بقلم: محمد خوخشاني

في 29 مايو 2026، رحل عن عمر يناهز 104 أعوام إدغار موران، أحد أعظم مفكري عصرنا. لا يمثل رحيله نهاية حياة طويلة بامتياز فحسب، بل يشكل أيضًا استمرارية عمل فكري سيظل ينير الأجيال القادمة.
لم يكن التأمل في الموت موضوعًا هامشيًا عند إدغار موران، بل احتل مكانة مركزية في فكره. فمنذ مؤلَّفه الرئيسي “الإنسان والموت”، بيّن أن وعي الموت يشكل إحدى الخصائص الأساسية للكائن البشري. الإنسان هو كائن يعلم أنه فانٍ، وهذا الوعي تحديدًا هو الذي يولّد المعتقدات والطقوس والأساطير والأديان والسعي الدؤوب نحو المعنى.
يرى موران أن المجتمعات البشرية حاولت دائمًا تجاوز قلق الفناء من خلال فكرة البقاء أو النهوض أو الخلود. لكنه لم يسعَ إلى فرض يقين ميتافيزيقي، ولا إلى حصر الإنسان في مادية يائسة. بل كان يدعو إلى قبول عدم اليقين بوصفه بُعدًا مؤسِّسًا للوجود الإنساني. فالعيش بشكل كامل، والحب، والإبداع، والنقل، والمشاركة في المغامرة الجماعية للإنسانية، تشكل، وفقًا لرؤيته، الاستجابات الأكثر أصالةً لحتمية الموت.
اندرجت هذه الرؤية ضمن ما أسماه “الفكر المركب”، أي الفكرة القائلة بأن الحقائق الإنسانية لا يمكن فهمها من خلال تقابلات مبسّطة. فالحياة والموت لا يتنافيان، بل يتكاملان. فالحياة تحمل الموت في طياتها، بينما يساهم الموت في تجديد الحياة. كان فهم هذه العلاقة الحميمية بين الأضداد، بالنسبة لموران، شرطًا أساسيًا للحكمة.
إن رحيل إدغار موران يدعو إذن إلى التأمل في مفارقة كان هو نفسه سيقدرها: بعض البشر يموتون، لكن فكرهم يستمر في العيش. بعضهم يعبرون عصرهم، وآخرون يعبرون عصورًا متعددة. ينتمي موران بلا شك إلى الفئة الثانية. وُلد في خضم اضطرابات القرن العشرين، وكان مقاومًا خلال الحرب العالمية الثانية، وشاهدًا على التحولات الكبرى في العالم المعاصر، كرّس أكثر من سبعة عقود لمساءلة الحالة الإنسانية، وأزمات الحضارة، ومستقبل الكوكب، والمصير المشترك للشعوب.
بالنسبة للمغرب، فإن رحيله يحمل دلالة خاصة. فالمغربي بالمصاهرة، والصديق المخلص للمملكة، كان يرتبط بالمغرب بعلاقة فكرية وعاطفية عميقة. لقد رأى في هذا البلد مفترق طرق فريدًا بين أفريقيا والعالم العربي والبحر الأبيض المتوسط وأوروبا. جسّد هذا التعدد الثقافي والتاريخي، في نظره، واحدًا من أبرز تعابير التعقيد الإنساني الذي لم ينقطع عن استكشافه.
إن المغرب الذي أحبه هو بالضبط ذلك الفضاء الذي تلتقي فيه تراثات متعددة: الأمازيغية، العربية، الإفريقية، المتوسطية، الإسلامية والعالمية. وهذا التنوع، وفقًا لمقاربته، لم يكن عامل انقسام بل ثراءً يجب تنميته. في وقت تغري فيه مجتمعات كثيرة بالانغلاق الهوياتي أو التبسيطات الأيديولوجية، لا يزال درسُه ذا راهنية مذهلة: الربط لا الفصل، الفهم لا الإدانة، الحوار لا الاستبعاد.
يذكّرنا موته أيضًا بأن النقل قد يكون أكثر أشكال المقاومة للأفعال إنسانية. فمن تفكّر كثيرًا في الفناء، كان يعلم أن البشر يبقون حيين من خلال أعمالهم وأفكارهم والتزاماتهم والروابط التي ينسجونها مع الآخرين.
في العمق، يمكن اختصار إرث إدغار موران في هذا القناعة العميقة: إن عدم اليقين ليس موطن ضعف في الحالة الإنسانية، بل هو عظمتها. إن قبول تعقيد العالم، والاعتراف بهشاشة كل يقين، والحفاظ على الأخوة بين الشعوب، والبقاء منفتحين على تنوع الثقافات، كلها سبُل نحو إنسانية أكثر وعيًا بذاتها.
اليوم، رحل الرجل. لكن الأسئلة التي طرحها على العالم ما تزال قائمة. وطالما أن هذه الأسئلة ستواصل سكنى الضمائر، سيظل إدغار موران حيًا بيننا.
فالإنسان يتوقف عن العيش عندما يتوقف عن التنفس؛ أما المفكر فلا يختفي حقًا إلا عندما تتوقف الأفكار التي أورثها للبشرية عن الصدى.
وداعًا إدغار موران. المغرب، الذي أحببته كثيرًا، ينحني باحترام أمام ذكراك. كانت حياتك جسرًا بين الثقافات، وكان فكرك دعوة إلى التفاهم المتبادل، وكان عملك واحدًا من أجمل الدعوات للتفكير في الإنسانية بكل غناها وتنوعها وتعقيدها.

