أخبارفنون و ثقافة

مصطفى الدرقاوي.. مُحَرِّرُ السينما المغربية

بقلم : محمد خوخشاني

بقلم : محمد خوخشاني

فقدت السينما المغربية واحداً من أشدِّ بُناتها حماسةً. رحل مصطفى الدرقاوي في الليل ما بين الأربعاء والخميس بالدار البيضاء، عن عمر يناهز الثانية والثمانين. وبرحيله يضيع صوتٌ فريد، وتضيع روحٌ حُرَّة جَرُؤت، في زمن كان فيه الفن السابع المغربي لا يزال يتعثَّرُ في خطواته الأولى، على أن تجعل من السينما ميداناً للتأمل بقدر ما هي فعلٌ إبداعي.

رجل الإيمان والجرأة:

وُلد مصطفى الدرقاوي بوجدة سنة 1944، وكان تُحَرِّكُهُ قناعة راسخة: أن السينما لا يمكن أن تختزل في مجرد تسلية. بل رأى فيها وسيلةً لطرح الأسئلة، وقراءة الواقع، واستنطاق الكائن البشري. وقد استقى هذه الرؤية الفكرية من شهادة البكالوريا في الفلسفة التي نالها سنة 1962، ثم من المعهد العالي للفن المسرحي بالدار البيضاء، قبل أن يتدرب في المعهد العالي للدراسات السينمائية بباريس، ومدرسة “لودج” السينمائية العريقة في بولندا، التي تخرج منها بشهادة في الإخراج سنة 1972.

كان رجلاً مناهضاً للقيود، دافع دائماً عن سينما مستقلة، متحررة من القوالب الجاهزة والاعتبارات التجارية. مساره هو مسار صانعٍ حرفي للصورة، لم يتنازل يوماً عن قناعاته، حتى ولو كلفه ذلك ثمنا باهضا ألا وهو التهميش وعدم الظهور.

رائدٌ في زمن البدايات المتعثرة:

ينتمي الدرقاوي إلى جيل من السينمائيين سعوا إلى تحرير الصورة المغربية من التمثلات النمطية، وإرساء لغة سينمائية خاصة، تقوم على البحث والجرأة. في زمن كانت فيه السينما الوطنية في مهدها، اختار طريقاً صعباً، اتسم بالتجريب ورفض المألوف.

وفي هذا السياق، يُعتبر فيلمه الروائي الطويل الأول، “عن بعض الأحداث التي لا معنى لها” (1974)، علامةً فارقة. فقد مُنعَ الفيلم من قبل السلطات المغربية فور صدوره، ولم يُعرض إلا في مناسبات نادرة – في باريس سنة 1975، ثم سراً في خريبكة سنة 1977. واضطرَّ لانتظار قرابة ثلاثة عقود ليُبعث من جديد، بعد ترميمه بالتعاون مع Filmoteca de Catalunya، ويُعرض في مهرجان برلين السينمائي سنة 2019. وقد كشفت هذه الإعادة المتأخرة عن حداثة ساطعة لهذا العمل الذي، منذ سبعينيات القرن الماضي، كان يتجاوز السرد التقليدي ويستجوب وظيفة السينما ذاتها في المجتمع المغربي.

إرثٌ غزير:

بعيداً عن هذا الفيلم الطليعي، يترك مصطفى الدرقاوي أرشيفاً سينمائياً غنياً ومتنوعاً: “أيام شهرزاد الجميلة” (1982)، و”عنوان مؤقت” (1984)، و”أبواب الليل السبعة” (1994)، و”الاستعارة الكبرى” (1995)، بالإضافة إلى ثنائية “كازابلانكا باي نايت” (2003) و”كازا داي لايت” (2004). وهي أعمال طوَّر فيها مقاربةً واعيةً للتحولات الاجتماعية والحضرية، وللتوترات التي تخترق المجتمع المغربي.

ونالت مسيرته تقديراً رفيعاً، حيث حصل على جائزة في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش سنة 2007، وتوشَّحَ بوسام من الملك محمد السادس سنة 2016. كما جسَّدَ مساره الاستثنائي في فيلم وثائقي بعنوان “بحرية، مصطفى الدرقاوي”، أخرجته صوفي ديلفالي سنة 2023.

ذاكرة حية:

تفقد السينما المغربية اليوم جزءاً من ذاكرتها، وصوتاً من الأصوات التي رافقت حلم بناء سينما وطنية حرة ومختلفة. لكن إرث مصطفى الدرقاوي لن يخبو. إنه يستمر من خلال أعمال شقيقه عبد الكريم، ونجله كمال (مدير التصوير)، وقبل كل شيء، من خلال أفلامه التي ستواصل تغذية التفكير في الإبداع والمجتمع والذاكرة الثقافية للبلاد.

لقد رحل مصطفى الدرقاوي. لكن نظره، هو الآخر، لا يزال محدقاً فينا.

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci