
بقلم: عبد الحميد جماهري

منذ أسابيع قليلة، بالضبط في 31 أكتوبر من السنة الماضية، (مرت خمسة أسابيع بالضبط)، احتفلنا بمخرجات الشرعية الدولية، واعتبرنا بأن العالم أنصفنا، من خلال إنصاف صناع هاته الشرعية في مجلس الأمن، واحتفينا بأحد تمظهرات القانون الدولي بصدور القرار 2797، الذي حسم في السيادة المغربية على الصحراء. فهما كانا سندا للحق المغربي وإنصافا للبلاد بعد خمسين سنة من الصمود في وجه المؤامرات والحروب والمناورات.. وكنا نعاني، ومع ذلك نتشبث بالشرعية والقانون الدوليين ونعمل على تغيير ميزان القوة داخل الأمم المتحدة. لم نلْعنهما أبدا… بل حتى حين تعجز الشرعية الدولية عن تطبيق الاستفتاء الذي قررته، بناء على ظلم ضدنا، قدمنا لها الحل عن طريق الحكم الذاتي.
المغرب ظل وفيا لمبادئ الشرعية، وظل أيضا يفهم قواعد اللعب الدولية وموازين القوة والمصلحة الوطنية، وجمع بين المبدأ والمصلحة في انسجام لم يتصدع في الكثير من لحظات الصراع الدولية. إذن لا أحد له الحق في المزايدة على المغرب في هذا الباب.
في ذلك الوقت كان الآخرون، الذين يصرخون الآن دفاعا عن الشرعية، يجدون ويجتهدون من أجل ميزان قوة لفائدتهم بالمال والسلاح والارتزاق من كل جهة، ومازالوا لا يعترفون بالقانون الدولي ولو فيه قرار واضح، ويسخرون من الشرعية الدولية. ولهذا، فهؤلاء لا نقاش ولا جدال معهم يا أخ علي! فهُم ليسوا مع القانون الدولي ولا الشرعية الدولية ولا الشرعية التاريخية ولا الحق ولا القانون! هم مع القانون الدولي الذي يترجم مواقفهم الديبلوماسية…
لنترك القانون الآن… ما وقع بين فنزويلا وأمريكا هو نتيجة موازين قوة بين دولة قوية، وأخرى لا تملك الردع.. تصدعت شرعية نظامها الوطني وتخلت عنها عواصم قريبة من اليسار الوسط (البرازيل لولا مثلا) بعد تجربة تزوير طويلة أسقطت تمثيلية السيادة عن الرئيس، الذي كان عليه منذ أكثر من سنتين أن يعود إلى الشعب لتجديد سيادته..
ونقول تعليقا أوليا: لكن الذي يتحدث دونالد ترامب باسمه ليس القانون الدولي بل القانون الأمريكي. مادورو كان يعرف ذلك ونظامه كان يعرف ذلك! لنقلها بكل وضوح، المغرب ليس مطلوبا منه اتخاذ أي موقف، أما هذا العبد الفقير لرحمة ربه فإنه يرى أن المطلوب منه، في فهم الوضعية، هو تجميع المعلومة ثم تحليلها.. كما في الموقف من حرب أوكرانيا……! لابد من العودة إلى ثلاث محطات في تقدير الموقف: أولا، ما قام به ممثل فنزويلا رافاييل راميريث، أثناء اجتماع لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، أثناء دراسة الوضع في الصحراء المغربية في يونيو2016، وقتها كان تجاوز كل الأعراف التي جعلت موقفه الأيديولوجي يتفوق على موقفه كرئيس اللجنة. والتوثيق موجود.
ثانيا، ما حدث في 19أبريل 2017، عندما اضطر عمر هلال للرد على سفير فنزويلا عندما طالب، خلال النقاش الذي جرى بمقر الأمم المتحدة، حول تمويل أهداف التنمية المستدامة، بأن يتم أخذ “الأراضي المحتلة”، كفلسطين والصحراء المغربية.. “ بعين الاعتبار” في تسطير أهداف التنمية، وهي أسطوانة ما زالت تدور (وتحرك حتى داخل البلاد) كل من يسعى إلى الخلط . وقتها كان عمر هلال واضحا: إن ساكنة البلد الأكثر غنى في المنطقة بنفطه وغازه، معرضة للفقر والبؤس بسبب استيلاء الأوليغارشية الديكتاتورية على ثرواته الوطنية”.
وأضاف هلال: “الأكثر مأساوية، هو أن الأطفال الفنزويليين يبحثون عن طعامهم في قمامات الأزبال”.
حتى إن الحكومة تقدم « على إغلاق المدارس لتوفير الكهرباء..»!
وبعد سنتين، قام المغرب بما كان يؤمن به، وقبل الإطاحة المخجلة بمادورو، حيث أعلنت المملكة المغربية في 30 يناير 2019 “دعمها” لرئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية خوان غوايدو، الذي أعلن نفسه “رئيسا (للبلاد) بالنيابة” والمعارض للرئيس نيكولاس مادورو، .. وتحت عنوان “وزير الشؤون الخارجية يجري مباحثات مع خوان غوايدو رئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية”، نشرت وكالة المغرب العربي للأنباء قصاصة ورد فيها أن «وزير الخارجية ناصر بوريطة أجرى مباحثات هاتفية مع خوان غوايدو، “بطلب من هذا الأخير”، وأعرب له عن دعم المملكة “لكل التدابير المتخذة من أجل الاستجابة للتطلعات الشرعية للشعب الفنزويلي للديمقراطية والتغيير”.
وعليه، فالمغرب لم يكن ينتظر سقوط مادورو لكي يعلن عدم الاعتراف به، ويمكن، من باب المبدأ، الحديث عن «الطريقة» في تصريف أمريكا لقانونها الخاص، وما إذا كانت على صواب أو خطأ، لكن تحضرني هنا قصة عرفات مع بيل كلينتون الذي أجاب الرئيس الشهيد الذي احتج عليه باسم القانون الدولي: ألا تعرف بأن القانون الدولي أعزل؟ وبلا سلاح يعني؟
على كل، ما وقع سيغير من معطيات المنطقة، وقد يضر بالولايات المتحدة، ولكن لا يعني ذلك بأن على المغرب أن يشعر «بالذنب » إن هو تعامل ببرود أمام سقوط مادورو أو حتى رأى فيه سقوط تحالف كان يعمل ضده يمتد من آسيا إلى شمال إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية، وهذا هو العقل الذي يجب أن يشتغل الآن..
وغير ذلك، عندما تتضبب الرؤية، ويضيع الطريق وسط الظلام.. ضع نظارات الصحراء لاستعادة البصر…وربما البصيرة!


