أخبارإقتصادفي الصميم

طموح وطني لإنتاج أول طائرة مغربية في أفق 2030: المغرب في قلب الرهانات الجيواقتصادية والجيوسياسية

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

لم يعد التحول الصناعي المغربي مجرد مسار تنموي تقليدي، بل أصبح خياراً سيادياً يدخل في صلب صراع إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية عالمياً. ففي زمن تتصارع فيه القوى الكبرى على سلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا، اختار المغرب أن يتحول من هامش الاقتصاد العالمي إلى أحد مفاتيح توازنه الجديدة.

المغرب اليوم لا يكتفي بجذب الاستثمارات، بل يعيد تعريف دوره داخل منظومة الإنتاج الدولية. فالتحول الذي تشهده المملكة لم يعد قائماً فقط على منطق الكلفة التنافسية أو القرب الجغرافي من أوروبا، بل أصبح قائماً على منطق التموقع الاستراتيجي داخل سلاسل القيمة العالمية، خصوصاً في القطاعات التي ستحدد ملامح الاقتصاد الدولي خلال العقود المقبلة: السيارات الكهربائية، الصناعات الجوية، الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر.

صناعة تتجاوز الاقتصاد إلى السيادة.

نجاح المغرب في قطاع السيارات لم يعد مجرد إنجاز صناعي، بل أصبح ورقة قوة جيو-اقتصادية. فامتلاك قدرة إنتاجية ضخمة مع نسبة إدماج محلي مرتفعة يعني عملياً امتلاك جزء من سيادة القرار الصناعي. وفي عالم يشهد اضطرابات متكررة في سلاسل التوريد، تصبح الدول القادرة على التصنيع والتصدير لاعباً استراتيجياً لا مجرد شريك اقتصادي.

الأمر نفسه ينطبق على صناعة الطيران، حيث انتقل المغرب من موقع المناول الصناعي البسيط إلى موقع الشريك داخل منظومة صناعية عالية الحساسية التكنولوجية. وهذا التحول يحمل دلالة سياسية واضحة: من يملك التكنولوجيا يملك جزءاً من النفوذ.

ويشير تسارع المشاريع الصناعية الجوية إلى أن المغرب لا يكتفي اليوم بدور المناول الصناعي داخل سلاسل الإنتاج العالمية، بل يسير تدريجياً نحو امتلاك حلقات صناعية تكنولوجية كاملة. وفي هذا الإطار، يندرج الطموح الوطني لإنتاج أول طائرة مغربية في أفق 2030، بعد إطلاق مشاريع متقدمة مرتبطة بصناعة مكونات الطائرات، بما في ذلك أجزاء المحركات والأنظمة الإلكترونية والميكانيكية الدقيقة. كما يشكل مشروع تصنيع معدات وأنظمة الهبوط الخاصة بطائرات A320 محطة استراتيجية مفصلية داخل مسار توطين التكنولوجيا الجوية، لما تمثله هذه الأنظمة من تعقيد تقني وحساسية صناعية عالية. ويعكس هذا التوجه انتقال المغرب من مرحلة المناولة إلى مرحلة المساهمة الفعلية في تصنيع الأنظمة الحيوية داخل صناعة الطيران العالمية، وهو ما يقرب المملكة من هدف بناء صناعة جوية وطنية متكاملة.

اللوجستيك.. سلاح جيو-اقتصادي ناعم

القوة اللوجستية للمغرب لم تعد مجرد خدمة اقتصادية، بل تحولت إلى أداة تأثير جيو-استراتيجي. فالموانئ الكبرى لم تعد فقط نقاط عبور للبضائع، بل أصبحت عقداً تتحكم في تدفقات التجارة والطاقة والصناعة بين القارات.

ومع صعود مشاريع لوجستية جديدة، يضع المغرب نفسه في موقع الدولة التي لا يمكن تجاوزها داخل الممرات التجارية بين أوروبا وإفريقيا والأطلسي، وهو تموقع يمنحه وزناً تفاوضياً متزايداً داخل المعادلات الاقتصادية الدولية.

الطاقة الخضراء.. من خيار بيئي إلى ورقة نفوذ

الاستثمار المبكر في الطاقات المتجددة لم يكن مجرد التزام بيئي، بل أصبح رهاناً جيو-اقتصادياً بعيد المدى. ففي عالم يتجه نحو فرض ضرائب كربونية على المنتجات الصناعية، تصبح الدول القادرة على توفير طاقة نظيفة منخفضة التكلفة أكثر جاذبية للصناعات العالمية.

أما الهيدروجين الأخضر، فهو ليس فقط طاقة المستقبل، بل قد يتحول إلى أداة نفوذ اقتصادي شبيهة بما شكلته الطاقة الأحفورية خلال القرن الماضي.

المخاطر والتحديات: الوجه الآخر للصعود

غير أن هذا الصعود الصناعي لا يخلو من تحديات سياسية واقتصادية. فتعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي يفرض الحفاظ على توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي وحماية المصالح السيادية. كما أن المنافسة الدولية على جذب الاستثمارات الصناعية ستزداد شراسة في السنوات المقبلة.

إضافة إلى ذلك، يظل الرهان الاجتماعي حاسماً: فنجاح النموذج الصناعي لن يقاس فقط بحجم الصادرات أو الاستثمارات، بل بقدرته على خلق طبقة وسطى صناعية واسعة ومستقرة.

خلاصة سياسية

المغرب اليوم لا يبني فقط مصانع وموانئ ومحطات طاقية، بل يبني موقعاً داخل معادلة القوة الاقتصادية العالمية. وإذا استمر هذا المسار بنفس النفس الاستراتيجي، فقد يتحول المغرب خلال العقود القادمة إلى أحد الفاعلين الصناعيين الأكثر تأثيراً في الفضاء المتوسطي والإفريقي.
وفي عالم يعاد فيه توزيع النفوذ الاقتصادي، يبدو أن المغرب اختار أن يكون جزءاً من صناع القرار الصناعي العالمي، لا مجرد متلقٍ لنتائجه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci