
صدر للكاتب و الصحفي عبد الحميد جماهري مقال في موقع «العربي الجديد» بعنوان «تقاطع السيادتين الترابية والديمقراطية في المغرب»، يفكك من خلاله خبر زيارة فيليبي السادس المستفزة إلى سبتة ومليلية المحتلتين. و نظرا لأهمية المقال، نعيد نشره بالكامل.
بقلم : عبد الحميد جماهري

اختار العاهل المغربي، محمد السادس، مناسبة افتتاح البرلمان في دورته الأولى للرد على الجارة الشمالية إسبانيا، بعدما عرفت العلاقة بينهما فصلا من التوتر الحادّ بسبب أحداث سبتة في يوليو الماضي، والتي دامت قرابة شهرين. وهي الأحداث التي خلفت ردات فعل قوية داخل المجتمع الإسباني، ومن ورائه طيف واسع من الفضاء الأوروبي، وتميزت بنوع من الحدّة غير المألوفة تجاوزت الطابع الدبلوماسي والسياسي إلى المس برموز المغرب. وقد جاء الرد المغربي أمام نواب الأمة، الذين يمارسون السيادة باسمها، عبر الاقتراع المباشر، بعد تعامل هادئ ورصين، طوال الأزمة، وسار في اتجاهين: الأول يهم الهجرة، وتشعباتها، وما صارت تستوجبه من تأطير استراتيجي جديد، بعد الأحداث الأخيرة وأيضا بسبب ما تراكم في الملف من أدبيات وتطورات، لبعضها طابع عالمي. الثاني مسار مضمر، يخلقه السياق ويتعلق بالنقاشات المؤسساتية الجارية في الجارة الشمالية وبالزيارة التي ينوي العاهل الإسباني فيليبي السادس القيام بها يومه الثلاثاء 13 أكتوبر.
بالنسبة للمسار الأول، وقف المغرب على الطابع الحاسم لضرورة إعادة النظر في النموذج التدبيري المغربي ـ الإسباني ـ الأوروبي لمفهوم شائك وحيوي، مثل ملف الهجرة، ودعا إلى “الشجاعة والموضوعية” للإقرار بالطابع المتجاوز للنموذج الحالي واعتبار “الأزمات المتكرّرة خير شاهد على ذلك”.
الخطاب المغربي حمَّل، رسميا، الإجراءات الإسبانية المتعلقة بالهجرة مسؤولية اندلاع ما حدث في سبتة المحتلة، ملخَّصةً في “المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي تحول دون ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذّي أطماع الشبكات الإجرامية”. وهي إحالة على قرار القاضي الإسباني الذي فتح ثغرة كبيرة في جدار محاربة الهجرة السرّية، عندما قضى بمنع ترحيل المهاجرين القاصرين الذين دخلوا تراب سبتة المحتلة.. بحرا! علاوة على العراقيل المستجدة بخصوص عودة القاصرين، جرّاء قوانين تنظيم الاحتفاظ بهم فوق التراب الإسباني.
العنصر الثاني في الرد الملكي المغربي هو الوقوف عند تحويل المغرب إلى ورقة انتخابية داخلية، واستثمار الطيف السياسي، من اليسار الراديكالي إلى اليمين المتطرّف لفوبيا المهاجرين ولِترسُّبات الخوف التاريخي في الذاكرة الإسبانية، لتحويل الهجرة إلى أصوات ضد الحكومة الحالية داخلياً وتأليب الرأي العام الأوروبي والغربي ضد المغرب خارجياً. وقد رد المغرب على لسان ملكه “أن الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز”. ما يعني نهاية المرحلة التي كانت فيها ورقة الهجرة والهجمات الأوروبية على المغرب لها مردودية سياسية وانتخابية ودبْلوماسية تجعل المغرب يقدّم التنازلات لفائدة صاحب القرار الأوروبي. وقد اختار المغرب أن يقدم لشركائه “وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية”، قائمة على “التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي”، وهو تحول جوهري يغاير تماما التوجّه الأوروبي.
من جهة ثانية، يتفاعل الوجدان العام مع خبر زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ثم مليلية. وقد عادت إلى الأذهان زيارة والده الملك خوان كارلوس في 2007، وأحدثت أزمة حقيقية مع الجارة الشمالية، وتظاهر مغاربة كثيرون على الحدود مع المدينة السليبة، واستدعت الرباط سفيرها، وقتها، عمر عزيمان، الذي أصبح مستشاراً للملك محمد السادس. وكانت الزيارة مناسبة لكي يعبر المغرب رسميا وشعبيا عن رفض الخطوة واعتبارها مستفزّة، وحنيناً إلى مرحلة سوداء من التاريخ المشترك، ومتعارضة مع مصالح البلدين المشتركة.
سيكشف التاريخ من بعد قرابة عشر سنوات (2017) في كتاب لصاحبه شارل بويل خفايا غير معروفة. لعل أهمها التلغرافات التي بعثتها الدبلوماسية الأميركية في مدريد إلى الخارجية الأميركية، وكشفت عن نية خوان كارلوس تغيير الوضع القانوني لمدينتي سبتة ومليلية، عبر وضع “سيادة مشتركة” مع المغرب كما كان حال طنجة في الفترة الاستعمارية لترتيب إرجاعها للمغرب. ومما كشفه الكتاب والوثائق فيه أن خوان كارلوس كان قد استقبل، للتعبير عن هاته النية مبعوثا من الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، واسمه إدموند موسكي، والسفير الأميركي في مدريد تيرانس تودمان. ولكن الأميركيين رفضوا الفكرة بدعوى أن هذا سيزعزع استقرار المنطقة ويقوّي موقع المغرب في مراقبة مضيق جبل طارق.
تغيّر الوضع حالياً، والزيارة المعلنة للملك فيليبي السادس لم تتلق بعد أي موقف رسمي. لكنها لا شك مؤسفة، باعتبار أن الرجل كان قد دعا إلى خطوة استراتيجية في العلاقات بين البلدين، من خلال “السير معاً”، وإقامة “شراكة تليق بالقرن 21″، والحال أن زيارته تسير عكس التطورات الحاصلة، سواء باعتبار إسبانيا الشريك التجاري الأول للمغرب أو باعتبار جدول الأعمال المستقبلي المشترك من خلال مونديال 2030، أو وضع مرتكزات لبناء نموذج لما يجب أن تكون عليه الشراكات الأوروبية المغربية، حسب ما أعلنه هو رسميا عند استقبال السلك الدبلوماسي في مدريد قبل سنتين. ومن هذا المنطلق، يسأل المغاربة العاهل الإسباني: هل يمكن السير معاً نحو شراكة للقرن الواحد والعشرين، وبلاده تحمل معها الحنين الاستعماري باحتلال الأراضي المغربية؟.. سؤال للتاريخ، ولا شك، للجيوـ ستراتيجية كذلك.

