أخبارالانتخابات التشريعية 2026

استعادة الثقة: خريطة طريق للأحزاب السياسية الجادة والشفافة والنزيهة

بقلم : محمد خوخشاني

بقلم : محمد خوخشاني

1. التشخيص: قطيعة عميقة بين المواطن والسياسة.

سجّلت الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2021 نسبة مشاركة بلغت 50,18%، بارتفاع قدره ثماني نقاط مقارنة مع 2016 (42,29%). ورغم هذا التقدم، تظل هذه النسبة غير كافية لتعكس انخراطاً شعبياً حقيقياً. فبحسب استطلاع وطني لسنة 2025، 95% من المغاربة يصرحون بعدم ثقتهم في الأحزاب السياسية، وأكثر من 70% من الشباب يعتبرونها غير فعالة أو منفصلة عن همومهم.

وهذا الإحباط ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة مباشرة لممارسات أدّت إلى تآكل مصداقية العمل السياسي: الاستخدام المفرط للمال في الحملات، الوعود الانتخابية غير المنجزة، غموض تمويل الأحزاب، وغياب آليات رادعة وفعالة.

2. المغرب في مرآة المقارنات الدولية.

المشاركة الانتخابية: بينما يكافح المغرب لتجاوز عتبة 50%، تسجل السويد نسبة 87.2% في الانتخابات العامة، والدانمارك 84.6%. والفارق ليس ثقافياً فحسب، بل هو نتاج ثقة مؤسسية بنتها الديمقراطيات الاسكندنافية بصبر.

مدركات الفساد: وفقاً لمؤشر مدركات الفساد لسنة 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، حصل المغرب على 39 نقطة من 100، محتلاً المرتبة 91 من 182 دولة. للمقارنة، تحتل الدانمارك (89 نقطة) وفنلندا (88 نقطة) المراتب الأولى، بينما تتقدم فرنسا (66) والسويد (80) بفارق كبير عن المملكة. يتقاسم المغرب نتيجته مع تونس، لكنه يتفوق على الجزائر (المرتبة 109) وليبيا (177).

شفافية الأحزاب: يفي المغرب بـ 100% من معايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المتعلقة بالإطار القانوني لتمويل الحياة السياسية وتطبيقه، مقابل متوسطات في المنظمة تبلغ 76% و58% على التوالي. مفارقة مذهلة: الإطار موجود، لكن ثقة المواطنين، تبقى متدنية.

تحديد النفقات: حدد المرسوم رقم 2-11-607 الصادر في 19 أكتوبر 2011 سقف نفقات الحملات الانتخابية في 350.000 درهم لكل مترشح. في فرنسا، هذا السقف هو 38.000 يورو لكل مترشح، مضافاً إليه 0.15 يورو لكل ساكن في الدائرة. يمتلك المغرب إذن أداة تنظيمية، لكن لا بد من مراقبتها فعلياً ومعاقبة المخالفين.

3. خريطة طريق للأحزاب السياسية: عشرة التزامات عملية.

3.1. إعادة بناء التمويل الحزبي.

الالتزام الأول: نشر الحسابات السنوية المدققة من طرف خبير محاسب معتمد، مع وضعها على منصة رقمية عمومية. ينص القانون التنظيمي 54.25 الآن على أن أي حزب لا يقدم حساباته السنوية خلال ثلاث سنوات متتالية يمكن حله قضائياً. وقد طُلب بالفعل من 15 حزباً إرجاع ما يقارب 22 مليون درهم للخزينة.

الالتزام الثاني: تحديد سقف صارم للتبرعات الخاصة في 800.000 درهم سنوياً لكل متبرع (مقابل 600.000 سابقاً)، ومنع أي تمويل مجهول المصدر أو أجنبي.

الالتزام الثالث: إنشاء لجنة داخلية للشفافية والمراقبة المالية في كل حزب، مكلفة بالسهر على سلامة الحسابات وتلقي الإخطارات.

3.2. تجديد الحكامة الحزبية.

الالتزام الرابع: فرض نسب إلزامية في الهيئات القيادية: 20% على الأقل من الشباب (أقل من 35 سنة) والنساء. كل مقعد يحرزه شاب أو امرأة أو مغربي مقيم بالخارج يمنح الحزب دعماً عمومياً مضاعفاً ست مرات.

الالتزام الخامس: تنظيم انتخابات تمهيدية مفتوحة لاختيار المترشحين، للخروج من منطق المحاصصة وإتاحة المجال لبروز كفاءات نزيهة ومؤهلة.

الالتزام السادس: تجديد الهيئات القيادية كل أربع سنوات على الأقل، وتحديد عدد الولايات بولايتين، لتجنب تصلب الأجهزة.

3.3. تنقية الأجواء الانتخابية.

الالتزام السابع: احترام سقف 350.000 درهم بدقة لكل مترشح، وإخضاع كل النفقات لرقابة صارمة من المجلس الأعلى للحسابات.

الالتزام الثامن: تقديم برنامج رقمي واقعي، بأهداف قابلة للقياس وآجال محددة، بدلاً من كتالوج وعود. فالتجارب تُظهر أن البرامج الغامضة ترتبط بارتفاع معدلات الإحباط.

الالتزام التاسع: التعهد خطياً بعدم استخدام المال كأداة نفوذ في الحملة، والتنازل عن أي ممارسات محسوبية.

3.4. إعادة الربط بالمواطنين.

الالتزام العاشر: تنظيم لقاءات عمومية للمحاسبة بعد كل اقتراع، ومرة واحدة على الأقل سنوياً، لتقييم تنفيذ البرنامج والرد على استفسارات المواطنين.

4. لماذا هذه الالتزامات قابلة للتحقيق؟

تستند إلى تطورات تشريعية حقيقية. يشكل القانون التنظيمي 54.25، الذي أقرَّه مجلس النواب في دجنبر 2025، إعادة بناء جذرية للنموذج الحزبي. يفرض على الأحزاب قواعد غير مسبوقة: إحداث شركات لإنتاج المحتويات، تعزيز التزامات الشفافية، وربط الدعم العمومي بالأداء الانتخابي.

لكن القانون وحده لا يكفي. المصداقية تُربح في الميدان، بالأفعال والسلوكات، لا بالنصوص. المغاربة لن يصوتوا لأن قانوناً موجوداً؛ بل سيصوتون عندما يرون أحزاباً ومترشحين يجسدون هذه المبادئ.

5. نداء إلى الناخبين: صوت واعٍ.

استعادة الأمل لا تعني منح شيك على بياض لأي مترشح. بل تعني منح فرصة، عن وعي ومعرفة، لمن يستحقها، بناءً على ثلاثة معايير بسيطة:

أ. النزاهة : ماذا يقول ماضيه عن علاقته بالمال والمصلحة العامة؟
ب. الكفاءة : ما هو حصيلته، وما رؤيته، وما برنامجه الرقمي؟
ج. القرب : هل كان حاضراً في الأحياء، في النقاشات، في قضايا المدينة؟

6. خاتمة: السياسة خدمة، لا مهنة.

السياسة ليست غاية في حد ذاتها، ولا طريقاً للإثراء. إنها خدمة للمجتمع. الأحزاب التي تستوعب هذا الأمر البديهي، وتنخرط في طريق الشفافية والنزاهة والكفاءة، ستستعيد ثقة المواطنين. والأخرى محكوم عليها بالاندثار، وستزول من تلقاء نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci