
بقلم : محمد خوخشاني

تمهيد
شكّل التمييز الإيجابي لفائدة النساء والشباب واحداً من أبرز الإصلاحات السياسية والدستورية التي عرفها المغرب بعد دستور 2011، بهدف تصحيح خلل هيكلي في التمثيل البرلماني. غير أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي كشفت عن مفارقة لافتة: إذ تحولت آلية صُمّمت لتوسيع دائرة الكفاءة والجدارة، في كثير من الحالات، إلى قناة جديدة لإعادة إنتاج الريع السياسي والولاءات العائلية. ولقياس أبعاد هذه المفارقة، يُستحسن مقارنة التجربة المغربية بمسارات مماثلة، بعضها ناجح، وبعضها الآخر هش أو متراجع.
أولاً: نشأة الحصص المضمونة وتطورها.
لم يفرض نظام التمييز الإيجابي دفعة واحدة، بل تدرج عبر عدة محطات انتخابية:
● 2002: إدراج “لائحة وطنية” نسائية لأول مرة، مكونة من 30 مقعداً.
● 2011: توسيع اللائحة الوطنية إلى 60 مقعداً للنساء، مع تخصيص ثلثها للشباب دون الأربعين، في خطوة نحو إدماج الأجيال الصاعدة.
● 2021: إلغاء اللائحة الوطنية لصالح دوائر جهوية، مع تخصيص 90 مقعداً للنساء، مع الاحتفاظ بآليات تحفيزية لصالح الشباب، في سياق دسترة مبدأ المناصفة.
في أرقام، تضاعف عدد المقاعد المضمونة ثلاث مرات خلال عقدين. لكن بالنظر إلى حجم المجلس النيابي (395 مقعداً)، تظل النسبة متواضعة. فبعد انتخابات 2021، لم تحصل النساء إلا على 96 مقعداً، أي 24.3% من المجلس، مقابل 81 مقعداً (20.5%) في ولاية 2016-2021. غير أن الرقم، رغم ارتفاعه، يخفي واقعاً أكثر إثارة للقلق: من بين 96 نائبة، لم تفز سوى 6 منهن في دوائر محلية مفتوحة، في حين تدين 90 أخريات بمقعدهن حصراً للائحة الجهوية. أي أنه، خارج آلية التمييز الإيجابي، يظل الوجود النسائي هامشياً – وهو ما اعتبره مراقبو الحياة السياسية “جرس إنذار” لا “نصراً مكتسباً”.
ثانياً: أثر سياسي متناقض بين الانفتاح الديمقراطي وإعادة إنتاج المحسوبية.
من الظلم إنكار أن هذه الآلية ساهمت في كسر جمود تاريخي: فطوال عقود، ظل البرلمان حكراً على نخب ذكورية تقليدية، إذ لم تدخله أول امرأة إلا سنة 1993، أي بعد ثلاثين عاماً من حصول المغربيات على حق التصويت. وقد فتح هذا الورش أبواباً لكفاءات نسائية وشبابية، أثرت النقاش التشريعي بقضايا اجتماعية وحقوقية كانت مهمشة.
لكن هذا المكسب النوعي اصطدم بانتكاسة هيكلية: إذ تحولت هذه المقاعد المضمونة، بالنسبة لبعض القيادات الحزبية، من وسيلة لخدمة تمثيل عادل إلى غاية في حد ذاتها، يتم توزيعها بضبط وفق منطق المحسوبية. وتتجسد المفارقة في الفارق الصارخ بين النائبات الست المنتخبات محلياً، والنائبات التسعين المحسوبات على الحصة الجهوية، حيث يُنظر إلى هؤلاء، بل وينظرن أحياناً إلى أنفسهن، على أنهن أكثر ولاءً للحزب منه للناخبين. وقد وثقت أبحاث ميدانية هذه الظاهرة، التي تؤدي إلى “تدجين” التمثيل النسائي، وتقييد استقلالية النائبات.
