أخبارفي الصميممجتمع

من الحقول إلى الأسواق: حين يتقاطع المناخ والمضاربة على حساب القدرة الشرائية

بقلم: محمد خوخشاني

 

 

بقلم: محمد خوخشاني

لم يعد النقاش حول القدرة الشرائية خلال شهر رمضان مرتبطاً بارتفاع موسمي عابر، بل أصبح نتيجة تداخل عوامل مناخية وهيكلية. فبعد سنوات من الجفاف الذي أضعف الفلاحة الوطنية وقلّص أعداد الماشية واستنزف الموارد المائية، جاءت أمطار غزيرة وفيضانات محلية أعادت بعض الانتعاش للمخزون المائي، لكنها تسببت أيضاً في خسائر زراعية وأربكت سلاسل التوريد. هذه الهشاشة المناخية تنعكس مباشرة على الأسواق.

غير أن المناخ ليس السبب الوحيد. فالفارق الكبير بين الثمن الذي يتقاضاه الفلاح والثمن الذي يدفعه المستهلك يكشف خللاً في مسالك التسويق. فمثلاً، الطماطم التي تُباع للفلاح ما بين درهمين وثلاثة دراهم للكيلوغرام قد تصل إلى ثمانية أو عشرة دراهم عند البيع بالتقسيط بعد مرورها بسوق الجملة. والبصل الذي لا يتجاوز ثمنه درهمين عند الإنتاج قد يُباع بثمانية أو تسعة دراهم للمستهلك. أما البطاطس التي لا يتعدى ثمنها أقل من درهمين عند الفلاح، فقد تبلغ سبعة أو ثمانية دراهم في السوق. هذا يعني أن الفلاح لا يحصل سوى على نسبة تتراوح بين 30 و40 في المائة من السعر النهائي، بينما قد تتجاوز الزيادة الإجمالية 150 أو حتى 200 في المائة في فترات الذروة.

هذه الهوامش لا يستفيد منها المنتج الذي يتحمل مخاطر المناخ وارتفاع كلفة الأسمدة والأدوية واليد العاملة، ولا المستهلك الذي يؤدي الثمن الأعلى، بل تتراكم في حلقات الوساطة والتخزين والنقل، وأحياناً في ممارسات مضاربية تقوم على حجب السلع مؤقتاً لرفع الأسعار.

بالنسبة للأسر محدودة الدخل، فإن الأثر مباشر. فالأسرة التي يتراوح دخلها بين ثلاثة وأربعة آلاف درهم شهرياً تنفق ما بين 1800 و2500 درهم على الغذاء. ومع ارتفاع الأسعار في رمضان بنسبة قد تصل إلى 15 أو 25 في المائة، تجد نفسها مضطرة لتحمل عبء إضافي يتراوح بين 300 و500 درهم، أي ما قد يفوق 10 في المائة من دخلها الشهري. وبما أن الغذاء يشكل نسبة كبيرة من ميزانية هذه الأسر، فإن أي ارتفاع غير مبرر يتحول إلى ضغط اجتماعي محسوس.

إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تقارب 20 في المائة لا يبقى مجرد مؤشر اقتصادي، بل يصبح قضية استقرار اجتماعي وثقة في السوق. ورمضان، شهر التضامن، لا ينبغي أن يتحول إلى موسم قلق مالي للفئات الهشة.

المطلوب اليوم ليس فقط تدخلاً ظرفياً، بل إصلاحاً هيكلياً لمسالك التوزيع، وتعزيز الشفافية في تحديد الأسعار، ومراقبة صارمة للمضاربة، ودعم حقيقي للفلاح الصغير. فحماية القدرة الشرائية تبدأ من تنظيم السوق بما يحقق التوازن بين المنتج والمستهلك، ويصون العدالة الاجتماعية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci