أخبارمجتمع

مشروع قانون المحاماة والمحكمة الدستورية.. بين منطوق القرار وحكمة التشريع

بقلم : محمد خوخشاني

بقلم : محمد خوخشاني

في خضم الجدل القانوني والسياسي الذي أثاره إحالة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية، يتعلق السجال حول مصير هذا النص بين خيارين: إما الإسراع بعقد دورة استثنائية للمصادقة عليه، أو إرجاء البت فيه إلى الولاية التشريعية المقبلة. للإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من التمييز بين ما هو ملزم دستورياً، وما هو مجرد خيار سياسي أو تدبيري رهين بالإرادة.

ينص الفصل 132 من الدستور على اختصاص المحكمة الدستورية بالرقابة على دستورية القوانين قبل الأمر بتنفيذها، متى تمت إحالتها إليها وفق الضوابط الدستورية. وبمجرد مباشرة هذه الرقابة، يصبح القرار الصادر عنها هو المحدد الأوحد للمسار التشريعي اللاحق. وانطلاقاً من هذا المبدأ، يمكن استشراف ثلاث فرضيات رئيسية:

الفرضية الأولى: التصريح بالمطابقة الكاملة للدستور.

في هذه الحالة، تستكمل مسطرة إصدار القانون وفق الإجراءات العادية، دون أي مانع يحول دون نشره ودخوله حيز التنفيذ. غير أن هذا السيناريو، وإن كان ممكناً نظرياً، سيُخيب آمال الجسم المهني بشكل كبير، ويزيد من احتقان المشهد.

الفرضية الثانية: التصريح بعدم دستورية بعض المقتضيات الجزئية.

وهنا ينبغي التمييز بين حالتين جوهريتين:

● إذا كانت المقتضيات التي ستقضي المحكمة بعدم دستوريتها ثانوية وقابلة للفصل عن باقي النص، فإن المشروع يعود إلى السلطة التشريعية لتعديلها بما ينسجم مع القرار الدستوري، ثم استكمال مسطرة المصادقة.
● أما إذا تعلقت المقتضيات غير الدستورية بجوهر المشروع أو فلسفته العامة أو بالتوازنات التي قام عليها (وهو ما يثيره المحامون بقوة)، فإن الأمر قد يتجاوز التعديل التقني ليقتضي إعادة النظر في المشروع برمته، مما يستلزم حواراً تشريعياً ومؤسساتياً جديداً.

وتكتسي هذه الفرضية أهمية خاصة إذا كانت المقتضيات المعنية تمس المبادئ الدستورية المؤطرة للمهنة، كاستقلال الدفاع، والأمن القانوني، والالتزام بالمقاربة التشاركية في إعداد النصوص المتعلقة بالمهن المنظمة.

الفرضية الثالثة: التصريح بعدم الدستورية الكلية.

وهي السيناريو الأكثر حسماً، ويقع إذا رأت المحكمة أن الخلل يطال روح النص وأسسه، مما يستلزم إعادة صياغة شاملة وجذرية.

وفي جميع الأحوال، يحسم الفصل 134 من الدستور الأثر القانوني لقرارات المحكمة، إذ تنص على أن قراراتها ملزمة لجميع السلطات العامة والإدارية والقضائية. ومعنى ذلك أن أي مقتضى تقضي المحكمة بعدم دستوريته لا يمكن إصداره أو العمل به إلا بعد إزالة سبب المخالفة.

إشكالية الدورة الاستثنائية: بين الدستور والسياسة

غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً يبقى: هل يمكن، في حالة صدور قرار بعدم دستورية بعض المواد، أن يعقد البرلمان دورة استثنائية لإدخال التعديلات اللازمة قبل انتهاء الولاية التشريعية؟

من الناحية الدستورية، الجواب بنعم، إذ يجيز الفصل 66 من الدستور عقد دورة استثنائية بطلب من رئيس الحكومة أو بطلب من أغلبية أعضاء أي من المجلسين، مع تحديد جدول أعمالها. وبالتالي، فإن إمكانية عقدها قائمة دستورياً، ولا يحول دونها سوى غياب الإرادة السياسية أو عدم توفر المبررات الموضوعية.

أما ما يروج عن التزام رئيس الحكومة بعدم الدعوة إلى دورة استثنائية إذا استجابت المحكمة للدفوع المثارة، فإنه – إن صح – يظل التزاماً سياسياً وأخلاقياً، وليس قاعدة دستورية ملزمة. فالدستور وحده هو الذي ينظم انعقاد البرلمان، ولا يمكن لأي وعد سياسي أن يقيد الصلاحيات المخولة للسلطات المختصة.

نقاط التشكيك في الدستورية: أين يكمن الخلل؟

استناداً إلى مرافعات المحامين، تتلخص النقط الجوهرية التي تشكك في دستورية النص في أربعة محاور رئيسية:

1. خرق المقاربة التشاركية: يرى المحامون أن المشروع أعد دون تشاور حقيقي، وهو ما يناقض الفصلين 12 و13 من الدستور اللذين يوجبان إشراك الهيئات المهنية.
2. مراقبة حسابات الودائع: إخضاع حسابات الودائع (أموال الموكلين) لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، مع أن اختصاصه ينحصر في الأموال العمومية، مما قد يمس بالسر المهني.
3. التنظيم الذاتي للمهنة: القيود الواردة على شروط الترشح وعدد الولايات تُعد مساساً باستقلالية الهيئات في تدبير شؤونها.
4. المساس بحق الدفاع: تجاوزات الرقابة الزجرية قد تمس بجوهر مهنة المحاماة كشريك أساسي في تحقيق العدالة.

الخلاصة: انتظار الحكمة الدستورية والسياسية

إن مصير المشروع لن يتوقف فقط على مضمون قرار المحكمة الدستورية، بل أيضاً على الخيار السياسي الذي ستتبناه الحكومة. فإذا خلصت المحكمة إلى وجود اختلالات جوهرية تمس فلسفة المشروع، فإن الحكمة التشريعية تقتضي عدم التعجيل بتمريره في دورة استثنائية، وترك المجال للحكومة والبرلمان المقبلين لإعادة فتح النقاش في إطار مقاربة تشاركية حقيقية، تضمن إخراج نص يحظى بالشرعية الدستورية والقبول المهني.

فالقوانين المنظمة لمهنة المحاماة لا تُقاس بمنطق الأغلبية العددية أو بضيق الزمن، بل بمدى احترامها للدستور، وضمانها لاستقلال المهنة، وصيانتها لحق الدفاع. الكلمة الأخيرة اليوم للمحكمة الدستورية، غير أن احترام قراراتها لا يقتصر على تنفيذ منطوقها، بل يقتضي استيعاب فلسفتها وأسبابها، لأن الرقابة الدستورية ليست مجرد رقابة على نصوص، بل هي حماية لمبادئ الدولة الدستورية، وضمان لجودة التشريع، وصون لحقوق المواطنين والمؤسسات على حد سواء.

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci