
بقلم : محمد خوخشاني

قبل سنة بالضبط، كتبتُ مقالًا تحت عنوان: «الخدمات العمومية في المغرب بين الماضي والحاضر: من روح الواجب إلى منطق الربح»، حاولت فيه أن أتوقف عند التحول الذي عرفته علاقة الدولة بالمواطن، خصوصًا في مجالات التعليم والصحة والنقل والماء والكهرباء والإدارة.
كان السؤال آنذاك بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالته: هل ما زالت الخدمة العمومية تُقدَّم باعتبارها واجبًا اجتماعيًا للدولة وحقًا للمواطن، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى خدمة تقاس بمنطق الكلفة والمردودية والسوق؟
وبعد سنة، يبدو أن السؤال لم يفقد راهنيته؛ بل أصبح أكثر إلحاحًا مع الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، ووصول حزب الأصالة والمعاصرة إلى المرتبة الأولى بـ97 مقعدًا، وتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر، وبدء مشاورات تشكيل الأغلبية الجديدة.
لكن هذه المرة، لم يعد من الكافي تشخيص الاختلالات. فالبرامج الانتخابية للأحزاب التي تتفاوض حول المشاركة في الحكومة الجديدة تضع أمامنا فرصة لطرح سؤال أكثر دقة:
أي نموذج للخدمة العمومية تريد الحكومة المقبلة أن تبني خلال السنوات الخمس القادمة؟
من «حضور الدولة» إلى «الدولة الاجتماعية».
في العقود الأولى بعد الاستقلال، كانت الخدمة العمومية إحدى أهم الأدوات التي اعتمدتها الدولة لبناء المغرب الحديث.
لم تكن المدرسة مجرد بناية للتعليم، ولا المستوصف مجرد مكان للعلاج، ولا الإدارة مجرد مكتب للوثائق. كانت هذه المرافق، في جوهرها، تجسيدًا ملموسًا لحضور الدولة في حياة المواطن.
وكان الموظف العمومي، رغم كل مظاهر النقص والاختلال التي كانت موجودة آنذاك، يُنظر إليه باعتباره يؤدي وظيفة اجتماعية ووطنية قبل أن يؤدي وظيفة إدارية.
لقد كانت الإمكانيات محدودة، وكانت البنيات التحتية أقل بكثير من حاجات المجتمع، لكن فلسفة الخدمة العمومية كانت أوضح: الدولة مسؤولة عن توفير الحد الأدنى من التعليم والصحة والإدارة والنقل والخدمات الأساسية، بصرف النظر عن قدرة المواطن على الدفع.
ومع مرور الزمن، تغيرت المعادلة.
دخلت الخوصصة، والشراكات، والتدبير المفوض، والمنافسة، ومنطق المردودية، والرقمنة، والاستثمار الخاص. ولا يمكن إنكار أن بعض هذه التحولات ساهم في تحديث قطاعات مهمة وتحسين بعض الخدمات.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح منطق السوق أقوى من منطق الحق.
فالخدمة العمومية ليست بالضرورة خدمة مجانية، لكنها يجب أن تظل خدمة مؤمَّنة للجميع، عادلة في الولوج إليها، وذات جودة، ولا تجعل القدرة المالية للمواطن شرطًا للتمتع بحقوقه الأساسية.
بعد سنة: البرامج الانتخابية تعيد طرح السؤال نفسه.
المثير في برامج انتخابات 2026 أن معظم الأحزاب المتقدمة للمشاركة في الحكومة الجديدة لم تعد قادرة على تجاهل هذا السؤال.
فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر الانتخابات، جعل من «ميثاق المواطنة» أحد مواثيقه الخمسة، وخصص له 100 مليار درهم ضمن كلفة إجمالية معلنة قدرها 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات.
والأهم أن البرنامج نفسه يعترف بأن المغرب يعيش مفارقة بين بلد يحقق إنجازات كبرى في البنيات التحتية والتحديث، ومواطن لا يزال يواجه صعوبة في الولوج إلى المستشفى العمومي، ويعاني من البطالة وارتفاع الأسعار.
وتتضمن مقترحات الحزب في هذا المجال تأهيل 1,600 مركز صحي أولي و90 مستشفى جهويًا وإقليميًا، وإنجاز أربعة مستشفيات جامعية جهوية جديدة، إلى جانب إجراءات تستهدف المدرسة العمومية والخدمات الرقمية والعدالة المجالية.
وهذا تطور مهم في الخطاب السياسي.
فالحزب الذي يقود المشاورات الحكومية لا يتحدث فقط عن الاستثمار والنمو، وإنما يضع المستشفى والمدرسة والسكن والخدمات الرقمية داخل مفهوم المواطنة.
غير أن الاختبار الحقيقي لن يكون في صياغة الالتزامات، وإنما في قدرتها على الانتقال من صفحات البرنامج إلى حياة المواطن اليومية.
الأحرار: تحسين الخدمة العمومية بدل التخلي عنها.
حتى حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الحكومة المنتهية ولايتها، جعل من جودة الخدمات العمومية والعدالة المجالية أحد الالتزامات الأساسية في برنامجه الانتخابي 2026–2031.
