
بقلم : محمد خوخشاني

قبل 29 سنة، وتحديداً في 13 غشت 1997، رحل عنا علي يعتة، أحد أبرز الأعلام في التاريخ السياسي المغربي. هذه وقفة مع مسيرة رجل كرّس حياته كلها للتحرير الوطني، وإرساء الديمقراطية، والدفاع عن مصالح الطبقات الكادحة.
1. نشأة المناضل: من طنجة إلى الدار البيضاء.
وُلد علي يعتة في 25 غشت 1920 بمدينة طنجة، ابن السيد سي سعيد وابن السيدة فاطمة بن عمار، الأم الطنجية. منذ نعومة أظفاره، تلقى تعليماً رصيناً تحت رعاية العلامة الجليل سيدي عبد الله كنون، الذي ظل يحترمه بعمق طوال حياته.
في سنة 1933، استقرت عائلة يعتة بالدار البيضاء، في المدينة الجديدة آنذاك ، تحديداً في 5، ساحة المسجد. تابع علي الصغير دراسته في آن واحد بثانوية ليوطي، وحلقات كبار العلماء والوطنيين من ا…
[14:26, 13/08/2026] Koukhchani: لو كتب لعلي يعتة أن يطلَّ على حزب التقدم والاشتراكية من هناك، ويُمعن النظر في مساره بعد رحيله، فأظن أنه، بعد لحظة صمت وتأمل، سيتحدث إلينا بهذه النبرة التي تجمع بين حرارة الأبوة وصرامة المبادئ:
“أيها الرفاق، يا من حملتم الراية من بعدي…
أراني أنظر إليكم من هذا الفضاء البعيد، فلا تسعني الدهشة وحدها، بل يختلط في قلبي الفخر بالقلق، والأمل بالمساءلة.
أولاً: هل ما زلتم أوفياء للنواة الأولى؟
أترى ما زال الحزب يقف حيث وضعته يوم كنا نخوض غمار السرية والمطاردات؟ أم أنه أصبح مجرد أداة للركض وراء المناصب، يلهث خلف المقاعد البرلمانية كما يلهث الآخرون؟ تذكروا أني رفضت المناصب الفخرية طوال حياتي، وأن مكاني الحقيقي كان بين عمال المصانع وفلاحي القرى. احذروا أن يصبح الحزب نخبويًّا، ينسى أن هموم الطبقة الكادحة هي بوصلته الأولى.
ثانياً: أين مشروع ‘الثورة الوطنية الديمقراطية’؟
لقد ناضلتُ لأجعل من حزبنا حزباً مغربياً خالصاً، يستوحي من واقعنا لا من نظريات مستوردة. وها أنذا أسألكم: هل انشغلتم بجوهر التحديث، أم ركنتم إلى الشعارات البراقة؟ الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل هي حالة يومية من الحرية والكرامة والعدالة في التوزيع. لا تفرطوا في هذه الأمانة، فمن يخون المبدأ يخون الضمير.
ثالثاً: عن الوحدة الترابية والوطنية…
لقد سجنت ونفيت، وكدت أن أعدم، دفاعاً عن استقلال هذا البلد ووحدته. صرختُ منذ سنة 1973 بأن الصحراء مغربية، وشاركتُ في المسيرة الخضراء. واليوم، أراني أطمئن لموقف الحزب الثابت في هذا الملف، فهو خط أحمر لا نقاش فيه. لكني أقول لكم: الوطنية ليست شعاراً في البيانات، بل هي فعل يومي في الدفاع عن مصالح الشعب.
رابعاً: إلى الرفيق نبيل بنعبد الله وإلى جميع المناضلين:
أنتم أبناء اليوم، وأنا من الأمس. لا تنسوا أن وحدة اليسار هي قوتنا، وأن التشرذم هو سلاح أعدائنا. لقد تعبتُ في بناء الكتلة الديمقراطية وصنعتُ جسوراً مع اليوسفي رغم الخصومات، فهل ما زلتم تحافظون على هذه الروح؟ اليسار الحقيقي يُقاس بحجم تضحياته، لا بعدد مقاعده، وبقربه من المعاناة اليومية للمواطن، لا ببُعده عنها في المكاتب.
وأخيراً…
لا تحزنوا على فراقي، فالميت يبقى حياً في كتبه وأفكاره، طالما أن هناك من يدافع عنها بصدق. الطريق ما زال طويلاً، وحلم العدالة الاجتماعية لم يكتمل بعد. لكني أراكم، وكأني لم أرحل. انظروا إلى السماء، فتلك النجمة التي تضيء دربكم هي نفسها التي كنا نراها من زنازيننا.
استمروا… استمروا… ولا تخونوا الأمانة.”
ثم يلتفت مبتسماً، وكأنه يهمس في أذن الزمن: “لقد أعطيتُ ما عندي، فهل أنتم معطاءون مثلي؟” ويغيب في الضوء، تاركاً خلفه سؤالاً مفتوحاً على كل الأجيال.