
يشدد د. بدرالدين الرواص، أستاذ وباحث متخصص في جغرافية الموانئ بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بطنجة ، للكوليماتور ، على أن المغرب يتوفر على مؤهلات جغرافية وبحرية وازنة تؤهله للعب أدوار إقليمية متقدمة في المجال البحري، بالنظر إلى إطلالته المزدوجة على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وامتداده الساحلي الذي يفوق 3500 كيلومتر، إضافة إلى شبكة مينائية تضم 14 ميناءً للتجارة الخارجية، أربعة منها مهيأة لاستقبال سفن الركاب.
ويبرز الرواص أن هذا الموقع الاستراتيجي يجعل من المغرب منصة بحرية طبيعية لربط الأسواق الأوروبية بنظيراتها الإفريقية، ويمنحه فرصة استعادة دوره التاريخي كحلقة وصل تجارية بين القارتين.
كما يؤكد أن تطوير صناعة السفن بالمملكة لا يندرج فقط ضمن الخيارات الاقتصادية، بل يمثل ركيزة أساسية لتعزيز السيادة البحرية ودعم التنمية المحلية بالمناطق الساحلية، وتقليص التبعية للخارج في مجالات بناء السفن وصيانتها.
ويعيد الباحث جذور الصناعة البحرية المغربية إلى العصور القديمة، حيث عرفت الممالك الأمازيغية صناعة سفن كانت تُزين بالشعارات الملكية وتُستعمل في تصدير المنتوجات عبر حوض المتوسط.
ويضيف أن العصور الوسطى شهدت بروز مدن مثل سلا وسبتة كمراكز متقدمة لبناء وصيانة السفن، ما راكم خبرة بحرية طويلة لدى المغرب.
ويشدد الرواص على أن القرن الثامن عشر شكل محطة مفصلية في تاريخ الصناعة البحرية الوطنية، خاصة في عهد السلطان محمد بن عبد الله، الذي استعان بصناع أجانب لبناء سفن ضخمة، من بينها “سفينة الرايس سالم”، وهو ما أثار اهتمام وإعجاب القوى الأوروبية آنذاك.
وفي السياق الراهن، يؤكد د. بدرالدين الرواص أن المغرب يراهن، في إطار المخطط المديري لتطوير البنيات التحتية المينائية في أفق 2030، على مجموعة من الأوراش الاستراتيجية، تشمل تطوير أحواض بناء وإصلاح السفن بموانئ الدار البيضاء وأكادير وطانطان، وبناء السفن الصغيرة والمتوسطة، وتفكيك السفن القديمة، إلى جانب إحداث منصات بحرية متخصصة في شحن البترول والغاز، بما يساهم في خلق فرص شغل جديدة ورفع مساهمة القطاع في الناتج الداخلي الإجمالي.
ويبرز المتحدث أن هذه التوجهات تندرج ضمن رؤية متكاملة لإعادة بناء الأسطول الوطني، وتعزيز ما يُعرف بالاقتصاد الأزرق، وجعل المغرب قطبًا صناعيًا بحريًا إقليميًا قادرًا على منافسة أحواض بناء السفن بجنوب أوروبا.
وفي هذا الإطار، يشير الرواص إلى الأدوار المتباينة لثلاثة موانئ رئيسة؛ إذ يتوفر ميناء الدار البيضاء على حوض جديد لبناء السفن قادر على استقبال وحدات بحرية عملاقة، مع لجوء الوكالة الوطنية للموانئ إلى طرح مناقصات دولية لاستقطاب فاعلين عالميين. فيما يعرف ميناء أكادير أشغال تطوير لأحواض بناء وإصلاح السفن لتعزيز إشعاعه الجهوي، بينما يضم ميناء طانطان منصات صغيرة مخصصة لإصلاح وبناء القوارب الخشبية، يشرف عليها فاعلون من القطاع الخاص.
ورغم هذه الدينامية، لا يُخفي د. بدرالدين الرواص حجم التحديات التي تواجه القطاع، وفي مقدمتها تراجع عدد المقاولات العاملة في المجال من نحو 40 مقاولة سنة 2000 إلى حوالي 10 فقط سنة 2022، إلى جانب ضعف الاستثمارات والدعم التقني. غير أنه يؤكد أن المخطط الوطني الحالي يفتح آفاقًا حقيقية لإعادة إنعاش الصناعة البحرية، وتطوير كفاءات محلية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية والسيادة البحرية.
ويخلص الرواص إلى أن صناعة السفن في المغرب تتجاوز كونها نشاطًا اقتصاديًا صرفًا، لتشكل رهانًا استراتيجيًا يعكس طموح المملكة في تعزيز سيادتها البحرية، وتنمية مدنها الساحلية، وتقوية اقتصادها الوطني. ومع تفعيل المخططات الوطنية الحديثة، يضيف المتحدث، يمكن للمغرب أن يتحول إلى مركز إقليمي لصناعة السفن وتقديم خدمات بحرية متكاملة، بما يعزز مكانته كلاعب صناعي ولوجيستي مؤثر في الفضاء المتوسطي والمحيط الأطلسي.