ويقدم الحزب برنامجه تحت شعار «كرامة وفرص للجميع»، واضعًا الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية ضمن محاور أساسية. كما يؤكد أن تحسين الخدمات ينبغي أن يشمل مختلف المجالات الترابية، بما يقلص الفوارق في الولوج إليها.
وهنا تبرز مسألة أساسية:
إذا كان الحزب يطالب بمواصلة الإصلاحات التي أطلقت خلال الولاية السابقة، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة أيضًا بأن تقدم للمواطن حصيلة قابلة للقياس لما تحقق وما لم يتحقق.
فالخدمات العمومية لا تُقاس بعدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بعدد المواطنين الذين أصبحوا يستفيدون منها فعليًا وبجودة أفضل.
الاستقلال: المشاركة مشروطة بالالتزامات.
حزب الاستقلال، من جهته، فوّض أمينه العام نزار بركة التفاوض حول المشاركة في الحكومة المقبلة، وأكد أن مشاركته مرتبطة بإدماج التزاماته الانتخابية في البرنامج الحكومي.
واللافت أن الحزب تحدث صراحة عن وجود نقاط تقاطع بين برنامجه وبرنامج الأصالة والمعاصرة.
وهذا يعني أن تشكيل الحكومة لا ينبغي أن يكون مجرد توزيع للحقائب الوزارية.
المطلوب هو البحث عن مساحة مشتركة بين البرامج، وتحويلها إلى تعاقد حكومي واضح ومعلن وقابل للتقييم.
وفي مقدمة هذه المساحة المشتركة توجد، دون شك، قضية الخدمات العمومية.
الاتحاد الاشتراكي للقمات الشعبية : التنمية العادلة والعيش الكريم.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد دخل انتخابات 2026 بشعار «20 التزامًا من أجل التنمية العادلة والعيش الكريم»، واضعًا الإنصاف والشغل والكرامة في قلب برنامجه.
وهو خطاب يعيد إلى النقاش السياسي مفهومًا أساسيًا: الخدمة العمومية ليست مجرد تقنية لتقديم الخدمات، وإنما إحدى أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.
وهذه الزاوية بالذات تكتسي أهمية في الحكومة المقبلة، لأن إصلاح الخدمات العمومية لا يمكن أن ينجح إذا ظل محصورًا في المدن الكبرى والمراكز الحضرية.
فالعدالة الترابية تعني أن يكون للمواطن في قرية بعيدة أو جماعة جبلية أو إقليم حدودي حق واقعي في المدرسة والمستوصف والنقل والماء والإدارة الرقمية، وليس مجرد حق مكتوب في النصوص.
التقدم والاشتراكية: الدولة الفاعل لا المتفرج.
أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد قدم لمرحلة 2027–2031 برنامجًا يقوم صراحة على الدور الإرادي والفاعل للدولة، وعلى العدالة الاجتماعية والسيادة الاقتصادية والصناعية والطاقية والغذائية والصحية والتكنولوجية، مع التأكيد على المسؤولية الميزانياتية.
وهو تصور يقترب أكثر من جوهر السؤال الذي طرحته قبل سنة:
ما حدود تدخل الدولة؟
فإذا كانت الدولة الاجتماعية تعني أن الدولة تتحمل مسؤوليتها في ضمان الحقوق الأساسية، فإن ذلك لا يعني العودة إلى نموذج اقتصادي مغلق أو إلغاء دور القطاع الخاص.
المطلوب هو شيء أكثر توازنًا:
قطاع خاص منتج ومنافس، إلى جانب قطاع عمومي قوي وفعال، ودولة تضع القواعد وتضمن الإنصاف وتحمي المواطن من تحوّل الخدمات الأساسية إلى مجرد سلع.
ولعل هذا هو التحدي الحقيقي أمام الأغلبية المقبلة.
منطق الربح ليس عدوًا، لكنه لا يمكن أن يكون سيد الموقف.
من الإنصاف القول إن منطق المردودية ليس شرًا في حد ذاته.
فالمرفق العمومي الذي يهدر المال، ولا يحاسب المسؤول، ولا يقيس الجودة، ولا يحسن تدبير موارده، لا يخدم المواطن حتى ولو كان مجانيًا.
لكن الخطأ المقابل هو الاعتقاد بأن كل ما هو مربح جيد، وكل ما هو اجتماعي مكلف وغير فعال.
هناك فرق بين تدبير عمومي عقلاني، يبحث عن الجودة ويقاوم الهدر والفساد، وبين تحويل الحق الاجتماعي إلى سلعة.
المستشفى العمومي يجب أن يكون فعالًا.
المدرسة العمومية يجب أن تكون ذات جودة.
الإدارة يجب أن تكون سريعة ورقمية وشفافة.
النقل العمومي يجب أن يكون اقتصاديًا ومنتظمًا.
لكن هذه المرافق تظل في النهاية مرافق عمومية لأنها تخدم المواطن، لا لأنها تحقق أرباحًا.
الامتحان الحقيقي للحكومة المقبلة.
