
بقلم: عبد العزيز الرغاوي

وأنا أهيم على وجهي على غير هدى في شوراع وسط الدارالبيضاء فإنني أحملق في وجوه المارة وأحيانا أتفرس وجوه الزبناء الجالسين في المقاهي والمطاعم والحانات، فأنظر إلى ما يصيبونه من طعام ومايفرغون في أجوافهم من مشروبات، وأشد ماكان يسترعي اهتمامي وجود مقاهٍ بعينها لايرتادها إلا فنانو المسرح والسينما ومقاه أخرى لايقصدها إلا من يشتغلون في مجال الصحافة، فللممثلين مقهى وحانة بعينها يقضون فيها سحابة يومهم يشربون البيرة ومشروبات كحولية أخرى ويثرثرون بل ويصرخون ويقهقهون كالمجانين، وقد يقضون اليوم كله يثرثرون ويسخرون من أحدهم، ثم يعودون إلى بيوتهم في ساعة متأخرة من الليل، وفي اليوم الموالي، يقصدون الخمارات نفسها، ويكررون مافعلوا في الأمس دون أن يغيروا في ذلك شيئا، فالممثلون لايشتغلون كل الوقت، فإذا لم يُدْعَوْا إلى تصوير فيلم أو أداء دور في عرض مسرحي، فإنهم يجدون أنفسهم “يقتلون” الوقت كما اتفق في انتظار مكالمة هاتفية من منتج أومخرج.
وللروائيين والشعراء والقصاصين حاناتهم المعلومة لايكادون يغادرونها أو يغيرونها، يجتمعون فيها كل مساء، يشربون المشروبات الكحولية ويثرثرون حول الأدب وعن تلاميذهم الكسالى والنجباء منهم ويغتابون بعض زملائهم في حرفة الأدب والتدريس، فجلهم يشتغل مدرسا بالتعليم الإعدادي والثانوي، وبين هؤلاء كتاب كنت أراهم في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وهم في شرخ الشباب وفي بداية مسارهم المهني، حيث كانوا ينشرون نصوصا شعرية أو سردية في الملاحق الثقافية الأسبوعية لبعض الصحف الوطنية أهمها حينذاك جريدتا “العلم” و”الاتحاد الاشتراكي”، وكانت نصوصا واعدة تحمل بذرة إبداع نصوص متميزة فيما يستقبل من سنوات، لكن…
كان هؤلاء المدرسون يقضون أمسياتهم يشربون ويشربون، كل ماتطاله دراهمهم، يشربون البيرة والنبيذ الأحمر وكؤوس الويسكي وغيرها، فيسكرون ويصرخون ويغنّون وعند منتصف الليل عندما يلتمس منهم مُسَيِّرُ الحانة أن يغادروها لأن ساعة الإغلاق قد حلَّتْ، كانوا يصلحون من حال ثيابهم ويحملون أغراضهم وهي محفظاتهم على وجه التحديد ثم يغادرون الحانة سكارى متثاقلين، فينادون صاحب سيارة أجرة الذي يُقِلُّهُمْ إلى مساكنهم، وكان هذا الأمر يتكرر مساء كل يوم، أما خلال عطلة نهاية الأسبوع، فهم يقضون يومهم كله في خماراتهم المعلومة، حيث يتناولون وجبة الغذاء ثم وجبة المساء ” اللمجة” ليتناولوا لاحقا طبق العشاء، قبل أن يعودوا أدراجهم إلى بيوتهم منهكين وقد بلغ منهم الإعياء مبلغه، ولايدرك درجة هذا الإنهاك إلا من جربه، فاسألوا أهل الكأس لتعلموا الخبر اليقين!!!
