أخباركتاب الرأي

المغرب.. الركائز الداخلية للسيادة الاقتصادية

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

مقدمة.

في عالم تنتقل فيه القوة من ساحات المعارك إلى الأسواق المالية وشروط الديون، يقف المغرب عند مفترق طرق استراتيجي. من خلال قراءة نقدية لأطروحات جون بيركنز وتحليل للهشاشات الداخلية كما لنقاط القوة الوطنية، من المفيد السعي إلى شراكة دولية متوازنة، باعتبارها الضمان الوحيد لسيادة اقتصادية دائمة.

في العالم المعاصر، لم تعد موازين القوى بين الأمم محصورة في الجيوش، أو الحدود، أو الاستعراضات العسكرية. إذ تمارس القوة اليوم عبر آليات غالباً ما تكون أكثر خفاءً لكنها لا تقلّ حسماً: الديون، الأسواق المالية، الاتفاقيات التجارية، السيطرة التكنولوجية، الشركات متعددة الجنسيات، والمؤسسات الاقتصادية الدولية.

1. إرث جون بيركنز: «القاتل الاقتصادي».

وهذه الحقيقة تحديداً هي التي ساهم كتاب «اعترفات خبير اقتصادي مخترق» (Confessions of an Economic Hit Man) للكاتب الأميركي جون بيركنز في نشرها على النطاق العالمي.

في هذا المؤلَف المثير للجدل، يزعم جون بيركنز أنه شارك في نظام يهدف إلى إقناع بعض البلدان النامية باقتراض أموال طائلة لتمويل بنى تحتية صُوِّرت على أنها ضرورية للتقدم: سدود، شبكات طاقة، طرق سريعة، مطارات أو مشاريع صناعية كبرى.

ووفقاً لرؤيته، فقد خدمت هذه الاستثمارات جهود تحديث الدول المعنية، لكنها ساهمت أيضاً في حبسها ضمن تبعية مالية دائمة. فالقروض الممنوحة من مؤسسات كالبنك الدولي أو صندوق النقد الدولي كانت غالباً ما تعود بالفائدة على كبرى الشركات الأجنبية أكثر مما تعود على السكان المحليين.

2. آلية التبعية: استعمار جديد مالي.

عندما تعجز الدول عن سداد ديونها، تجد نفسها مضطرة لقبول شروط اقتصادية وسياسية تصب في مصالح القوى المهيمنة: خصخصة، فتح أسواق استراتيجية، تنازلات عن الموارد الطبيعية أو انحيازات دبلوماسية.

هذا المنطق يتوافق مع ما وصفه العديد من المفكرين بـ«الاستعمار الجديد»: هيمنة لم تعد تمر بالضرورة عبر الاحتلال العسكري المباشر، بل عبر الآليات الاقتصادية والمالية.

3. الأسلحة الصامتة للجيو سياسة الحديثة.

يعج العالم بالفعل بحالات سبقت فيها الضغوط الاقتصادية التوترات السياسية المعلنة. فالعقوبات، الحصار، المشروطية المالية، التحكم في العملات أو التبعية الطاقية تشكل اليوم أسلحة جيوسياسية كبرى. وكثيراً ما لا يلجأ بعض الفاعلين إلى أشكال أكثر عنفاً من المواجهة السياسية أو العسكرية إلا بعد أن تصبح هذه الأدوات غير كافية.

4. خطأ المؤامرة الواحدة: دور الهشاشات الداخلية.

غير أن اختزال جميع الأزمات الدولية في مؤامرة واحدة يشكل خطأ تحليلياً. فالعلاقات الدولية تظل معقدة ومتعددة الأبعاد. ولا تؤدي التأثيرات الخارجية إلى نتائجها إلا بوجود هشاشات داخلية مسبقة: فساد، ضعف مؤسساتي، غياب رؤية استراتيجية، تفاوتات اجتماعية أو اعتماد مفرط على الخارج.

وهذا ما يفسر أيضاً سبب تمكن بعض الدول من الحفاظ على استقلالية نسبية رغم الضغوط الدولية، بينما تصبح دول أخرى بالغة الهشاشة.

5. حالة المغرب: تقدم وتساؤلات.

تمثل حالة المغرب نموذجاً مثالياً لهذه المعادلة المعقدة بين الانفتاح الاقتصادي والتنمية والسيادة. فمنذ عدة سنوات، أطلقت المملكة مشاريع هيكلية كبرى: بنى تحتية مينائية، خطوط سكك حديدية عصرية، طاقات متجددة، منصات صناعية وانفتاح معزز على أفريقيا والأسواق الدولية. وقد عملت هذه الإنجازات بلا شك على تحسين الجاذبية الاقتصادية للبلاد وتعزيز موقعها الاستراتيجي الجهوي.

لكن في الوقت نفسه، تظل التساؤلات قائمة حول:

● حجم المديونية؛
● التفاوتات الاجتماعية؛
● هشاشة جزء من الطبقات الشعبية والمتوسطة؛
● الولوج إلى تعليم وصحة بجودة عالية؛
● وكذلك التوزيع الحقيقي لعوائد التنمية.

6. نحو شراكة متوازنة: الطريق المغربي.

التحدي الحقيقي للمغرب لا يكمن إذن في رفض العولمة، ولا في الاعتماد الأعمى على رؤوس الأموال الخارجية. بل ينبغي أن تكون الأولوية الاستراتيجية هي بناء شراكة متوازنة مع بقية دول العالم.

الشراكة المتوازنة تعني:

● تعاوناً قائماً على المصالح المتبادلة؛
● قدرة وطنية على التفاوض؛
● حماية القطاعات الاستراتيجية؛
● تخفيضاً تدريجياً للتبعيات الحرجة؛
● والأهم، استثماراً كثيفاً في رأس المال البشري.

7. الركائز الداخلية للسيادة الاقتصادية.

ذلك أن السيادة الاقتصادية لا يمكن أن تدوم دون:

● مدرسة فعالة؛
● نظام صحي متين؛
● عدالة اجتماعية؛
● بحث علمي؛
● إدارة كفؤة؛
● وثقة بين الدولة والمواطنين.

تُظهر التجربة العالمية أن البلدان التي تنجح على المدى الطويل ليست بالضرورة تلك التي تمتلك الموارد الطبيعية الأكثر وفرة، بل تلك التي تعرف كيف تحوِّل شراكاتها الدولية إلى روافع للتنمية السيادية لا إلى آليات للتبعية.

خاتمة.

في عالم أصبح فيه الاقتصاد أداة مركزية للقوة، لم يعد الاستقلال الحقيقي محصوراً في العلم أو الحدود. إنه يُقاس بقدرة دولة ما على الحفاظ على حريتها في اتخاذ القرار، وحماية كرامة شعبها، والتفاوض مع القوى الكبرى من موقع توازن وثقة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci