
بقلم: محمد خوخشاني

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يتنامى شعور بالقلق داخل الرأي العام المغربي. قلقٌ مردّه مشهد يتكرر كل استحقاق: سوق مفتوحة للترشيحات تُستبدل فيها القناعات بالحسابات، وتُغلب فيها الأرقام على المبادئ. الظاهرة ليست جديدة، لكنها اليوم تطرح أسئلة حقيقية حول مصداقية بعض التنظيمات الحزبية، وفي مقدمتها حزب التقدم والاشتراكية.
أصبح “لعب أربعة أعمدة” (jeu de quatre poteaux) قاعدة شبه عامة. نواب يغيرون ألوانهم السياسية كما تُغيَّر السترات. من كانوا بالأمس محسوبين على الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو على حزب الأصالة والمعاصرة، نجدهم اليوم يترشحون باسم حزب التقدم والاشتراكية. وكأن الانتماء الفكري لم يعد جوهر العمل الحزبي، بل مجرد محطة عبور نحو مقعد برلماني.
الأكثر إثارة للقلق هو ما يُنسب إلى الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبدالله، من سعي محموم لتجميع أكبر عدد ممكن من المرشحين، بغض النظر عن خلفياتهم الإيديولوجية، بهدف ضمان تشكيل فريق برلماني يسمح له بالتفاوض على حقائب وزارية في الحكومة المقبلة، أياً كان لونها السياسي. المهم هو الرقم، لا الانسجام الفكري.
إذا صحّ هذا التوجه، فإنه يطرح إشكالاً أخلاقياً عميقاً. إذ يتحول الحزب من إطار نضالي قائم على المبادئ إلى أداة تفاوض تكتيكي، على حساب مناضليه التاريخيين وأطره التي تربّت على قيم التقدمية والعدالة الاجتماعية. التضحية بمناضلين أوفياء لصالح وجوه وافدة من كل حدب وصوب يضعف التماسك الداخلي، ويغذي الشك لدى الرأي العام: كيف نثق في البرامج والخطابات إذا كانت التحالفات تُصاغ في الكواليس بمنطق الغنيمة؟
لفهم عمق المفارقة، يكفي أن نعود إلى تاريخ الحزب.
زمن القناعة: حين كان نائب واحد يكفي.
في سنة 1977، لم يحصد الحزب سوى مقعد برلماني واحد، كان من نصيب الراحل علي يعتة. نائب واحد فقط بإسم حزب التقدم والإشتراكية. لكنه كان بمثابة فريق برلماني بأكمله.
ظل علي يعتة طيلة ولايته وفياً للمبادئ والقيم التقدمية للحزب. كان يحظى باحترام جميع مكونات البرلمان. لم تكن قوته في العدد، بل في وضوح الموقف وثبات الخط. كان يمثل صوتاً مبدئياً لا يُساوَم.
وكذلك كان الحال حين كان علي يعتة ومولاي إسماعيل العلوي هما النائبين الوحيدين للحزب. باثنين فقط، كانا يفرضان حضورهما السياسي، ويصنعان تأثيراً يفوق بكثير حجم تمثيليتهما العددية. في تلك المرحلة الذهبية، كان الحزب يُنظر إليه كحزب طليعي يتمتع بمصداقية عالية.
الدرس واضح: الحزب يمكن أن يعيش بقلة المقاعد، لكنه لا يعيش بفقدان روحه.
منعطف التحالف مع العدالة والتنمية: حين اهتزت البوصلة.
اللحظة المفصلية الثانية كانت عندما دخل الحزب في تحالف حكومي مع حزب العدالة والتنمية بقيادة عبدالإلاه بنكيران.
بالنسبة للكثيرين، شكل هذا الخيار صدمة رمزية وسياسية. حزب يرفع راية التقدمية والعلمانية والتحديث، يجد نفسه في تحالف طويل الأمد مع حزب ذي مرجعية إسلامية محافظة. صحيح أن المشاركة الحكومية قد تُبرر باعتبارات تدبيرية ومؤسساتية، لكن الكلفة السياسية كانت باهظة.
فقد اهتزت صورة الحزب التقدمية في أعين شريحة واسعة من الرأي العام. وعندما حاول لاحقاً استعادة تموقعه كحزب يساري تقدمي، اصطدم بذاكرة سياسية لا تُمحى بسهولة. المصداقية لا تُستعاد بالشعارات، بل بالانسجام عبر الزمن.
بين الإرث الأخلاقي وإغراء الحسابات العددية.
المفارقة صارخة.
أمس، كان نائب واحد يكفي ليحافظ الحزب على هيبته.
أمس، كان نائبان قادرين على فرض احترام الجميع.
أمس، كانت المصداقية هي الرأس المال الحقيقي.
اليوم، يبدو أن منطق العدد هو الذي يتقدم: تشكيل فريق برلماني بأي ثمن، حتى لو تطلب الأمر استقطاب نواب سابقين من اتجاهات متباعدة فكريا، أو تهميش مناضلين أوفياء لصالح وافدين بلا جذور تنظيمية.
المسألة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بجوهر الفعل السياسي:
هل الحزب فضاء للأفكار والقيم؟
أم مجرد منصة انتخابية للتفاوض حول المناصب؟
إن تاريخ حزب التقدم والاشتراكية يثبت أنه قادر على الصمود بتمثيلية محدودة ما دام وفياً لخطه. لكنه يثبت أيضاً أن التنازل عن الثوابت من أجل مكاسب ظرفية يترك جراحاً عميقة في صورته ومصداقيته.
الناخب المغربي لا ينتظر من الأحزاب مناورات تكتيكية. ينتظر وضوحاً وثباتاً. ينتظر انسجاماً بين الخطاب والممارسة.
الحزب اليوم أمام مفترق طرق: إما العودة إلى روح علي يعتة وإسماعيل العلوي، حيث كان الشرف السياسي مقدماً على الحساب العددي، وإما الاستمرار في مسار يغلب الكم على الكيف.
في السياسة، قد تخسر مقاعد وتحتفظ بالكرامة.
لكن إذا خسرت المصداقية، فاستعادتها أصعب بكثير



