
بقلم: الناقد والباحث عبد العزيز الرغاوي

هو صديقي الَّذي لَمْ أَلْتَقِهِ قط، كأنه أَبْدَعَ كل ما أبدع من روائع الأعمال لي وحدي لا لغيري، إنه يتبوأ منزلة رفيعة في سويداء القلب، هو الذي يأسرني كلما تصفحت كتابا من كتبه، هو الذي قاوم كل من شكك في موهبته وشَقَّ طريقه في دُنْيا الأَدَبِ بأظافره وبكل خلية من كيانه، شق طريقه بالكَدِّ والسَّهَرِ وباحتساء لترات من القهوة كل يوم حتى يَتَسًنّى له أن يكتب كما لم يسبق لأحد أن كتب قبله أو بعده، كان يقول عن نفسه: “إِنَّني آلًةٌ لِصِناعةِ الأدبِ، إنَّ العَمل يُنْهكني.”
لم يكن أحد يثق في موهبته، فكان جميع الناشرين يدعونه إلى أن يزهد في الأدب وأن يجرب مزاولة مهنة أخرى غير الكتابة لأنه منذور للخيبة والإخفاق، لكنه ظل شديد الإصرار في كل مايقدم عليه، وحدها أخته لور Laure- التي كانت له أُمًّا ثانية -من كانت تحيطه بحدبها وعنايتها وتَحُثُّهُ على المضي في طريقه التي اختطها لنفسه دون الاكثرات لانتقاد هذا أو ذاك.
دخل يومًا بَيْتها، مُشْرِقً المُحَيا، باسمَ الثَّغْر وشُعْلَةُ الْأَمَلِ تمْلأ حَناياه، وهو يكاد يطير فرحاً قائلا: “أَبْشِري أخْتاهُ، إِنَّ أخاك أصبح عَبْقَريا.” وحَدَّثها عن فكرة عودة الشخوص من عمل إلى آخر في عمله الروائي الضخم “الكوميديا الإنسانية”، وهو الذي كان بصدد رسم الخطوط العريضة لهذا الصرح الأدبي الذي يتفوق فيه بلزاك على عالم الاجتماع و المؤرخ والفيلسوف وعالم النفس مجتمعين في الإمساك بأدق تفاصيل مجتمعه وفي الكشف عن الدوافع الخفية التى تحمل بني البشر على الفعل وعن الأهواء التي تتنازع العقول والنفوس، فلقد انكب ماركس وجورج لوكاتش وغيرهم من منظري الماركسية على دراسة أعماله ملتمسين فيها مايُعَزٍِز سداد أنساقهم النظرية واتساقها.
كان الشاعر جيرار دو نيرفال Gérard de Nerval يقول عنه:”لِنَتَحَدَّثْ قَليلًا عن بلزاك، إنه أَمْرٌ مفيدٌ لِلنّفْسِ والْمِزاجِ.” ” Parlons un peu de Balzac, cela fait du bien.” أما شارل بودلير الشاعر العظيم والناقد الفني والأدبي الفذ فيصفه في كل مرة يأتي على ذكره بكلمة “العبقري”،ويكشف عن مواطن العبقرية في أعماله هو الذي لم يكن حدسه وذوقه الأدبيان الرفيعان يخطئان، لقد أدرك دون غيره من النقاد وأهل الأدب أن بلزاك لم يكن فقط روائيا واقعيا بل كان في المقام الأول رائيا un visionnaire، كان بودلير يقول عن شخوص بلزاك “حتى البوابون، لهم نصيبهم من العبقرية.” ” Même les concierges ont du génie.” وظل بودلير طيلة حياته شديد الافتتان ببلزاك وبعوالمه يخصه بالتقدير والتبجيل كاشفا عن نبوغه وتفرده في مجال الإبداع الروائي.
قرأت لأدباء الشرق والغرب ممن ذاع صيتهم وطارت شهرتهم في الآفاق، فكنت أقف في أعمالهم على إشراقات فكرية وفرصة للتأمل حول الوضع الإنساني ومآلاته، لكنني أجد دائما ضالَّتي في أعمال بلزاك فأقبل عليها أمتح منها ماشاء الله أن أنهل من عميق الفكر وطريف التلميح وذكاء العبارة، لا أذكر أنني قرأت يوما رائعة من روائعه دون أن يتملكني شعور بالابتهاج، لأنني أقف على “دُرَرٍ” حقيقية، تغرورق عيناي بدمع الفرح، وابتسم كل الوقت، لأنني نادرا ما أعثر على نظيرها في أعمال كتاب آخرين، لسبب عميق ربما، وهو استعادتي لثقتي في بني البشر رغم كل سقطاتهم ونذالتهم، أستعيد ثقتي في عظمة الإنسان وقدرته على تجشم الصعاب كلها لينهض بجسيم الأعباء و ليقيم عالمًا أجمل وأمضى بَهاءً.
يقول الروائي والناقد André Maurois مؤلف رواية Climats- وهي رواية أخاذة ونموذج يحتذى لما يسمى بالرواية النفسية-:” كل الادباء حين يكتبون يسعون إلى تحقيق غاية شخصية صرفٍ – ككسب المال أو نيل الشهرة والمجد أو إغراء الحسناوات من النساء، ثَمَّةَ ثلاثة أدباء فقط لارابع لهم كتبوا من أجل الإنسانية وهم شكسبير وليون تولستوي وبلزاك.” وأنت تقرأ رواية لبلزاك، تشعر أن الرجل يكتب بسخاء نادر، بوسعك أن تقرأه في مختلف أطوار حياتك، فتى يافعا وشابا في عنفوان الشباب وكهلا وشيخا طاعنا في السن، وتكتشف في كل مرة أسرارا وخبايا لم تفطن إليها في قراءتك السابقة أو لم تكن على استعداد لإدراكها.
بلزاك هو الطاقة الجبارة التي لاتَني ولاتفتر ومضاءُ العزيمةِ والإرادة اللَّتين لاتنكسران.