ستمضي السنة تلو الأخرى، و في لحظة ما تذكرت أولئك الكتاب الواعدين وتساءلت عن مصيرهم، وما حل بهم وعما فعلوا بأيامهم ولياليهم، وعما أبدعوا من أعمال أدبية وازنة، فكنت أجد أن أهل الثقافة والأدب نسوهم، كما نسوا هم أنفسهم، فَلا هُمْ رَعَوْا ملكاتهم الأدبية ولا هم ادَّخروا ما كانوا ينفقونه ليسكروا، بل يبدو أن صحة جلهم تضعضعت، فإدمان الكحول يُقَوِّضُ البدن والأعصاب ويقتل الموهبة ويحيل المدمنين إلى أشباه ظلالهم، تستبد بهم العادة فلايقوون على مقاومة غوايتها فتجرفهم وتلقي بهم غيابات عذاب لاقرار له. لِمَ يتهيأ لبعض أهل الأدب والمتأدبين أن تناول المخدرات والمسكرات بشتى أصنافها سيمثل الطريق الأمثل الذي سيفضي بهم إلى إبداع روائع أدبية لم يسبقهم إليها أحد؟
إنهم باختصار “ضحية” نظرة أو لنقل ” أسطورة “أضحت متجاوزة اليوم، وكانت واسعة الذيوع في القرن التاسع عشر، وهي صورة الشاعر الرَّجيم ( أو الملعون)، الذي يعيش على هامش المجتمع و الذي يتمرد عبر هندامه وسلوكه ونمط عيشه على أعراف المجتمع وعاداته القاهرة، يحيا منعزلا لاترافقه سوى شياطينه وهلوساته وهذيانه التي لاتكاد تُزايِلُهُ لحظة في منامه ويقظته، وكان إدمانه على المخدرات والخمور وسيلته ليبصق في وجه المجتمع مزهوا بنفسه ومُعْتدًّا بها وبملكته الأدبية المتفردة، لقد ألف بول فيرلين Paul Verlaine كتابا يحمل عنوان Les poètes maudits” الشعراء الملاعين” عدَّد فيه بعض هؤلاء الشعراء من مجايليه وممن سبقهم، وهو للتذكير واحد منهم، منهم Arthur Rimbaud و Charles Cros وآخرون و أولهم الذي علمهم السحر Charles Baudelaire، فقد كان شعر هؤلاء شعرا حقيقيا، له سحر من طراز فريد، شعر له موسيقى لم يسبقهم لها أحد، وبه إشراقات fulgurances تكاد تخطف الأبصار بل نور البصيرة أيضا، تغمره غلالة كآبة لذيذة.
هل أبدع هؤلاء الشعراء تلك القصائد لأنهم كانوا يتعاطون المخدرات والمسْكرات من كل صنف، لا أحد بوسعه أن يجزم أنهم أبدعوا ذلك الشعر الأصيل لأنهم كانوا مهمشين يتعاطون المخدرات غارقين في حياة مجون وتفسخ، فمن المؤكد أن بودلير كان يتناول كل المخدرات التي كانت تصل إليها يده، فقد تناول الأفيون والحشيش وكل أصناف الخمور والمشروبات الكحولية، بل إنه أفرد كتابا بعنوان Les Paradis artificiels فصَّل فيه بإسهاب الحديث عن خصائص الخمر والحشيش وغيرهما من المسكرات، فهل كان بمقدور بودلير أن يبدع ما أبدعه من أعمال دون تعاطيه لتلك المخدرات وبخاصة ديوانه الفريد ورائعته الأدبية Les Fleurs du mal “زهور الشر”، الذي أمسى لاحقا نموذجا لما ينبغي أن يطرقه الشعر من مواضيع وقضايا، دون أن يتناول مزيجا من المخدرات والمشروبات الكحولية، و إنني أجزم قطعا أن بودلير كان شاعرا عبقريا دونما حاجة إلى مخدرات تستثيره وتُذكي مخيلته وقريحته، فلقد كان يشتغل ليل نهار دون كلل أوملل، فكان ينظم شعرا وكان يكتب مقالات بعيدة الغور في مجالي النقدين الفني والأدبي، بل إنه الوحيد أحيانا من بين مجايليه من النقاد وأهل الأدب من كان يقف على سمات الأصالة والجدة في أعمال بعض مجايليه من الأدباء المبتدئين، فأثنى على فلوبير ورائعته Madame Bovay وكشف بعض سماتها الأدبية الفريدة فين حين انبرى الناقد Sainte-Beuve وآخرون إلى محاكمة فلوبير وفق معايير أخلاقية لاصلة لها تذكر بالأدب وكيميائه الفريدة.
كان بودلير شاعرا حقيقيا ولم يكن قط دجّالًا أو مُدَّعِيا، كان يكتب بأعصابه ودمه وكل خلية من كيانه ولم يكن للمخدرات التي كان يتناولها أي نصيب فيما أدركه من نبوغ في مجال الخلق الأدبي، لقد كان أديبا مثابرا شأنه في ذلك شأن جل مجايليه وعلى رأسهم بلزاك العبقري الذي كان يشتغل مايناهز ستة عشر ساعة في اليوم الواحد. وماكان لبودلير وماتلاه من شعراء حدوا حدوه أن يبدعوا ما أبدعوه من أعمال دون عمل مضن وتركيز شديد.
