
اليوم العالمي للمسرح مناسبة ليست كباقي المناسبات…إنها ذكرى أبي الفنون…يأتي اليوم والعالم يعيش في كابوس مقلق، لا يعرف أحد ما سيحمله من مفاجئات وتناقضات وصراعات، ولا يتنبأ أحد بفحوى الأسئلة التي ستطرح من جراء الرياح العاتية التي تحمل لنا روائح بارود البنادق والدبابات التي ستخنق، بدون شك، طموحات وأحلام الأجيال الصاعدة في غد جميل، مليء بالحب والعطاء والتفاؤل واللذة. أخذت فضاأت العالم ألوان الدم والرماد وأتربة أنقاض المباني المهدمة وشظايا الصواريخ المنهكة من تعب العبور عبر القارات…
يعم صمت رهيب، لا نسمع فيه إلا أنين أطفال يتامى وعويل نساء أرامل ونحيب أمهات ثكلى. إنها سينوغرافيا غريبة لم نعهدها من قبل، بمؤثرات صوتية لا إحساس فيها، ومابينغ Mاپپينع هجين يملأ السماء، في ركح عميق وشفق فسيح …الممثلون يتهافتون من كل جانب لاهثين، وكأن على رؤوسهم الطير، بكل الألوان وبكل اللغات، بملابس طحلبية. مسرحية بدون عنوان، تصدعت حبكتها وتناثرت مشاهدها شظايا، شخصت أحداثها في البيوت والشوارع والعمارات والحقول الربيعة والنفطية. ما هذا؟ وما هذا الكابوس؟
فقد المؤلف والمخرج زمام الأمور، ضاع الحوار، لأن زمن الحوار قد ولى، انطفأت الأضواء، هرع الجمهور وتحصنوا خلف الستار، الكل في حيص بيص، في دوامة لا أول لها ولا آخر، إنه عالم غريب تجسده أطوار مسرحية اليوم…
عاد اليوم العالمي للمسرح، والعالم يشمئز من نفسه ومن ضعفه، يتهرب من حقيقة واقعه الذي طبعه الطمع والأنانية والخبث والغدر، أين قيم الإنسان؟ قيم الحب، قيم التعايش والتآخي، أين قيم قبول الآخر رغم اختلافه في اللون والثقافة والمعتقد؟ أين حلم الإنسان وتطلعه لعالم يعمه الأمن والأمان؟ إنها أسئلة كثيرة تخنق نفس الجميع، انهمرت دموعا على الخدود جمرا حارقا…
لا شك أن على المسرح تحديات مستقبلية لتمثيل واستيعاب هذا العالم الجديد، بكل همومه وآلامه وطموحاته وتطلعاته، ولمقاربة إشكالياته وتيماته ومفاهيمه الجديدة. إن أب الفنون في ورطة، من أين سيبدأ؟ وكيف سيسير؟، وعلى أي أساس؟ وفي أي إطار؟
الحياة مستمرة، والنفس أمارة بالسوء مند قدم الأزمان، وطبع الغدر متجدر في الإنسان، والرغبة في المقاومة والانعتاق والتحرر لم تفارقه أبدا في كل مكان … سيزداد المسرح تألقا في عالم منقسم يغلب عليه العنف والتطرف، سيتحدى كل الصعاب، وسيصنع لنفسه محراب مقاومة لتخطي كل الأطروحات التي تقلص دوره في الترفيه والتسلية أو تلك التي ترى فيه ترفا زائدا، نعم، سيعلن للعالم أنه القادر، دون غيره، على خلق شروط تلاقح الثقافات، وتقارب الشعوب، وتآنس القلوب، وتطهير النفوس، وكبح جماح آنانيتنا المتزايدة، واستعادة إنسانيتنا التي فقدناها.
نعم، سيفتح المسرح آفاقا جديدة للحوار والإبداع والمتعة، سيكسر السلاسل والحدود، وسيتخطى الترهات والقيود، وسيرسخ الأمل في النفوس ويقوي الإرادة لبناء مستقبل زاهر… سيعيد الابتسامة لكل مهموم والفرحة لكل محروم، وسيغني الممثل أنشودة الخلود فوق ركح لم تطأه أقدام نجسة، في مسرح استطاع مقاومة القنابل من كل الجهات، وسيتم تذكير كل من يحتاج إلى تذكير، أن صوت الفن والإبداع لا يعلى عليه، وأن المسرح باق على الدوام يحمل آمال الصابرين وينير طريق التائهين، ويطرح سؤال المهمومين. سيكسر الأغلال، ويتخطى الجبال، لاستشراف مستقبل جميل، بسينوغرافيا عجائبية خلابة، ستشرئب الأعناق من كل صوب لمشاهدة مسرحيات الحياة المتنوعة، التي لا أحد، غير الله، قادر على تشويه جمالها ولا على انتزاع لذتها. هيا بنا إلى المسرح لنزور أبا الفنون ولنغني معه “الحيا حلوة بس نفهمها”. أيامكم كلها مسرح.
