أخبارمجتمع

البنية التحتية القروية وارتفاع أسعار المواد الغذائية: حالة طوارئ اجتماعية في قلب المغرب الحقيقي

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يخيم قلق واحد على القرى والمدن المغربية: كيف نحافظ على كرامة الأسر في ظل الارتفاع المتواصل لتكلفة المعيشة؟ خلف هذا السؤال الملح، يبرز ملفان لا ينفصلان: حالة البنية التحتية في العالم القروي، وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وراء الأرقام الرسمية والمشاريع الكبرى وخطابات التحديث، لا يزال مغرب آخر، مغرب الهامش، يعاني من أجل بلوغ أبسط مقومات الحياة الاقتصادية المستقرة. فرغم أن آخر أرقام المندوبية السامية للتخطيط تشير إلى تضخم سنوي معتدل نسبته 0,9% خلال مارس 2026 ، فإن هذا المتوسط يخفي واقعاً أكثر تبايناً وإثارة للقلق، خاصة مع اقتراب الأعياد.

عندما يحدد الطريق سعر قفة التسوق.

غالباً ما يُقدَّم ارتفاع الأسعار على أنه قدر محتوم مرتبط بالجفاف والأسواق الدولية. وهذه العوامل حقيقية، لكن في المغرب، جزء كبير من المشكلة يبقى هيكلياً ووطنياً. تحليل أرقام المندوبية السامية للتخطيط مفيد جداً في هذا الصدد. فإذا كان التضخم السنوي يبدو مضبوطاً نسبياً، فإن التغيرات الشهرية تكشف واقعاً أكثر تقلباً.

فبين فبراير ومارس 2026، قفز الرقم الاستئماني للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 1,2% في شهر واحد فقط، مدفوعاً بزيادة هائلة في المواد الغذائية بلغت 1,9% . وهذا الضغط محسوس مباشرة في الأسواق. ففي يناير 2026، ارتفع ثمن الأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 10,4%، والخضر بنسبة 2,7%، واللحوم بنسبة 0,4% في شهر واحد . هذه التقلبات ليست قدراً عالمياً، بل تتفاقم بسبب الاختناقات اللوجستية في قرانا.

المفارقة صارخة: غالباً ما تكون المناطق المنتجة للخضر والفواكه والحليب واللحوم هي الأكثر معاناة من الغلاء. لأن الطريق غير السالك أو الجسر المفقود يضيف تكاليف إضافية. المندوبية السامية للتخطيط تؤكد بدورها على وجود فوارق جهوية صارخة. ففي يناير 2026، بلغ التضخم الشهري 1,5% في بني ملال، و0,7% في سطات والحسيمة، بينما كان سالباً في الداخلة (-0,3%) . بعبارة أخرى، العزلة الجغرافية تتحول ميكانيكياً إلى زيادات إضافية في الأسعار بالنسبة لسكان هذه المناطق، مما يضر بالمنتج والمستهلك القروي معاً.

البنية التحتية القروية ليست رفاهية.

طالما اعتبرت السياسات العمومية البنية التحتية القروية ملفاً ثانوياً. غير أنها تشكل اليوم رهاناً اقتصادياً استراتيجياً. مثال “الزيوت والدهون” مفيد جداً في هذا السياق. بفضل وفرة الإنتاج الوطني، انخفضت أثمانها بنسبة 3,1% في يناير . هذا الانخفاض، مهما كان ملحوظاً، يظل هشاً. إنه يثبت أنه عندما تعمل سلاسل التمويل بشكل جيد، فإن المستهلك يستفيد مباشرة. لكن في بيئة بنية تحتية متدهورة، يذهب هذا الأثر الإيجابي أدراج الرياح بسبب ارتفاع التكاليف الأخرى.

شطر طريق قروي لا يعني فقط فك العزلة عن دوار، بل يعني خفض تكاليف التوزيع وتسهيل الولوج إلى الأسواق والحد من الهدر الفلاحي. في المقابل، القطاعات التي تعاني من الضغط، مثل “السلع والخدمات المتنوعة” التي ارتفعت بنسبة 3,5% على أساس سنوي في مارس 2026 ، تذكرنا بأن الضغط على المعيش اليومي حاضر في كل مكان. وإذا كان قطاع النقل (المحروقات) قد شهد انخفاضاً في أسعاره بنسبة 5,9% مؤخراً ، فإن هذا التحسن لا يعوض الارتفاعات الهيكلية للمواد الطازجة.

