
بقلم : محمد خوخشاني

الجزء الأول: النَّهْرُ العَظِيمُ.
أَنَا ذَاكَ النَّهْرُ. لَا تَرَانِي أَسِيلُ، وَلكِنِّي أَحْمِلُ، مُنْذُ فَجْرِ الأَزَلِ، مِيَاهاً حَيَّةً هَائِجَةً، مُتَطَبِّقَةً كَالصَّخْرِ، صَابِرَةً كَالصَّحْرَاءِ. يُنَادُونَنِي المَغْرِبَ، بِلَادَ الغُرُوبِ، الغَرْبَ بل مغرب أقْصَى بجوار الأوْسَط الذي يفصله عن الأدنى، عَلَى حَسَبِ جُغْرَافِيَا القَلْبِ الَّذِي يُسَمِّينِي. كَمَا لِلْمَشْرِقِ أَقْسَامُهُ: قَرِيبُ وَأوَسطُ وَأَقْصَى، فَإِنَّ لِي أَنَا أَيْضاً وُجُوهاً تَتَقَلَّبُ بِتَقَلُّبِ النَّاظِرِ إِلَيَّ. غَيْرَ أَنِّي لَنْ أَكُونَ المَشْرِقَ أَبَداً. أَنَا الضِّفَّةُ الأُخْرَى لِلْعَالَمِ، الأُفُقُ الَّذِي تَنْتَهِي عِنْدَهُ الأَرْضُ لِيَبْدَأَ اللَّامُتَنَاهِي — المَغْرِبُ الَّذِي يَرْصُدُهُ شُعَرَاءُ المَشْرِقِ فِي أَقْصَى أَحْلَامِهِمْ، كَمَا يُرَاقِبُونَ الشَّمْسَ تَغِيبُ فِي الذَّهَبِ وَالأُرْجُوَانِ.
جِيُولُوجِيَّاً، أَنَا مَبْنِيٌّ مِنْ طَبَقَاتٍ. مَنْبَعِي الأَوَّلُ، الأَزَلِيُّ الجِرَانِيتِيُّ، هُوَ صَمِيمُ رِجَالٍ أَحْرَارٍ: الأَمَازِيغُ، الَّذِينَ يُسَمُّونَهُمُ البَرْبَرَ مَعَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِبَرَابِرَةٍ قَطُّ. إِنَّهُمْ مَجْرَايَ الصَّخْرِيَّ، عَمُودِي الفَقْرِيُّ، هَيْكَلُ أَطْلَسِي الَّذِي يَشُقُّ السَّمَاءَ. فِيهِمْ يَسْكُنُ صَمْتُ القِمَمِ العَنِيدُ وَذَاكِرَةُ الصَّحْرَاءِ الجَافَّةُ. لَكِنَّ نَهْراً يَلِيقُ بِهِ الِاسْمُ لَا يَكْتَفِي بِمَنْبَعِهِ؛ بَلْ يَغْتَنِي، يَتَفَتَّحُ، يَرْحَبُ — طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، عَبْرَ آلافِ السِّنِينَ الَّتِي شَهِدَتْ وُجُودِي.
ثُمَّ أَقْبَلَتِ الرَّوَافِدُ، طَبَقَةً إِثْرَ طَبَقَةٍ، كَجِيُولُوجِيَا حَيَّةٍ. أَوَّلاً، مِيَاهُ الأُرْجُوَانِ، مِيَاهُ الفِينِيقِيِّينَ الآتِينَ مِنْ مِصْرَ، بَحَّارَةِ اللَّازَوَرْدِ، الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي خَلِيجَانِي مِلْحَ آلِهَتِهِمْ وَصِبْغَ مُورِيكْسِهِمْ. ثُمَّ جَاءَتِ الفَيَالِقُ الرُّومَانِيَّةُ الحَمْرَاءُ، الَّتِي ظَنَّتْ تَحْتَ اسْمِ “مَوْرِيطَانِيَا الطِّينْجِيَّةِ” أَنَّهَا تَسُومُنِي الذُّلَّ. أَقَامُوا الهَيَاكِلَ، وَشَقُّوا الطُّرُقَ، لَكِنَّ جُذُورِي الأَمَازِيغِيَّةَ أَخَذَتْ تَلْتَفُّ حَوْلَ أَعْمِدَتِهِمُ الرُّخَامِيَّةِ كَالنَّبَاتِ المُتَعَرِّشِ، حَتَّى امْتَصَّتْهَا فِي تُرْبَتِي العَنْبَرِيَّةِ إِلَى الأَبَدِ.
مَرَّ الزَّمَنُ، فَتَدَفَّقَتْ مِيَاهٌ أُخْرَى لِتَنْصَهِرَ فِيَّ. قَوَافِلُ اليَهُودِ، تَحْمِلُ كَلِمَةَ الأَنْبِيَاءِ وَحِكْمَةَ الكُتُبِ، اسْتَقَرَّتْ فِي مُلْتَوَيَاتِ وِدْيَانِي، نَاسِجَةً أَحْيَاءَ المَلَّاحِ بِأَبْوَابِهَا الخَشَبِيَّةِ المَنْقُوشَةِ، حَيْثُ تَزَاوَجَ حُزْنُ المَزَامِيرِ بِحَفِيفِ الزَّيْتُونِ. ثُمَّ، مِنْ قَلْبِ صَحْرَاءِ العَرَبِ، هَبَّ نَسِيمٌ مُلْتَهِبٌ حَمَلَ نُورَ الإِسْلَامِ؛ فَوَضَعَ الفُرْسَانُ المُتَّقُونَ سُرُوجَهُمْ عَلَى مَتْنِي، وَشَيَّدُوا فِيهِ مَدَائِنَ بَيْضَاءَ، تَسَلَّلَ فِيهَا القُرْآنُ بِِلِسَانِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَنْغَامِ الأَوْدِيَةِ العَتِيقَةِ.
