“الأمن البشري لمنطقة الساحل و الصحراء الإفريقية و ديناميات القوى الفاعلة، الآفاق المستقبلية لإعادة الصياغة الجيوسياسية في ظل المقاربة المغربية الشاملة “. الحلقة الأولى (بقلم: البراق شادي عبد السلام)

منطقة الساحل و الصحراء الأفريقية تعتبر من بين أكثر المناطق في العالم التي تعرف إنهيار المنظومة الأمنية و العسكرية نتيجة للعديد من التطورات المجتمعية و الإقتصادية و الأخطار البيئية بالإضافة للتهديدات والمخاطر الأمنية الناجمة عن الفراغ المؤسساتي التي تخلفه الحروب الأهلية و إنتشار و تسيد الجماعات الإرهابية و المنظمات الإجرامية العابرة للحدود و القارات و توطن الحركات الإنفصالية في المناطق الفاشلة أمنيا .

حيث إجتمعت في المنطقة الكثير من عناصر المخاطر و التحديات الأمنية التي تؤثر على المسارات التنموية و الإستقرار داخل المجتمعات المحلية بسبب إنتشار المخاطر السياسية والإقتصادية والإجتماعية و المناخية و البيئية ؛ علاوة على الظواهر الإجرامية الإلكترونية والعمليات الإرهابية بأشكالها التقليدية والمتطورة.

هذا الوضع هو نتيجة حتمية لمجموعة من الأبعاد، أهمها فشل و إفشال البنيات الوظيفية للدولة في المنطقة، وهشاشة الوضع الأمني وعدم الاستقرار السياسي ، وشبه غياب أو إنهيار المنظومة الإقتصادية التي كرستها النزاعات العرقية و الإثنية، بالإضافة لظاهرة الإرهاب و إننشار الفكر المتطرف والجريمة المنظمة..

هذه الكتلة الجغرافية من العالم المتمثلة في الساحل و الصحراء الإفريقية الكبرى تمثل أكبر المناطق خطورة في العالم و إفريقيا ، وأكثرها هشاشة في المنظومة الأمنية و الإجتماعية ، و من أكثر المناطق جذبا للجماعات الإرهابية المتطرفة و التنظيمات الإجرامية العابرة للقارات و الحركات الإنفصالية .حيث تحولت المنطقة إلى حاضنة إقليمية و دولية في آن واحد للجماعات الإرهابية و المنظمات الإجرامية الدولية و الفكر المتطرف.

 

 

 

 

بسبب كل هذه العوامل مجتمعة أصبحت إشكالية تحقيق الأمن البشري بمفهومه الشمولي في المنطقة من أهم الملفات المطروحة على الدوائر الأمنية و العسكرية ومؤسسات صنع القرار السياسي على المستويين الإقليمي والدولي معاً.

مما حولها لأكثر المسارح الدولية إستقطابا للتنافس الجيوسياسي المتعدد الأبعاد خاصة من القوى الدولية التي تتسابق العديد منها لتنزيل أجنداتها بهدف لعب دور في التأثير مسارات الصراع الإقليمي بين الأطراف المتصارعة على الأرض مستغلة عدم الاستقرار السياسي والأمني خدمة لإستراتيجياتها المختلفة .

في الوقت نفسه تبذل مجهودات من عدة أطراف إقليمية و دولية إنطلاقا من مبدأ التضامن الإقليمي و الحوار الإستراتيجي جنوب /جنوب من أجل تجاوز كل مظاهر عدم الاستقرار والسعي لتحقيق التوازن على المستوى الإقليمي و البحث عن أرضية مشتركة للتوافق بين كل دول المنطقة لتحقيق الإستقرار ، ودعم كل المبادرات ومساعي تكريس السلم والأمن وحل النزاعات سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف إقليميا و قاريا و أمميا . نتيجة الموقع الإستراتيجي للمنطقة في الخريطة الجغرافية الدولية

 

 

 

تاريخيا كانت المنطقة و لازالت مسرحا للتنافس الدولي بين الإمبراطوريات الإستعمارية أو رغبة الدول المركزية المتوسطية في التمدد جنوبا لتأمين خطوط التجارة الدولية و قوافل الذهب و الملح و العاج ، بعد المرحلة الإستعمارية و إستقلال مختلف شعوب المنطقة و نتيجة لتوفر الثروات الطبيعية و الإمكانات الإقتصادية الهائلة ، إضافة إلى تأثيرات النزاعات الإثنية وهشاشة الأنظمة السياسية و التحديات الأمنية العابرة للحدود ، مما فرض البحث عن أرضية عمل إقليمية مشتركة وفق رؤية إقليمية بمقاربة إفريقية خالصة قائمة على مواجهة التهديدات الأمنية بالإعتماد على الحوار الإقليمي الموسع و المتعدد الأطراف لإبداع حلول تعتمد على حل إشكالية التهديدات العالمية إنطلاقا من “حلول إفريقية ” و تكريس مبدأ “أفرقة ” الحلول للإشكالات المهددة للأمن البشري في المنطقة بالتنسيق و تشريك كل الأطراف الدولية و الإقليمية و الوطنية وبخاصة في منطقة الساحل و الصحراء الإفريقية الكبرى .

▪️منطقة الساحل و الصحراء الإفريقية الكبرى :

ظهر مفهوم منطقة الساحل و الصحراء الإفريقية الكبرى في العلوم السياسية و العسكرية إبتداء من سبعينيات القرن الماضي للدلالة على حزام جغرافي ممتد من الساحل الأطلسي غربا إلى البحر الأحمر شرقا مرورا بالعديد من الدول مثل السنغال وموريتانيا ومالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد والسودان ونيجيريا و الغابون و سيراليون، و مع تطور الأحداث السياسية و العسكرية وتسارعها في المنطقة تطور هذا المفهوم الجغرافي لمفهوم جيوسياسي لتندرج تحته مجموعة دول شمال أفريقيا المطلة على البحر المتوسط ، فالمشترك بين أغلب دول و كيانات المنطقة في الساحل أنها شريط ممتد من الأزمات و الصراعات و البؤر الساخنة لأكثر من 6000 كيلومتر ، وهذا الساحل المأزوم غارق في المشاكل المجتمعية و الأمنية في مقدمتها أزمة بناء الدولة و هشاشة الوضع السياسي و الإقتصادي ، و تنامي الصراعات الإثنية مما يؤدي إلى غياب الإنتماء الوطني لشعوب المنطقة ، إضافةً إلى ضعف الأداء السياسي وعدم الاستقرار، وتعاقب الإنقلابات في معظم دولها (موريتانيا، ومالي، وبوركينافاسو، والنيجر – تشاد – السودان- ساحل العاج – ليبيريا – نيجيريا- غامبيا)، وأخطر تلك المعضلات هو الإنتشار الواسع لجميع أشكال الجريمة والعنف ، و تمدد رقعة نشاط الجماعات الإرهابية المتطرفة.

 

 

 

 

مصطلح منطقة الساحل و الصحراء الإفريقية ترسخ أكثر في المفاهيم السياسية الدولية مع بدأ إهتمام منظومة مؤسسات الأمم المتحدة بالبحث على تسوية النزاعات المسلحة بين الدول المتجاورة إما على خلفية الاستقطابات الأيديولوجية بين المعسكر الشرقي و الغربي ، أو بسبب النزاعات الحدودية الملغومة التي خلَّفتها القوى الإستعمارية .

في مقابل ذلك، ظلت المنطقة بشكل خاص و إفريقيا بشكل عام بالنسبة للقوى الدولية الغربية ميدانا مفتوحا للعنف المسلح و عدم الإستقرار وما يترتب عليه من فقر وأمراض ومجاعات و نزوح جماعي مما أفقدها جاذبيتها الإقتصادية و الجيوسياسية لتظل غائبة عن الحسابات الجيوسياسبة بالنسبة للقوى الكبرى في ذلك الوقت باستثناء محاولة الدول الاستعمارية التاريخية، و بشكل خاص فرنسا التأثير على الممارسات السياسية والاقتصادية بمستعمراتها السابقة في إفريقيا عن طريق التحكم في الإقتصاد و دعم القيادات السياسية الموالية للمتروبول التاريخي بدعمها للأنظمة العسكرية و تقديم التغطية السياسية للإنقلابات العسكرية المضادة لأي تيار تحريري أو تحرري تعرفه شعوب المنطقة .

بعد سقوط جدار برلين و تفكك الإتحاد السوفياتي وماتبعه من إنهيار لكل الانظمة التي كانت تدور في فلكه سيتغير هذا الوضع مع التغيرات الجيوسياسية التي عرفها العالم خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر و ماتلاها من تصاعد الخطاب الإسلام السياسوي و الحركات الإرهابية المتطرفة لتتغير نظرة القوى الفاعلة دوليا للمنطقة و تأثيرها على السلم العالمي و تتحول لحلبة صراع جيوسياسي بينها .

الولايات المتحدة الأمريكية في إطار حربها المفتوحة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، أنشئت قاعدة “أفريكوم” العسكرية لإدارة نفوذها و تواجدها العسكري في القارة الإفريقية ، أما الصين فقد إختارت المقاربة الإقتصادية و التجارية لإنشاء سوق واسعة لمنتجاتها في أفريقيا، فرنسا تعتبر منطقة الساحل الأفريقي إرثا استعماريا و حديقة خلفية ،أبرزها تدخلها العسكري المعلن في مالي ( عملية برخان ) لتأمين إستثمارات شركاتها المهتمة باستغلال ثروات المنطقة كاليورانيوم والنفط والغاز .

فالنيجر مثلا تمتلك احتياطاتٍ نفطيةً كبيرة، سيما في مناطق أوغاديم شمال بحيرة تشاد النيجيرية، وأخرى تقدر بـ 324 مليون برميل بمنطقتي تينيري وواحة بيلما. أيضا يورانيوم النيجر الذي يمد فرنسا بـ35% من احتياجاتها من الطاقة النووية والتي تساهم بدورها في 75% من الطاقة الكهربائية الفرنسية. فالنيجر التي كانت تحتل المرتبة الرابعة عالميا بعد كزاخستان وكندا وأستراليا قبل أن تقفز مع اكتشاف منجم إيمورارن لتحتل المرتبة الثانية عالميا بعد كازاخستان والأهم أفريقيا.

والأمر ذاته بالنسبة لمالي التي تملك موارد طبيعية معتبرة، مثل البوكسيت والنحاس والذهب وخام الحديد والمنغنيز والفوسفات والملح واليورانيوم، يضاف إلى ذلك القطن الذي يعدّ محصولها الرئيسي الموجّه نحو التصدير. وعلى الرغم من أن مالي تعد ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا، إلا أنها مصنّفة ضمن خمس أفقر دول في العالم، نتيجة أوضاعها المتأزمة داخليا.

ضخامة التحديات بتعقيداتها البالغة التي تواجه ملف الأمن البشري في منطقة الصحراء الإفريقية و الساحل جعلت الكثير من مراكز التفكير و الدوائر الدولية الإستراتيجية تخلص إلى أن جهود تحقيق الإستقرار معضلة ستكون شبه دائمة طالما أن الأسباب والمسببات أصبحت شبه مستدامة و متداخلة ومتشابكة بشكل كبير ، لتتحول المنطقة بإشكالاتها المتعددة إلى مصدر لتهديد الأمن و الإستقرار العالمي .