دون وجود كيان متخصص في الذكاء الاصطناعي، أو كما في سلطنة عمان، حيث تشرف وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات على مبادرات الذكاء الاصطناعي.
هل نمتلك معايير وزارة للذكاء الاصطناعي؟
لا نرى من وجهة نظرنا على الأقل ضرورة إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي في المغرب. خاصة إذا علما أن أفضل المعايير المعتمدة دولياً لا تقوم على إنشاء وزارة متخصصة للذكاء الاصطناعي. فحتى الدول المتقدمة في هذا المجال مثل الولايات المتحدة الأميركية والصين ودول الاتحاد الأوروبي واليابان، لا تخصص وزارة للذكاء الاصطناعي، بل تعتمد على هيئات تنظيمية أو مجالس وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي وما يرتبط به. على الرغم من أن الاستثناء الوحيد على المستوى العربي، هو دولة الامارات التي خصصت وزارة للذكاء الاصطناعي، وكندا أخيراً على المستوى الغربي.
لهذا، يعتبر توقيت إنشاء وزارة كاملة للذكاء الاصطناعي بالمغرب غير مناسب، لكون بلادنا تفتقر حاليا إلى المقومات الأساسية لتطوير ونشر الذكاء الاصطناعي (خاصة على مستوى الإدارات بمختلف تخصصاتها)، وكذا على مستوى البنية التحية لهذا القطاع، والكوادر الفنية المؤهلة، وأنظمة البيانات المترابطة بين مختلف الوزارات. إذ بدون هذه الأسس، قد تصبح وزارة الذكاء الاصطناعي مجرد خطوة رمزية بلا تأثير حقيقي. نظرا لأن الاصلاحات لا تشمل فقط إنشاء هيئات ناظمة، بقدر ما تبدأ الاصلاحات الحقيقية بتقديم مشاريع محددة وشفافة وواضحة الميزانية للانشاء والتجهيز والتشغيل والفترة الزمنية للتنفيذ.
أما مجرد إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي، قد يقود الى نقاش حول التداخل في الصلاحيات مع بقية الوزارات الأخرى فحسب. نظرا لوجود تداخل في الصلاحيات بين الوزارات. وإذا كانت أبرز مهام وزارة الإصلاح الاداري القيام بمشاريع التحول الرقمي، لتطوير الإدارة، فإن إداراتنا اليوم لا تزال غارقة في الأمية الرقمية (على مستوى الموارد البشرية). إذ يهيمن الورق والعمل اليدوي بدرجة كبيرة في أغلب الإدارات العمومية. من هنا، فإن المسار الأكثر واقعية وفعالية في هذا الإطار، يقوم على إنشاء مشاريع تجريبية مرئية وسريعة التنفيذ مثل الهوية الرقمية، وأنظمة الدفع الرقمي، ومنصات الشفافية الحكومية، والتركيز على أهداف قصيرة المدى قابلة للقياس ضمن جداول زمنية واضحة، بالإضافة الى التعاون بين المؤسسات والإدارات المختلفة لتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي خاصة في الصحة، والتعليم، والإدارة العمومية، فيما يشبه خارطة طريق للوصول إلى إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي.
ندور في مكاننا كحمار الطاحونة
لهذا، كان علينا أولا بناء الأنظمة، وتطوير القدرات، وكسب ثقة المجتمع والرقي به، وتطوير القطاع الإداري من خدمة مرفقية تقليدية إلى جزء من منظومة أوسع تشمل البنية التحتية الرقمية والابتكار التكنولوجي. ليصبح الدمج واقعاً ملموسا بين وزارة الإصلاح الإداري والوزارات التي يهمها التحول الرقمي وتكنولوجيا المعلومات والنقل والبنية التحتية وكذا الشؤون الاقتصادية أو الابتكار. فحين تتوفر هذه الشروط، يمكن النظر في تأسيس وزارة تستحق أن تكون واجهة الذكاء الاصطناعي. لأن إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي منوط بتقدم رقمي حقيقي، وليس باعتباره نقطة انطلاق لهذه الوزارة، من أجل تحول رقمي وإصلاح إداري حقيقي . وإلا سينطبق علينا المثل الشعبي المتداول” ندور في مكاننا كحمار الطاحونة”.