مع اقتراب العيد: ضغط لا يطاق.

تؤكد المندوبية السامية للتخطيط أن مصدر التضخم الحالي “ظرفي” ومرتبط بـ”صدمات خارجية” و”دورية الإنتاج الفلاحي” . لكن بالنسبة للمواطن الذي يستعد للعيد، هذا التمييز الأكاديمي غير ذي موضوع. الأرقام لا ترحم: اللحوم ارتفعت بنسبة 2,4% بين فبراير ومارس 2026.

عيد الأضحى يتحول بالتالي إلى محنة ميزانية لملايين الأسر. الخضر تقفز بنسبة 9,7% في شهر، والفواكه بنسبة 2,6% . في القرى، الوضع يتفاقم بسبب تراجع الثروة الحيوانية والمديونية. الكثير من الأسر تعيش العيد اليوم تحت ضغط نفسي واقتصادي معاً، محولة رمز التكافل إلى مصدر للقلق الاجتماعي.

خطر الانفصال الصامت.

الخطر ليس اقتصادياً فقط، بل اجتماعي وأخلاقي أيضاً. الخبراء يذكرون أن الاقتصاد المغربي “يمتص الصدمات لكنه لا يحولها إلى تضخم دائم” . مؤسساتنا المالية، مثل بنك المغرب، قد تثمن هذه المرونة. لكن هذه الحقيقة الاقتصادية الكلية لا تصل إلى المواطن الذي يعاني من التقلب الحاد للأسعار كلما ذهب إلى السوق. عندما ترتفع الأسعار دون تفسير مقنع، ويزدهر الوسطاء بينما المنتجون يعانون، فإن الثقة تتآكل.

تدخل عمومي أكثر استهدافاً أصبح ضرورياً.

في مواجهة أرقام شديدة التباين، حيث يتعايش تضخم سنوي محدود (0,9%) مع قفزات شهرية مذهلة (+10,4% للأسماك)، يجب أن يتجاوز تدخل الدولة الطرق المعتادة:

1. تسريع البنية التحتية القروية القريبة: المشاريع الكبرى ضرورية، لكن الطرق الصغيرة والأسواق المحلية لها تأثير فوري على خفض أسعار المواد الطازجة.
2. محاربة المضاربة: التقلب الاستثنائي لأسعار الخضر (+9,7%) يتطلب تتبعاً ومراقبة مشددة لسلاسل التوزيع.
3. فصل الخطاب العمومي عن المؤشرات الاقتصادية الكلية: الإعلان عن انخفاض عام للتضخم بينما سعر اللحوم يرتفع 2,4% في شهر يخلق شعوراً بالتخلي. هناك حاجة لسياسة قرب وأسعار حقيقية.

المغرب المفيد ينتظر أكثر من الخطابات.

المغرب القروي لا يطلب شفقة ولا شعارات. أرقام المندوبية السامية للتخطيط رسمية: لدينا وسائل الإنتاج بوفرة (انخفاض الزيوت بنسبة 3,1%)، لكننا نفشل في التوزيع العادل. طريق سالكة، سوق منظمة، وأسعار معقولة يمكنها أحياناً أن تصنع استقراراً أكثر مما تصنعه الخطابات السياسية الطويلة.

مع اقتراب العيد، الرهان الحقيقي يتجاوز مسألة الأضحية أو الأسواق. إنه يمس بسؤال أعمق: كيف نمكن المغاربة من الحفاظ على كرامتهم الاجتماعية في سياق يمكن للأسعار فيه أن تتقلب بأكثر من 10% في شهر واحد؟ الجواب لن يأتي فقط من الإحصائيات الكلية. بل سيأتي من قدرة السياسات العمومية على إعادة ربط البنية التحتية الوطنية بشكل عاجل بالحياة اليومية للمواطنين.

◇◇◇◇◇◇◇

المصادر: المندوبية السامية للتخطيط، مؤشر أسعار المستهلكين، يوليوز 2025 – مارس 2026

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci