
بقلم : سعيد بوعيطة

ارتبط مفهوم حكومة الروسيكلاج (أو حكومة التدوير) في القاموس السياسي والإعلامي الغربي خاصة، بتلك الحكومة التي تشهد إعادة تعيين نفس الوجوه والوزراء السابقين في مناصبهم أو نقلهم بين الحقائب الوزارية المختلفة، وعدم تغيير النخبة التي تدير شؤون البلاد والعباد، بل إعادة توزيع الأدوار والمناصب على نفس الأشخاص بناءً على الولاءات الحزبية، والإثنية والجغرافية، وكذا التوازنات السياسية، أو المحاصصة، بدلاً من ضخ دماء جديدة أو تغيير النهج السياسي والرموز الحزبية. إذ غالبا ما يستخدم هذا المفهوم من قِبل المعارضة والمحللين باعتباره نوعا من الانتقاد السياسي.
فما أسباب اللجوء إلى عملية التدوير الحكومي، وما أبرز إيجابياتها وسلبياتها؟ وما وزنها في الميزان السياسي؟ وما هي آثارها على المجتمع والدولة؟ وما نتائج هذا الروسيكلاج؟
لماذا حكومة الروسيكلاج؟
كثيرة هي الاسترتيجيات التي تلجأ إليها القيادات السياسية (نسميها قيادات تجاوزا) أو رؤساء الحكومات إلى إعادة تدوير الوزراء لعدة أسباب استراتيجية. يكمن أبرزها في التالي:
1. الحفاظ على الاستقرار والتحالفات: وذلك من خلال الإبقاء على وزراء من أحزاب معينة يضمن استمرار الدعم البرلماني والائتلاف الحكومي دون إشعال خلافات جديدة،
2. الخبرة والاستمرارية: تفضيل الاعتماد على مسؤولين لديهم دراية بملفات وزاراتهم وطريقة سير الإدارة العامة لتفادي إضاعة الوقت في تدريب وجوه جديدة،
3. غياب البدائل الكفوءة: في بعض الأنظمة السياسية، قد تعاني الأحزاب من قلة الكوادر المؤهلة والجاهزة لإدارة الدولة، مما يفرض الاستعانة بالوجوه القديمة،
4. المكافأة السياسية: توزيع الحقائب كنوع من التكريم للشخصيات النافذة داخل الحزب أو التي ساهمت في إنجاح الحملات الانتخابية.
إذا اعتبرنا المسوغات الثلاثة الأولى لاعتماد حكومة الروسيكلاج منطقية إلى حد ما، لأن المسوغ الرابع غير منطقي أصلا (على الرغم من كونه هو المهيمن)، فإن اعتماد المسوغ المسوغ الثاني، فغير منطقي كذلك. لأن مجموعة من الوزراء الذين تم تدويرهم في الحكومة الجديدة، لا خبرة لهم وأثبتوا فشلهم في تسيير القطاع الذي أوكل إليهم بالحجة والدليل وأثاروا جدلا واسعا في المغرب، ومع ذلك تم تدويرهم واعتمادهم في الحكومة الجديدة/ القديمة.
أما المسوغ الثالث لهذا التدوير في حكومتنا الحالية، غير منطقي كذلك. لأن المغرب يزخر بالكفاءات في كل المجالات. مما يطرح العديد من الأسئلة، ويؤشر على العديد من الأسباب التي ساهمت في هذا التدوير. لعل أبرزها الإستفادة من العلاقات الشخصية. حيث يمتلك المسؤول شبكة من العلاقات المبنية على مصالح خاصة تخدم منصبه. تقود هذه العلاقات إلى تكريس المحسوبية. حيث يتم هذا التدوير باعتباره نوعا من تبادل المصالح والمحصاصة الحزبية الضيقة بعيدا عن الكفاءة والخبرة التي تنفع البلاد والعباد. وحين يتم اعتماد العلاقات الضيقة، وليس على الكفاءات ومراعاة مصالح البلاد والعباد، فانتظروا الأسوء
إني معكم من المنتظرين.
حكومة الروسيكلاج وأثرها على المجتمع والدولة كثيرة على جوانب التأثير السلبي لحكومة الروسيكلاج على شؤون البلاد والعباد. نذكر من بينها: تراجع منسوب الثقة، حيث تؤدي حكومات التدوير إلى زيادة الفجوة بين المواطنين وصنّاع القرار، حيث يتولد انطباع بأن الانتخابات أو التغييرات السياسية مجرد إجراءات شكلية لا تغير الواقع. وإحباط الكفاءات الشابة، لأن احتكار المناصب من قِبل نفس النخبة يؤدي إلى إقصاء الشباب والتكنوقراط (أصحاب الاختصاص) الراغبين في خدمة بلادهم، مما يدفع الكثير منهم للهجرة. والجمود الاقتصادي والاجتماعي، إذ غالباً ما تفتقر حكومة الروسيكلاج إلى الجرأة في اتخاذ قرارات إصلاحية هيكلية، خوفاً من المساس بمصالح الأطراف المشاركة في “إعادة التدوير.
لهذا، نقول إذا كان تدوير المتلاشيات (البلاستيك والزجاج…الخ) يساهم في تنمية اقتصادية بارزة، كما يحافظ على البيئة ويخلق تنمية مستدامة، فإن تدور الأشخاص والحكومات لا يسمن ولا يغني من جوع (سورة الغاشية، الآية: 7).