ثالثاً: التعديلات القانونية الأخيرة: خطوات غير كافية.
حاولت النصوص المنظمة للانتخابات الأخيرة معالجة هذه الاختلالات، عبر توفير:
● حوافز مالية للأحزاب التي تدرج نساءً وشباباً في دوائر تنافسية؛
● دعم عمومي إضافي للأحزاب التي تحترم تمثيلاً متوازناً في هياكلها القيادية.
غير أن هذه التدابير، رغم أهميتها، تصطدم بعائق جوهري: أنها تبقى تحفيزية وليست إلزامية. وفي غياب عقوبات واضحة، تتعامل الأحزاب الميسورة مع هذه التكاليف كجزء من استراتيجيتها، دون أن يلتزم الروح الحقيقية للنص القانوني.
رابعاً: آليات الالتفاف: حين تتحول الحصة إلى ريع.
يمكن حصر الممارسات المنهجية التي تُفرغ التمييز الإيجابي من مضمونه في ثلاث ظواهر متشابكة:
1. المحاصصة العائلية: تُمنح رؤوس اللوائح النسائية والشبابية غالباً لزوجات أو بنات أو أبناء النواب والوجهاء، على حساب مناضلات ومناضلين حقيقيين قضوا سنوات في العمل الميداني، لكنهم يفتقرون إلى رأس المال المالي أو الشبكات النافذة. وتشير دراسات نوعية إلى أن النائبات المنتخبات عبر الحصة يُنظر إليهن، حتى داخل أحزابهن، كـ”بيادق” في يد الأجهزة الحزبية.
2. المال السياسي كمعيار ضمني: يُصبح المال الانتخابي الضامن الفعلي للمرتبة المتقدمة في اللائحة، مما يحول المقاعد المخصصة للفئات المستهدفة إلى ريع عائلي بامتياز، ويغلق الباب أمام المستحقين من خلفيات متواضعة. وتؤكد أبحاث ميدانية أن شراء الأصوات يستهدف بالأساس الأسر الهشة، ما يكشف كيف يُوظف المال لتوجيه العملية الانتخابية بعيداً عن معايير الكفاءة.
3. امتداد الظاهرة إلى أحزاب اليسار: الأكثر إثارة للقلق أن هذه الممارسات لم تعد حكراً على الأحزاب المحافظة أو الليبرالية، بل طالت أيضاً أحزاباً تقدمية واشتراكية، كان يُفترض فيها أن تشكل حائط صد ضد المحسوبية، لكنها استسلمت لمصالح العائلات الميسورة، على حساب مبادئها المعلنة.
خامساً: دروس من التجارب المقارنة.
ليست الحالة المغربية فريدة، إذ جربت عدة دول أنظمة حصص، بنتائج متباينة، تسلط الضوء على مواطن الضعف في النموذج الوطني.
● رواندا: نجاح كمي في سياق سياسي مغلق: تتصدر رواندا العالم بنسبة نساء تتراوح بين 61 و64% في مجلس النواب. لكن هذا الرقم المبهر لا يضمن تنوع الآراء ولا استقلالية النائبات، إذ يُنتخبن غالباً في نظام لا يترك مجالاً واسعاً لمعارضة حقيقية. وهو ما يذكر، ولو جزئياً، بجدل النائبات “الدمى” في المغرب.
● فرنسا: فشل العقوبة المالية: يفرض قانون 2000 المناصفة المتناوبة في الانتخابات بالقوائم، لكنه يكتفي في الانتخابات التشريعية بعقوبة مالية. وكانت النتيجة أن الأحزاب الكبرى فضلت دفع الغرامة على ترشيح نساء. واستغرق الأمر عقدين للوصول إلى 36% من النائبات، مقابل 48% في المجالس الخاضعة للإلزام بالتناوب. والعبرة واضحة: عقوبة مالية تتحملها الأحزاب الغنية لا تجدي نفعاً.
