
بقلم : محمد خوخشاني

ثمة سؤال يبدو، للوهلة الأولى، بسيطاً: هل للديمقراطية معنى واحد عند جميع الشعوب؟
ربما لا.
فالديمقراطية ليست مجرد مؤسسات مستوردة، ولا صندوق اقتراع يوضع في مكانه ثم ننتظر منه أن يصنع مجتمعاً ديمقراطياً. إنها، قبل كل شيء، ثقافة سياسية تتكون ببطء، وتتغذى من التاريخ، ومن علاقة المواطن بالدولة، ومن تجربة الأحزاب، ومن درجة الثقة في المؤسسات، ومن قدرة المجتمع على قبول الاختلاف.
لكن الاعتراف بخصوصية التجارب لا ينبغي أن يقودنا إلى النتيجة الخطيرة القائلة إن لكل مجتمع «ديمقراطيته» الخاصة، بحيث يصبح بالإمكان إعادة تعريف الديمقراطية وفقاً للمصلحة السياسية لهذا الطرف أو ذاك.
هناك أشياء قد تختلف من بلد إلى آخر، لكن هناك أيضاً حدوداً لا ينبغي أن تضيع داخل الاختلاف: حرية الاختيار، نزاهة المنافسة، تكافؤ الفرص، سيادة القانون، احترام نتائج الاقتراع، حق المعارضة، المساءلة، وتداول المسؤوليات.
ومن هنا تبدأ الحكاية المغربية.
الانتخابات ليست نهاية الديمقراطية، وإنما بدايتها.
لقد انتهت انتخابات 23 شتنبر 2026 بإعلان النتائج النهائية التي أكدت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً، وحصل حزب التقدم والاشتراكية على 19 مقعداً. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 38,08 في المائة.
هذه الأرقام لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها جدولاً لترتيب الأحزاب.
فخلف كل رقم رسالة سياسية محتملة، وخلف كل مقعد سؤال، وخلف كل غياب عن صناديق الاقتراع سؤال أكبر.
فالانتخابات لا تقول فقط من حصل على عدد أكبر من المقاعد؛ إنها تكشف أيضاً درجة ارتباط المواطن بالفعل السياسي، وقدرة الأحزاب على الإقناع، ومدى حضور البرامج في المنافسة، وحجم الثقة التي ما زالت قائمة بين الناخب والمؤسسة الحزبية.
ولذلك فإن نسبة مشاركة في حدود 38 في المائة تستحق أن تُقرأ بجدية، لا باعتبارها مجرد رقم إحصائي.
لا يجوز أن نضع كل الممتنعين عن التصويت في خانة واحدة. فالعزوف قد تكون له أسباب اجتماعية أو اقتصادية أو جغرافية أو شخصية مختلفة. وقد يكون بعض المواطنين غير مهتمين بالسياسة، وقد يكون بعضهم فقد الثقة في الأحزاب، وقد يكون آخرون قد اختاروا عدم المشاركة لأسباب أخرى.
لكن، مهما اختلفت الدوافع، فإن حجم المشاركة يفرض على الطبقة السياسية سؤالاً لا يمكن الهروب منه:
كيف نستعيد المواطن الذي ابتعد عن السياسة؟
عندما يصبح المال منافساً للبرنامج.
الديمقراطية تفترض أن تكون المنافسة بين الأفكار والبرامج والأشخاص.
لكن كلما اتسعت الفوارق في الموارد التي يستطيع المرشحون تعبئتها، أصبح من المشروع التساؤل حول مدى تكافؤ الفرص في المنافسة.
والقانون المغربي لم يترك هذه المسألة دون تنظيم؛ فقد وضع قواعد دقيقة للحملة، وحظر شراء الأصوات أو محاولة التأثير في الناخبين بالهدايا والمنافع أو التهديد، كما أخضع الحسابات الانتخابية للمراقبة، وألزم المرشحين بإيداع حسابات حملاتهم لدى المجلس الأعلى للحسابات.