استمرت “أسطرة”صورة الشاعر المنبوذ إلى مستهل القرن العشرين، حيث أفرد عالم اللسانيات والشعرية المرموق Romain Jacobson فصلا في مؤلفه Questions de poétique ” قضايا الشعرية ” فصلا La génération qui a assassiné ses poètes ” الجيل الذي اغتال شعراءه”، أحصى فيه زمرة من شعراء روسيا الذين غادروا الحياة ولم يبلغوا بعد الثلاثين، منهم شعراء نابهون بنفس شعري عميق، نذكر منهم Alexander Blok و Serguei Essenine و Khlebnikov وشاعر الثورة البولشفية المجيد Vladimir Makaïoski الذي كان يمجدها و يمتدح ماكانت تحمله معها من آمال عظام في خلق إنسان جديد.
جل هؤلاء الشعراء النوابغ غادروا عالمنا منتحرين أو تحت تأثير جرعة مخدر مفرطة أو بعد أن افترس المرض منهم الأحشاء، وبخاصة وباء السل الرئوي الذي كان يحصد الملايين من الأرواح نظرا لتدهور شروط السكن وسوء التغذية وشح الأدوية، ومنهم من كان يعاني حقا من اضطرابات نفسية كالألمانيين Georg Trakl وGeorg Heym، وهما شاعران صبّا في قصائدهما كآبة لا قرار لها، كآبة تنتقل عدواها إلى القارىء فتنفذ إلى كل خلية من كيانه، كان موت الأول انتحارا مقنعا بعد أن تناول جرعة مفرطة من مخدر قوي ولقي الثاني حتفه بعد أن هام على وجهه في البراري في ليلة حالكةمن ليالي الشتاء الذي يجمد الدمع في الأحداق وتصطك له الأسنان والمفاصل، ووجد جثة هامدة تحت ركام الثلج، هو الذي كانت علاقته بأخته عاصفة وأقوى وأوثق مما يفترض أن تربط الصلة بين الأخ وأخته، بل إنها يمكن أن تقترب ببعض أوجهها من زنا المحارم inceste.
كل هؤلاء الشعراء المنبوذين الذين كانوا ينظمون شعرا حارقا وملتهبا كريح السموم و حادا بتّارا كسيوف الساموراي يمزق نياط القلب والأحشاء ماكان بوسعهم أن يفعلوا ذلك إلا لأن معاناة وجودية زلزلت كيانهم وأنطقتهم شعرا عميقا وحارقا يعبر عن لغز الوضع الإنساني تعبيرا صادقا وعميقا لايدركه إلا من غاص عميقا في تضاعيف النفس البشرية وأنار بجذوة نار علوية بعض عتمتها، لقد كتبوا بدمائهم وبأعصابهم شعرا يشبههم، شعرا منطلقا من أي عقال كفرس حرون، شعرا يتخلق من جديد كلما قرأه قارئ أو أنشده منشد، إنه شعر من نار وزمهرير، في ثناياه شدو العندليب ونوح الثكالى وعواء ذئاب برية وهمهمات الأنبياء والعرافين. لكن هؤلاء الشعراء لم يكتبوا قصائدهم لأنهم كانوا مرضى أو لأنهم كانوا يتناولون المخدرات والمسكرات بكل أصنافها، بل لأنهم كانوا شعراء حقيقيين، ولم يكن تعاطيهم لذلك هو رغبتهم أن يبدعوا شعرا أصيلا لم يسبقهم إليه أحد من بني البشر، كان الإبداع الشعري بالنسبة ضربا من الوظيفة الفيسيولوجية التي تستحيل الحياة في غيابه.
