أخباركتاب الرأيمجتمع

معضلة الجفاف.. إلى متى ندفن رؤوسنا في الرمال؟

بقلم: عبد العزيز الرغاوي

بقلم: عبد العزيز الرغاوي

يقع المغرب في منطقة هي الأشد جفافًا على سطح كوكبنا، وهي منطقة شمال إفريقيا والشرق العربي، إذ لاتستقبل هذه المنطقة أكثر من 1% من كميات المياه العذبة على سطح الأرض، ويُصَنَّفُ المغرب ضمن البلدان شبه القاحلة semi-arides،لكنه أصبح خلال العقود الأربعة الأخيرة بلدا قاحلًا بكل ما تحمل الكلمة من معاني الجدب والقحط والعطش، وصار الجفاف معطى بِنْيَويا في مناخه، ولقد شهد عقد الثمانينيات من القرن الماضي إحدى أطول فترات الجفاف التي اجتازها المغرب في تاريخه المعاصر والتي امتدت مايقارب الثماني سنوات، كانت سنوات عجافًا جَفَّ فيهن الزَّرْعُ والضَّرْعُ، فانكمشت النفوس واربَدَّتِ الوُجوهٌ، وغشيَ النّاسَ اليأسُ والقنوطُ، وغادر الْآلافُ من أَهْلِ البادية قُراهم ومداشرهم، في أضخم عملية نزوح، ليحطوا الرِّحالً في مدن عاجزة عن استقبالهم وأن تكفل لهم عيشا كريما يصون آدميتهم، فتضخمت أحزمة الفقر حول المدن، مع مايرافقها من آفات اجتماعية سلبية كارتفاع معدلات الجريمة وتفشي الدعارة واستفحال البطالة وتعاطي المخدرات.

لقد كان مربي الماشية خلال تلك السنوات القاسية ينقل بعض خرفانه أو نعاجه أو بقرة أو غير ذلك ليبيعها في السوق، ليقتني بما تُغِلُّ عليه من مالٍ بعض ماتحتاجه أسرته من طعام وأغراض أخرى، فكان يبيعها بأبخس الأثمان ليتخلص منها، فما كان بحوزته ما يكفي من مال ليوفِّرَ لها عَلفًا، وعندما كانت تَفْضُلُ لديه بعض رؤوس الماشية، كان يتركها وسط السوق ويَنسَلٌّ عائدًا إلى بيته، وكان الهزال باديا على المواشي، إذ حوَّلَها الجوع والعطش إلى هياكل عظمية يغطيها جلد وصوف ووبر، ولقد نفقت الآلاف منها بفعل الجوع والأمراض والاوبئة التي تكالبت عليها.

وعقب تلك السنوات المريرة، انهمر المطر غزيرا، فَنَسٍيَ النّاسٌ ماكان من أمرهم وكأنهم ماشَهِدوا الجفافَ من قبل ولا كابًدوا وَيْلاتِهٍ، فانصرفوا إلى الماء يبددونه في زراعة منتوجات تٌدِرُّ على أصحابها مالا وفيرا، لكنها تستنزف الماء استنزافا وتهدد مناطق بأكملها بالعطش، وحلت سنوات جفاف أخرى، فأقسم المسؤولون بأغلظ الأيمان أنهم لن يُلْدَغوا من الجُحْرِ مرة أخرى وأنهم سيسعون خلال العقود اللاحقة إلى وضع سياسة مائية تروم ترشيد استعمال المياه وصونها من الهدر والتبذير، لكن تلك الوعود ظلت حبرا على ورق، وعاد القحط مرة أخرى ضيفا ثقيلا على القلوب والنفوس.

وخلال شتاء هذه السنة المباركة، هطل المطر مدرارا، فاستقبله الناس في البوادي والحواضر مبتهجين أيما ابتهاج، وكانت كميات الأمطار هائلة لم يعهدها الناس منذ سبعينيات القرن الماضي، فارتفعت حقينة السدود وجرى الماء في السواقي والأنهار والغدران، وفاضت كثير من العيون التي جفت وغاض ماؤها منذ سنوات، فاخضَرَّتِ الحُقولُ وأيْنَعَتِ الْمُروجُ، ووجدت المواشي الكلأ، وتنفس أهل البادية الصعداء وانشرحت أساريرهم هم الذين طال عليهم أمد الجفاف فأرهقهم وسقاهم علقم اليأس والقنوط، إن المطر هو أصل كل شيء، فبدونه ترتبك حياة الناس وتضطرب و لاتكاد تستقر على حال، ألم يقل ليوطي، المقيم العام الفرنسي، الذي خَبِرَ أحوال البلاد والعباد إبان حقبة الاستعمار، هو الذي كان يسعى إلى سبر أغوار الشخصية المغربية، ليسلس له قيادها: ” c’est la pluviométrie qui gouverne au Maroc.” ” إن كمية الأمطار هي التي تحكم المغرب.” وهذه الحقيقة مازلنا نلمسها إلى اليوم، فماذا فعلنا بكميات الأمطار هذه، وهل خططنا لتخزين بعضها حتى يتسنى لنا استعمالها إذا ماداهمنا الجفاف سنة أخرى؟