لكن وجود النص القانوني شيء، وفعالية تطبيقه شيء آخر.
وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: لا يجوز أن نحول كل إنفاق انتخابي إلى اتهام بالفساد، كما لا يجوز في المقابل أن نتعامل مع المال السياسي وكأنه تفصيل هامشي.
السؤال الديمقراطي الحقيقي هو: هل استطاع المواطن أن يسمع البرنامج والمرشح، أم أن بعض أشكال النفوذ المادي والاجتماعي كانت أعلى صوتاً من البرنامج؟
هذا سؤال يستحق التحقيق والنقاش، لا الأحكام المسبقة.
الديمقراطية تبدأ داخل الحزب.
وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر.
نطالب المواطن بأن يكون ديمقراطياً، ونطالبه بالمشاركة، وباختيار ممثليه، وباحترام نتائج الانتخابات. لكن ماذا عن الديمقراطية داخل الأحزاب نفسها؟
كيف يُختار المرشح؟
كيف تُرتب المسؤوليات؟
كيف يُعامل المختلف داخل التنظيم؟
هل يستطيع عضو عادي أن ينتقد القيادة دون أن يتحول نقده إلى مشكلة شخصية؟
هل تتجدد القيادات؟
هل تجد الأجيال الجديدة طريقها إلى مواقع القرار، أم يظل الشباب مجرد قوة انتخابية تُستدعى في الحملات ثم تعود إلى مقاعد المتفرجين؟
إن الحزب الذي لا يتدرب على الديمقراطية في داخله سيجد صعوبة في تحويل الديمقراطية إلى ثقافة عامة.
ولهذا، فإن تجديد الحياة السياسية لا يتعلق فقط بتغيير الوجوه في البرلمان، بل بتغيير طريقة إنتاج النخب السياسية نفسها.
لا يكفي أن نفوز.
هناك درس آخر قد يكون أكثر أهمية.
الفوز الانتخابي يمنح صاحبه شرعية تمثيلية، لكنه لا يمنحه شيكاً على بياض.
والخسارة الانتخابية لا تعني بالضرورة أن المشروع انتهى.
قد يفوز حزب لأنه استطاع أن يقنع الناخبين، وقد يفوز لأنه امتلك شبكة انتخابية أكثر فعالية. وقد يخسر حزب بسبب برنامجه، أو قيادته، أو مرشحيه، أو طريقة تواصله، أو بسبب عوامل محلية لا علاقة لها بكل ذلك.
لذلك ينبغي أن تكون قراءة النتائج أكثر تواضعاً من لغة الانتصار والهزيمة.
الفائز الحقيقي هو من يعرف لماذا فاز. والخاسر القادر على التعلم من خسارته قد يكون أكثر استفادة من الفائز الذي يعتقد أن النتيجة تثبت صواب كل ما فعله.
وهذه ليست مسألة أخلاقية فقط، وإنما قاعدة سياسية.
الديمقراطية ليست حكم الأغلبية فقط.
ثمة سوء فهم آخر للديمقراطية ينبغي تصحيحه.
الديمقراطية ليست أن تفوز الأغلبية ثم تفعل ما تشاء.
إنها أن تحكم الأغلبية، نعم، ولكن في ظل القانون، مع احترام الأقلية، وحق المعارضة، وحرية النقد، ووجود مؤسسات قادرة على المراقبة والمساءلة.
ولهذا فإن المعارضة ليست عائقاً أمام الديمقراطية؛ إنها إحدى وظائفها.
والحزب الذي ينتقل من الأغلبية إلى المعارضة لا ينبغي أن يشعر بأنه خرج من الحياة السياسية. كما أن الحزب الذي انتقل من المعارضة إلى الحكومة لا ينبغي أن يتعامل مع الدولة وكأنها أصبحت ملكاً تنظيمياً له.