● إسبانيا: نموذج الزامي: يفرض قانون 2007 نسبة لا تقل عن 40% لكل جنس في كل شريحة من خمسة مرشحين، وإلا بُطِلَت القائمة. وكانت النتيجة مذهلة: ارتفعت نسبة النساء في الكونغرس من 36% عام 2008 إلى 47.4% عام 2019، لتحتل إسبانيا الصدارة أوروبياً. هذا النموذج، خلافاً للحصة المنفصلة، يتجنب تأثير “الدرجة الثانية”، ويحد من مخاطر المحسوبية.
● تونس: تحذير للمغرب: كانت تونس رائدة في المناصفة الأفقية والعمودية، وبلغت نسبة النساء 47% في المجالس البلدية. لكن إصلاح 2022، الذي فرضه الرئيس سعيد، ألغى المناصفة وأعاد العمل بالاقتراع الفردي، مما أدى إلى انهيار التمثيل النسائي إلى 14.6%. هذا التراجع المفاجئ يذكّر بأن أي مكسب، مهما كان كبيراً، يظل قابلاً للتراجع ما لم يُرسخ في ثقافة سياسية دائمة.
العبرة للمغرب: تظهر التجارب الإسبانية والرواندية أن آلية دون مخرج مالي أكثر فعالية. بينما تؤكد الحالتان الفرنسية والتونسية مخاطر العقوبات القابلة للتفاوض والإصلاحات القابلة للعكس. والمغرب، في وضعه الحالي، يجمع عيوب النموذجين: حصة منفصلة، ضعيفة الإلزام، وغياب رقابة على آليات المحاصصة.
سادساً: آفاق إصلاح شامل للآلية.
لاستعادة الجدارة والإنصاف، يمكن استعراض عدة إصلاحات:
1. تجفيف منابع المال السياسي: بوضع سقف للإنفاق، وتعزيز الرقابة المالية، وفرض عقوبات رادعة على غرار النموذج الإسباني (إبطال القوائم غير الملتزمة) بدلاً من الغرامات الرمزية.
2. تجسيد معايير الترشيح: باشتراط عدد أدنى من سنوات الالتزام الحزبي أو الجمعوي، وإخضاع ملفات الترشيح لمراجعة عمومية تشارك فيها منظمات المجتمع المدني المتخصصة.
3. ربط الحصة بالعدالة الاجتماعية: بتخصيص جزء من المقاعد للنساء والشباب المنحدرين من أسر متواضعة أو مناطق مهمشة، لكسر احتكار النخب الميسورة لهذه المقاعد.
4. تعزيز الإطار الدستوري والقانوني: باستبدال الحوافز بإلزاميات، وربط الدعم العمومي بالالتزام الفعلي بروح القانون، وفتح باب الطعن القضائي ضد اللوائح المخالفة، مع الاستلهام من صرامة النموذج الإسباني، واستخلاص العبر من التراجع التونسي.
خاتمة.
من حيث المبدأ، يظل التمييز الإيجابي أداة مشروعة لتصحيح التفاوتات الهيكلية، وتؤكد المقارنات الدولية أنه، حين يُصمم جيداً، يُحدث نتائج سريعة وملموسة. لكن في المغرب، فإن الفجوة بين طموح النص وواقع الممارسات الحزبية تهدد بتفريغ الحصة من مضمونها. فالمقاعد التسعون قد تتحول إلى مجرد واجهة، إذا استمر النظام في تفضيل الريع العائلي والولاء الضيق على حساب الاستقلالية والكفاءة. والتحدي الحقيقي، للأحزاب وللمشرع معاً، هو سد الثغرات التي تحول أداة الإنصاف إلى آلة لإعادة إنتاج التراتبية التي كان من المفترض أن تلغيها – وإلا فإن المغرب قد يواجه، في يوم ما، تراجعاً مماثلاً لما عرفته تونس سنة 2022. ولم يعد وقت التعديلات التجميلية، بل حان موعد إعادة تأسيس عميقة للجهاز.