لايبدو أننا نٌلْقي بالاً لضرورةِ الحفاظ على الماء ولانعالج طرق استعماله بما يقتضي الأمر من صرامة وحزم، فقد راج منذ سنوات أنه سيتم منع مزروعات بعينها تستهلك الماء على نحو مفرط أو على الأقل تقليص مساحة زراعتها كالبطيخ الأحمر وفاكهة الأفوكا وغيرهما ،لكن لاشيء من ذلك دخل حيز التنفيذ، بل تضاعفت هذه المساحة وكأننا نُصِرُّ بمنتهى الغباء وسوء تقدير مغبة الأمور أن نُهْدِرَ مياهنا الضئيلة وأن نحكم على أنفسنا بالعطش فيما يستقبل من سنوات.

إن مغاربة اليوم والغد مهددون بالعطش، لذا فإن أي قطرة ماء ينبغي أن نحرص على الحفاظ عليها، بابتكار تقنيات تكفل استدامة الماء باعتباره ثروة وطنية، سواء بتخزين مياه الأمطار في المدن وبتقليص مساحة المزروعات التي”تبتلع” المياه ابتلاعا، ولنا المثال في فرنسا التي نحدو حدوها في كل شيء تقريبا، إلا في تدبير المياه وترشيد استعمالها، فعندما تشهد الجفاف بعض المناطق في جنوبها في سنة ما، تعمد البلديات إلى إصدار قرار ملزم يحظر سقي الحدائق حول المنازل ومنع غسل السيارات وملء أحواض السباحة، وكل مخالف لهذه الإجراءات يجد نفسه تحت طائلة أداء ذعيرة مرتفعة، يحصل هذا في فرنسا التي تزخر بالمياه العذبة في كل مكان، فأينما وليت وجهك صادفت نهرا أو بحيرة أو غديرا أو عين ماء، أما الفرشة المائية فهي تتغذى سنويا من سيول الأمطار الغزيرة التي تنهمر على كل مناطق فرنسا.إن أرض فرنسا تطفو على بحر من المياه العذبة، أما في بلدنا الذي لاتتوفر مناطق شاسعة منه على الماء الشروب ويقطع سكانها مسافات طويلة كل يوم لجلب لترات قليلة من الماء، فالماء يهدر برعونة، ومحلات غسل السيارات تنبت كالفطر في كل مكان، والناس يغسلون سياراتهم دون رادع أو وازع من ضمير، والآبار تحفر بالمئات كل سنة وتستنزف الفرشة المائية على نحو خطير مهددة حياة الناس بالعطش وسوء المصير وسهل سوس من بين جهات أخرى يشهد كارثة حقيقية جراء حفر الآبار العشوائي، إننا نتصرف إزاء الماء كشخص طائش، مِتْلافٍ وأرعن، فما إن يجري المال في يده، حتى يبسط يده فيه كل البسط، يبذله في غير وجوه إنفاقه، ينفقه كأنه جمْرٌ مُسْتَعِرٌ يحرق أصابعه، وما إن يفطن أنه لم يفضل من ماله قرش واحد حتى يعض على أصابعه حسرةً وكمدًا، فيشرع يلوم نفسه ويقرعها ويُنْحي عليها باللّائمة وهو يعقد العزم على أنه لن يقترف الخطأ نفسه مرة أخرى، وأنه سيدخر ماله لأيام العُسْرَةِ والاضطرار، لكن ما إن يكسب كَرَّةً أخرى مبلغا من المال حتى يبدده تبديدا، وهذا سلوكنا إزاء الماء، ننتظره على أحر من الجمر، وعندما يقبل بكميات هائلة، لا ندرك ماذا نفعل به ولاكيف ندخره، بل نهدره بوقاحة.

