
بقلم: محمد خوخشاني

بالتزامن مع تأهل أسود الأطلس إلى ثمن نهاية مونديال 2026 بعد انتزاعهم بطاقة العبور على حساب منتخب هولندا، إثر مسيرة لافتة أمام البرازيل وإسكتلندا وهايتي، يواصل المغرب تعزيز مكانته كقوة صاعدة في كرة القدم العالمية. هذا الأداء الذي أوصل المملكة إلى المرتبة الخامسة في تصنيف الفيفا، لم يأتِ من فراغ، بل ثمرة استراتيجية رياضية طموحة قائمة على الاستثمار في البنية التحتية والتكوين، وعلى دبلوماسية ناعمة جعلت من الرباط شريكاً موثوقاً للاتحادين الأفريقي والدولي. لكن هذا النجاح الرياضي يتزامن مع إقرار رسمي بأن التحولات الديمقراطية والاقتصادية، رغم الجهود المبذولة، لم تبلغ بعد الأهداف المنشودة، وأن الطريق إلى التنمية الاجتماعية الشاملة لا تقل صعوبة عن طريق التتويج الكروي.
نموذج رياضي يُحتذى به.
لم يكن تألق المغرب في المحافل القارية والعالمية وليد الصدفة. فقد أحدثت أكاديمية محمد السادس للكرة ثورة في التكوين، خرّجت لاعبين جاهزين بدنياً وذهنياً وتكتيكياً، فيما حوّلت السياسة الخارجية الرياضية المملكة إلى فاعل مؤثر في أروقة الكاف والفيفا، عبر شراكات مع اتحادات أفريقية وتبادل خبرات. هذا التراكم جعل من التجربة المغربية مرجعاً يُدرس، وأضاف إلى الرصيد الوطني أداة نفوذ جديدة.
رهانات اقتصادية واجتماعية تنتظر الإنجاز.
في الموازاة، يواصل المغرب مساره الإصلاحي في المجالين السياسي والاقتصادي، لكن الحصيلة تبقى دون الطموحات. ففي الجانب الديمقراطي، تظل الخيارات الميزانياتية والنقدية محصورة في أروقة الخبراء، بعيداً عن النقاش العمومي، وتُقدَّم كضرورات تقنية تكرس هيمنة الاستقرار النقدي على حساب سياسات توسعية قادرة على خلق فرص الشغل. كما أن دسترة قواعد التقشف المالي قيدت هوامش الدولة في الاستجابة للحاجيات الاجتماعية. أما اقتصادياً، فالنمو لا يزال عاجزاً عن امتصاص البطالة، والفجوات الاجتماعية قائمة. والمغرب، الذي نجح في بناء نموذج رياضي متميز، ما زال يبحث عن معادلة تنموية عادلة ومستدامة، وهذا ما تدركه السلطات التي تنظر إلى هذا التفاوت كحافز لمضاعفة الجهود.
رؤية متكاملة للمستقبل.
لا يكتفي المغرب بشهرة كروية، بل يدرك أن التحديات الحقيقية تكمن في تحسين التعليم والصحة وتوفير العمل اللائق. ولذلك، شرع في مراجعة عميقة لنموذجه التنموي، ساعياً إلى نقل روح الانضباط والرؤية والاستمرارية التي ميزت الرياضة إلى المجال الاجتماعي والاقتصادي. يبقى الهدف واضحاً: جعل التفوق الرياضي مصحوباً برخاء مشترك. وفي حين يواصل الأسود كتابة ملحمة جديدة، يظل الجمهور والمسؤولون على حد سواء واعين بأن الانتصارات الحقيقية تُربح خارج الملعب أيضاً، وأن الوعي بالتحديات هو أول خطوة نحو تجاوزها. فإذا كان الفريق الوطني قد أظهر الطريق، فإن المملكة عازمة اليوم على تسجيل أهدافها القادمة في ميدان التعليم والتشغيل والعدالة الاجتماعية