الدولة أوسع من الحكومة، والحكومة أوسع من الحزب، والبرلمان أوسع من الأغلبية.
فما هي «الديمقراطية المغربية»؟
ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل لدينا ديمقراطية مثل هذه الدولة أو تلك؟
بل:
ما الشكل الذي نريد أن تتخذه ديمقراطيتنا نحن، في إطار المبادئ التي تجعلها ديمقراطية فعلاً؟
نحن لسنا مطالبين بأن ننسخ تجربة بلد آخر.
لكننا مطالبون بأن نجيب عن أسئلتنا الخاصة:
كيف نعيد الثقة إلى المواطن؟
كيف نجعل الانتخابات مناسبة للتنافس على البرامج بدل أن تكون مجرد موسم للمرشحين؟
كيف نمنع المال غير المشروع من التأثير في الإرادة الانتخابية؟
كيف نجعل الأحزاب مدارس للمواطنة لا مجرد آلات انتخابية؟
كيف نضمن تداول المسؤوليات داخل التنظيمات؟
كيف نعطي الشباب مكاناً حقيقياً في صناعة القرار؟
وكيف نجعل المواطن يشعر بأن صوته لا ينتهي بمجرد وضع ورقة في صندوق؟
هذه الأسئلة أهم من سؤال: من فاز ومن خسر؟
لكل شعب تجربته، ولكن ليس لكل شعب حقيقة خاصة بالديمقراطية.
نعم، لكل شعب طريقته في الوصول إلى الديمقراطية.
هناك شعوب قطعت الطريق في قرن، وأخرى في عقود، وثالثة ما زالت تبحث عن بداياتها.
وقد تختلف المؤسسات، والقوانين، والأحزاب، والثقافة السياسية.
لكن لا ينبغي أن تصبح الخصوصية الوطنية ذريعة لإفراغ الديمقراطية من مضمونها.
فلا يمكن أن نقول إن شراء صوت الناخب يصبح ديمقراطياً لأنه حدث في مجتمع له خصوصيته.
ولا أن يصبح إقصاء الرأي المخالف داخل الحزب ممارسة ديمقراطية لأن الحزب له تقاليده.
ولا أن تتحول الانتخابات إلى غاية في ذاتها، بينما يظل المواطن غائباً عن صناعة القرار بين استحقاق وآخر.
الديمقراطية ليست نموذجاً واحداً في العالم، لكنها ليست أيضاً كلمة مطاطة.
لها روح.
وروحها هي أن يكون الإنسان، لا المال ولا النفوذ ولا الخوف، هو صاحب القرار.
ما بعد 23 شتنبر.
لذلك، ربما يكون أهم ما ينبغي فعله بعد انتخابات 23 شتنبر ليس الاحتفال بالنتائج ولا البكاء عليها.
بل قراءة ما وراء النتائج.
أن تسأل الأحزاب نفسها بصدق: لماذا نجحنا؟ ولماذا فشلنا؟
أن تسأل القيادة نفسها: هل ما زالت قادرة على تمثيل تطلعات الأجيال الجديدة؟
أن يسأل البرلمان نفسه: كيف سيستعيد ثقة المواطن؟
وأن تسأل الدولة، بمؤسساتها وأحزابها ومجتمعها المدني وإعلامها: كيف نجعل المشاركة السياسية أكثر جاذبية وأقل نفوراً؟
فالانتخابات تنتهي في يوم.
أما الديمقراطية فلا تنتهي.
إنها تبدأ في اليوم التالي.
وهنا بالضبط يصبح السؤال عن «ديمقراطية كل شعب» أقل أهمية من سؤال آخر:
أي ديمقراطية نريد أن نبني نحن؟
فالخصوصية ليست أن نغير معنى الديمقراطية حتى يلائم واقعنا.
الخصوصية الحقيقية هي أن نمتلك الشجاعة لكي نطوّر واقعنا حتى يقترب من القيم التي نعلن إيماننا بها.