ففي المدن، تتدفق ملايين أمتار المياه المكعبة في البالوعات لتصب في البحر، والْأَحْجى أن تُنْشَأَ في جميع المدن التي تستقبل أمطارا غزيرة مخازن لتجميع هذه المياه لاستعمالها عند الحاجة، وهذا ماقامت به بعض البلديات بلبنان مثلا، حيث تعمل على تجميع مياه الأمطار شتاء، لتوزعها على السكان صيفا، وهو صيف حار وجاف، بل إن بلدانا أخرى انخرطت في عملية تجميع قطرات الطّل (الندى)التي نجدها صباحا على أوراق العشب والأشجار، وهذا يكشف بجلاء كيف تفكر البلدان في معضلة الجفاف وندرة المياه وكيف تجترح طرقا قد تبدو أحيانا ضربا من الجنون أو الخيال لتجابه هذه المعضلة، أما نحن فلا ننجز دراسات استشرافية لما سيكون عليه مناخنا بعد خمسين سنة من اليوم، وإن أنجزناها، فإن خلاصاتها تظل حبيسة أدراج المكاتب، ولانستلهم منها حلولا مبتكرة للتصدي للجفاف وآثاره الوخيمة علينا وعلى الأجيال القادمة. والحال أنه ينبغي أن يمثل الحفاظ على الموارد المائية أولوية وطنية وورشا مفتوحا شأنه شأن التعليم نفسه، وأن يسعى واضعو السياسات العمومية وخبراء تدبير المياه إلى التفكير في قضاياه ومن أهمها:

1- تشييد سدود جديدة وصيانة المتقادم منها، وإفراغ أحواضها من الأتربة والأحجار التي تترسب في قاعها، مما يقلص من كميات المياه التي تختزنها، وبالرغم أن العملية بالغة التعقيد ومرتفعة التكلفة، فإنه لامناص منها في وبخاصة في السدود الكبرى.

2-صد خطر التصحر وبخاصة في جنوب المغرب الغربي والجنوب الشرقي بتعزيز عمليات التشجير، وزجر المخالفين على نحو صارم الذين يساهمون في القضاء على الغطاء النباتي سواء باجتثات الأشجار أو عبر الرعي الجائر.

3-وفق معدلات دولية، فإن مساحة الغابات في بلد معين ينبغي أن تمثل 8% أو أكثر من المساحة الإجمالية للبلد، والغابات في بلدنا تتعرض لتهديد خطير، إذ تتعرض لعملية اجتثات لنباتاتها وأشجارها دون أي تعويض، والحال أن الغابات عامل أساس في استجلاب الأمطار، فكلما اتسعت مساحة الغابات، كلما كانت التساقطات المطرية غزيرة ومنتظمة، لذا ينبغي الانخراط في مشروع وطني لإعادة تشجير المناطق التي تقلص فيها المجال الغابوي، وتجدر الإشارة إلى دور الغابات في تخفيف حدة الظواهر المناخية القصوى.

4 -إن عملية تبخر المياه بفعل حرارة الشمس يحرم المغرب من كميات هائلة من المياه، ولأنه يتعذر من الناحية التقنية الحد من معدلات التبخر المرتفعة، فبالإمكان إنشاء أحواض مائية مغطاة و مد سواقي الري غير المكشوفة للحد ولو نسبيا من تبخر المياه المفرط.

5-تستهلك الزراعة مايناهز 70% من المياه العذبة، ولقد أفلحت بلدان كثيرة من تقليص هذا المعدل باللجوء إلى تقنيات حديثة كالري بالتنقيط وتقنيات أخرى وبتقليص مساحة المزروعات المستهلكة للمياه بإفراط.

6- إقامة محطات لمعالجة المياه العادمة، واستعمال المياه التي تتم معالجتها لسقي الحدائق العمومية مثلا في المدن أو استغلالها في النشاط الصناعي.

هذه فقط جملة من نقاط تقتضي التفكير حولها في انتظار أن يصبح الماء وتدبيره أولوية وطنية حقيقية، ولقد أمسى التفكير حول الماء ذا صبغة استعجالية، وكل تهاون أو تراخٍ في التفكير حول معضلة الماء والجفاف سنؤدي تكلفته مرتفعة، ولو بعد حين ؛ إن حروب الغد ستكون نزاعاتٍ مُسَلَّحَةً تندلعُ بسبب مصادر المياه والسيطرة عليها. أما في بلدنا، فستكون حربا لاهوادة فيها ضد المناخ المتقلب والقاسي الذي فاقمته التغيرات المناخية الكبرى والذي صار الجفاف إحدى سماته الأساسية

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci