
بقلم : محمد خوخشاني

المقدمة :
مع اقتراب الليلة المباركة التي تُخلّد ذكرى مولد خير البشرية (صلى الله عليه وسلم)، تستيقظ التقاليد العريقة في عمق المغرب الأصيل. بعيداً عن مظاهر المدن الباذخة، تتجلى هذه الروح في حيوية الأسواق القبلية المتربة. وجهتنا اليوم نحو سوق “أحد أولاد فرج”، في قلب بلاد الدكالة، حيث يمتزج ذكرى النبي الكريم بالخبز المُقتسم.
رحلة أرضية على عتبات المقدس:
تحت قبة السماء التي لا تزال مرصعة بالنجوم، بينما تلامس نسائم الفجر الباردة سهول الشاوية، يتدفق سيل بشري نحو سوق “أحد أولاد فرج”. هذا السوق، الذي تتجاوز شهرته حدود قبائل الدكالة وعبدة والشاوية والرحامنة، ليس مجرد فضاء للتجارة، بل هو النابض الحي للمنطقة، ونقطة التقاء تتشابك فيها الدروب الترابية لتشكل النسيج الحي للهوية المغربية.
في ذلك الصباح، تكن الخطوات سريعة. لا يتعلق الأمر بمجرد التزود بالمؤن، بل ببحث طقوسي عن الذبيحة المثالية، تلك التي ستكون وعاءً للنيات الصادقة. إن الرغبة في تقديم لحمٍ للتقاسم بمناسبة المولد الشريف تحوّل هذه الصفقة إلى فعل شبه تعبدي. تُفحص كل بهيمة، وتوزن، وتقيّم، ليس لقيمتها السوقية فحسب، بل للبركة التي تحملها.
مديح العجلة بلون زهرة الفول: قربانٌ من القرب:
في خضم هذه الفوضى الملونة والضاجة، حيث يتنافس الباعة في الفصاحة للتباهي بسلالة أغنامهم وأبقارهم، يستقر نظر المؤمن على عجلة بلون زهرة الفول (البنية الموشحة). في عالم يكتسحه التدافع، يتم هذا الاختيار في لحظة من الصفاء والطمأنينة. تُختار هذه البهيمة، رمز الخصب والبساطة، لا لتغذي عائلة واحدة، بل لتؤكد عرى الجوار المقدسة. عند أهل الدكالة، لا يُعد لحم العجلة سلعةً قابلة للفناء، بل هو أساس “الوليمة” (وليمة الروحانية)، وهبة للجماعة، صدقةً لعلو الهمم ورقّي النفوس.
وليمة المولد النبوي: جغرافيا للقلب:
في منزل الحاج رضوان ومقرّبيه، تأخذ ليلة المولد طابع السهرة الروحانية. يصبح المطبخ، مسرح نفحات البهارات وقعقعة القدور، امتداداً للمسجد. هنا، يتحول فن الطهي إلى لغة تعبر عن حب النبي. الأطباق المطهوة ببطء، المتبلة بالزعفران والكمون، ليست موجهة فقط لإشباع البطون، بل هي حاملة للأدعية والابتهالات.
المأدبة، التي تُقام تحت شعار البساطة والكرم، تشهد توافد الوجوه المألوفة: الجار من واحة النخيل، القريب الذي قطع المسافة، صديق الطفولة. تدور الصحون، وتختلط حكايات السيرة النبوية بأناشيد المديح. في التقاليد الشفهية العريقة للدكالة، تتحول هذه الليلة إلى مدرسة للإنسانية. الجالسون، صغاراً وكباراً، لم يعودوا مجرد ضيوف، بل هم حرّاس الذاكرة الجمعية، حيث يتم نقل المعرفة الدينية عبر مشاركة الملح.
من كرم إلى آخر: روح الدكالة:
يكشف هذا التقليد العريق عن حقيقة اجتماعية عميقة: في المغرب القروي، لا ينفصل الإيمان عن العمل الاجتماعي. “المعروف” – هذا المفهوم القائم على الإحسان المجرد – هو العمود الفقري للعلاقات الإنسانية. وبعيداً عن فعل الأكل، يشكل هذا الاحتفال أسمنتاً قوياً ضد العزلة. إنه يؤكد مجدداً أن السعادة الفردية تمر عبر الرفاه الجماعي.
ما يقوم به الحاج رضوان ليس سوى مرآة لمجتمع يقاوم، رغم صدمات الحداثة، بالتمسك بجذوره. المائدة التي تُنصب في بيوت الدكالة هي استعارة للمغرب بأكمله: بوتقة تذوب فيها الاختلافات أمام الإيمان المشترك، حيث يكتشف الجميع أنهم إخوة في الإنسانية.
إرث النور النبوي:
وبينما يتقدم الليل، وتتلاشى آخر الأناشيد في الأفق المرصع بالنجوم لسهول المحيط الأطلسي، يغمر سلام عميق الحضور. ينفضّون عن المجلس، لا محمّلين بفضلات اللحم، بل بتلك الامتلاء الروحي الذي لا تمنحه إلا ليالي الإيمان الخالصة.
لا يمكن اختزال احتفال المولد في هذه البقاع في مجرد فلكلور عابر. بل هو موعد مع الجوهر، ومحاولة لمواءمة الأفعال اليومية مع تعاليم الحياة الفاضلة.
الخاتمة:
تُعلّمنا بلاد الدكالة أن التذكار الحقيقي للنبي الكريم لا يكمن في المصنوعات أو الخطب البليغة، بل في اندفاعة القلب نحو الآخر. في عام يبحث فيه العالم عن معالم، تبقى هذه التقاليد الحميمية، حيث يُعاش القدس عبر الخبز والملح، بوصلتنا الأوثق.
نسأل الله العلي القدير أن يتقبّل هذه القربان، وأن يُنزل رحمته على أرض الكرم هذه. ونسأله أن يحفظ المغرب، أرض التسامح والروحانية، وأن يُمكّننا من تجديد هذا العهد بالحب في كل موسم للذكرى.
اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.
آمين