ستكون أمام الحكومة الجديدة فرصة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن من خلال الخدمة العمومية.
ولا يكفي، في رأيي، أن يتضمن البرنامج الحكومي عبارات من قبيل «تحسين الجودة» و«تعزيز الحكامة» و«تقليص الفوارق المجالية».
المطلوب هو وضع مؤشرات واضحة لكل خدمة أساسية:
كم ينتظر المواطن للحصول على موعد طبي؟
كم يستغرق علاج المريض؟
كم عدد التلاميذ الذين يغادرون المدرسة دون بديل؟
كم يستغرق الحصول على وثيقة إدارية؟
ما نسبة المواطنين الذين يحصلون على خدمة رقمية فعلية؟
كم يبلغ الفرق في جودة الخدمات بين المدينة والقرية؟
وكم ينفق المواطن من جيبه للوصول إلى خدمة يفترض أن توفرها له الدولة؟
هذه هي الأسئلة التي تجعل من «الدولة الاجتماعية» حقيقة قابلة للقياس، بدل أن تبقى شعارًا سياسيًا.
من الموظف إلى المرفق: إصلاح الثقافة الإدارية.
ولا يمكن إصلاح الخدمة العمومية من دون إصلاح وضعية العاملين فيها.
الموظف العمومي ليس مجرد كلفة في الميزانية.
إنه جزء من جودة المرفق.
فالطبيب والممرض والمدرس والمهندس والتقني ورجل الإدارة والعامل الاجتماعي يحتاجون إلى التكوين والتحفيز والحماية المهنية والتقييم العادل.
وفي المقابل، يحتاج المواطن إلى إدارة تحاسِب الموظف عندما يسيء استعمال السلطة أو يهمل واجبه أو يعطل مصالح الناس.
الحكامة إذن ليست محاسبة المواطن، وإنما محاسبة الجميع.
الرقمنة: فرصة أم وجه جديد للإقصاء؟
التحول الرقمي يمكن أن يكون ثورة حقيقية في الإدارة المغربية.
لكنه يمكن أيضًا أن يخلق نوعًا جديدًا من عدم المساواة إذا افترض أن كل مواطن يتوفر على الهاتف الذكي والإنترنت والمعرفة الرقمية نفسها.
ولهذا فإن الرقمنة الناجحة ليست إلغاء الإنسان من الإدارة، بل جعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان.
ومن الإيجابي أن برنامج الأصالة والمعاصرة يقترح، في هذا السياق، إحداث 1,500 فضاء رقمي مواطناتي لمساعدة المواطنين على الولوج إلى الخدمات الرقمية، وهو تصور يستحق المتابعة والتقييم.
خمس سنوات للحكم… وخمس سنوات لقياس النتائج.
الحكومة المقبلة لا تبدأ من الصفر.
ستجد أمامها إصلاحات انطلقت، وأوراشًا اجتماعية كبرى، وتجارب ناجحة وأخرى متعثرة، وموارد مالية محدودة، وتحديات ديمغرافية ومجالية ومناخية متزايدة.
لذلك فإن المطلوب ليس هدم كل ما سبق لمجرد أن الحكومة تغيرت.
المطلوب هو تقييم ما أنجز، تصحيح ما اختل، وتسريع ما تأخر.
والأهم أن يكون المواطن شريكًا في عملية التقييم.
فالحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري تدخل مرحلة سياسية غير مسبوقة بكونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، لكنها ستُحاسَب في نهاية المطاف، مثل أي حكومة، على ما ستتركه في حياة المغاربة من أثر ملموس.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في عنوان هذا المقال بعد سنة من نشره:
قبل سنة كنت أتساءل: هل انتقلت الخدمات العمومية من روح الواجب إلى منطق الربح؟
أما اليوم، وبعد الانتخابات وبداية تشكيل حكومة جديدة، فقد أصبح السؤال:
هل تستطيع الدولة الاجتماعية أن تستعيد روح الواجب، من دون أن تتخلى عن الكفاءة والمردودية والحكامة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للحكومة المقبلة.
فالمواطن المغربي لا يريد دولة تنفق أكثر فقط، ولا دولة تتدخل أكثر فقط.
إنه يريد دولة تفي بواجباتها، وتحسن استعمال موارده، وتضمن له حقوقه، وتعامله بكرامة، أينما كان ومهما كانت قدرته الشرائية.
وفي النهاية، فإن قيمة أي حكومة لا تُقاس بعدد الوزراء ولا بحجم البرامج ولا بعدد المشاريع التي تُعلن عنها.
إنها تُقاس بما يشعر به المواطن عندما يدخل مدرسة عمومية، أو يلج مستشفى، أو يستقل حافلة، أو يقف أمام شباك إدارة، أو يطلب خدمة من الدولة.
هناك، في تفاصيل الحياة اليومية، يبدأ الحكم الحقيقي على الدولة الاجتماعية.
وهناك أيضًا سنعرف، بعد خمس سنوات، هل نجح المغرب في الانتقال من منطق الخدمة العمومية باعتبارها عبئًا إلى منطقها باعتبارها استثمارًا في المواطن والوطن.