هل نظم هؤلاء الشعراء شعرا أصيلا واجترحوا ألوانا من التعبير عن الوضع الإنساني لم يسبقهم إليها أحد من أسلافهم من فحول الشعراء فقط لأنهم كابدوا معاناة وجودية تجرعوا فيها علقم البؤس المادي والفاقة والمرض الذي يسحق الروح قبل البدن فأفرطوا في تناول المخدرات والمُسْكِرات من كل لون وطعم لعل ذلك يخفف من وطأة الألم النفسي والوجودي الذي كان يحيل أرواحهم المعذبة والحيرى؟
هب أن هؤلاء الشعراء النابهين لم يغوصوا في حمأة تعاطي المخدرات وإدمانها، هل كان بوسعهم أن يبدعوا قصائد من طراز رفيع، هذا افتراض لا يمكن التحقق منه، لأنه افتراض لاجدوى ترجى أصلا من صياغته، لكن يمكن في كل الأحوال أن نعرض حالات شعراء عظام لم يتعاطوا قط المخدرات والكحول وعاشوا حياة رغيدة لم تلفحهم خلالها نار الحاجة والحرمان ولا مزقت أبدانهم براثن العلل والأسقام، لكن معاناتهم كانت وجودية خالصة، وبمقدورنا أن نعدد منهم شعراء عمروا حتى بلغوا من الكبر عتيا، إذ امتدت أعمارهم حتى ناهزت الثمانين ببضع سنوات، منهم على سبيل المثال لا الحصر شعراء اشتغلوا بالسلك الدبلوماسي لبلدانهم وشغلوا فيه مناصب رفيعة كالقنصل العام ك Paul Claudel و Saint-John Perse، أما الأول فكان شاعرا ملأ الدنيا الدنيا وشغل الناس بمسرحه الشعري وبتجديده للإيقاع الشعري بتبنيه لجملة شعرية le verset قد تطول أو تقصر، لكنها تحمل نفسا شعريا تحدد موسيقاه الداخلية المقاطع syllabes التي يقع عليها النبر l’accent ، ولم يكتف بذلك بل جدّد أيضا في المواضيع التي تطرقها القصائد، فكان يستقي من الإنجيل صورا ومواقف ووقائع ويقوم بالنظر إليها من زوايا نظر مختلفة، رغم أنه ظل طيلة حياته شاعرا كاثوليكي النزعة والإلهام، وله مسرحيات شعرية تعد من روائع المسرح الفرنسي في القرن العشرين ومنها le soulier de satin و مسرحية le partage de midi هذه الأخيرة مسرحية تأخذ بمجامع القلوب والألباب أما Saint-John Perse جون بيرس فنال جائزة نوبل للآداب وكان شاعرا فذا بلغ في القول الشعري شأوا عظيما واستلهم من سنوات عمره الأولى التي قضاها في إحدى الجزر التابعة لفرنسا في عرض المحيط الهادئ لينظم قصائد تعج بمشاهد وصور تحيل إلى طبيعة عذراء لم تطأها أقدام بني البشر ولم تدنسها بعد أياديهم، فكان شعره يحمل بعدا ميتافيزيقيا خالصا يسائل موقع الإنسان في علاقته بالطبيعة وبالكائنات الأخرى وبقوى علوية مفارقة.
وثمة Yves Bonnefoy الذي كان مترجما بارعا وأستاذا جامعيا و philippe Jaccotet الذي نقل الكثير من الشعر الألماني إلى اللغة الفرنسية وألف الكثير من الدواوين و René Char الذي يعد أحد أعظم شعراء فرنسا خلال القرن العشرين والذي كان عضوا نشيطا في خلايا المقاومة ضد الاحتلال النازي لفرنسا والتي أبلى فيها البلاء الحسن وأبدع طيلة حياته شعرا عميقا في دلالاته، إذ يمثل ثمرة تأملاته حول الوضع الإنساني، إنه شعر فلسفي ذو بعد ميتافيزيقي في المقام الأول، يتخذ أشكالا متعددة منها الشذرة ذات السطر الواحد وقصيدة الشعر الحر والنص النثري المؤلف من عدة أسطر.
يمكن أن نقدم جردا بأسماء عشرات الشعراء في فرنسا وفي البلاد الأخرى، عاشوا عمرا مديدا، ونظموا مئات القصائد وتزوجوا وأنجبوا، وما تعاطوا يوما لمخدر أو مسكر، بل كانوا يحييون حياة هي أقرب إلى الغنى منها إلى الفقر والاضطرار، لم يحيوا كالمتسكعين يجوبون شوارع المدن وأسواقها وطرق الأرياف، لنؤكد أنه ليس ثمة علاقة بين الإبداع وحياة الصعلكة والهامش، وأن كثيرا من الأدباء والمتأدبين مازالوا سجيني “أسطورة” كانت شديدة الانتشار خلال القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين، وأن الكثير منهم يرتمون في حياة الإدمان لعلهم يكتبون مثل بودلير وغيره فيسحقهم الإدمان، فتمر الأيام والشهور والسنوات، وهم يغوصون في وحل العجز والبؤس والقحط، فتذوي مواهبهم ويتبلد إحساسهم وتتضعضع أجسادهم وتضمحل أرواحهم لأنهم راهنوا على الهباء أن يحملهم إلى أرفع مدارك الفن والإبداع