لَكِنَّ أَعْذَبَ الرَّوَافِدِ وَأَمَرَّهَا جَاءَ مِنَ الأَنْدَلُسِ المُنْهَارِ. تِلْكَ النُّفُوسُ المُسْلِمَةُ وَاليَهُودِيَّةُ المَطْرُودَةُ مِنْ جِنَانِهَا المَفْقُودَةِ عَبَرَتِ المَضِيقَ كَأَرْوَاحٍ ثَكْلَى، وَعُيُونُهَا لَمْ تَزَلْ تَبْتَرِدُ مِنْ حُرْقَةِ قَصْرِ الحَمْرَاءِ. رَحَّبْتُ بِهِمْ فِي أَخَادِيدِي العَمِيقَةِ؛ فَطَعَّمُوا بُرْتُقَالَهُمْ بِزَيْتُونِي، وَخَلَطُوا مَرَاثِيَهُمْ بِالعَرَبِيَّةِ الأَنْدَلُسِيَّةِ بِدُفُوفِ البَرْبَرِ، وَأَصْبَحَتْ قُصُورُهُمْ قُصُورِي، وَأَفْنِيَتُهُمْ أَنْفَاسَ رِيَاضِي.
وَفِيمَا بَعْدُ، فِي وَقْعَةِ المَدَافِعِ وَغُرْبَةِ اللُّغَاتِ، نَزَلَ الإِسْبَانُ وَالفَرَنْسِيُّونَ. ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَرْسُمُونَ حُدُودِي، وَيَقْطَعُونَنِي كَجُثَّةٍ. لَكِنَّ طَبِيعَتِي العَمِيقَةَ هِيَ الامْتِصَاصُ؛ فَقَلَاعُهُمْ، وَثَانَوِيَّاتُهُمْ، وَشَوَارِعُهُمْ، كُلُّ ذَلِكَ هَضَمْتُهُ كَمَا يُهْضَمُ الثَّمَرُ الحَامِضُ، حَتَّى إِذَا بِذُرِّيَّاتِهِمْ، وَقَدْ نَطَقُوا دَارِجَتِي بِلَهْجَةٍ مَشُوبَةٍ، صَارُوا، لِمُدَّةِ قَرْنٍ، حُرَّاساً غَيْرَ مُتَوَقَّعِينَ لِشَوَاطِئِي.
وَلَا نَنْسَ بَنِي السُّودَانِ، الكَنَاوَةَ، الَّذِينَ أَلْقَتْهُمْ قَوَافِلُ الصَّحْرَاءِ عَلَى ضِفَافِي كَحَبَّاتِ رَمْلٍ سَوْدَاءَ. جَاءُوا بِإِيقَاعِ الطُّبُولِ، وَنَشْوَةِ المَفْتُونِينَ، وَشَجَنِ الغُرْبَةِ؛ فَاحْتَضَنَتْهُمْ زَوَايَايَ، وَتَحَوَّلَتْ قُيُودُهُمْ، بَعْدَ أَنْ دُلِكَتْ بِالأَرْضِ، إِلَى عِيدَانٍ. أُولَئِكَ أَيْضاً مِنْ مَائِي، العَمِيقِ الخَفَّاقِ.
ثُمَّ جَاءَ آخِرُونَ، الفِلَسْطِينِيُّونَ، نَازِحِينَ بِمَفَاتِيحِهِمِ الصَّدِئَةِ وَأَحْلَامِ زَيْتُونِهِمِ الضَّائِعِ. وَضَعُوا حَقَائِبَهُمْ عَلَى سُهُولِي، فَشَعَرْتُ بِكَآبَتِهِمْ تَسِيلُ فِي مَجْرَايَ كَرَافِدَ ثَقِيلَةٍ، لَكِنَّهَا خَصِيبَةٌ. هُمْ أَيْضاً، يَوْماً مَا، سَيَغْرِسُونَ أَبْنَاءَهُمْ كَالتِّينِ فِي تِلَالِي. فَإِنِّي لَمْ أَنْتَهِ أَبَداً عَنْ كِتَابَةِ نَفْسِي.
هَكَذَا، قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ، شَقَّتْ مِيَاهِي مَضَايِقَ تَوْدْغَةَ، وَوِدْيَانَ سُوسَ، وَهَضَابَ الرَّحَامْنَةِ، ثُمَّ تَوَهَّتْ فِي المُحِيطِ الأَطْلَسِيِّ عِنْدَ الصَّوِيرَةِ، حَيْثُ تَمْزِجُ الرِّيَاحُ مِلْحَ الغُزَاةِ بِعَرَقِ الصَّيَّادِينَ. حَمَلْتُ المَرْكَبَاتِ الرُّومَانِيَّةَ، وَقَوَافِلَ البَرْبَرِ، وَغَارَاتِ المُرَابِطِينَ، وَمَوَاكِبَ الطُّرُقِ الصُّوفِيَّةِ، وَشَاحِنَاتِ المُسْتَعْمِرِينَ، وَمُوَكِّبَاتِ الاِسْتِقْلَالِ. كُلُّهُمْ شَرِبُوا مِنِّي. كُلُّهُمْ أَلْقَوْا رَوَاسِبَهُمْ فِي غِرْسِي: كَلِمَةً، عَادَةً، مُوَرِّثَةً، لَحْناً، بَهَاراً — كَمُّونَ الجَنُوبِ، وَزَعْفَرَانَ تَافِيلَالْتَ، وَشَايَ النَّعْنَاعِ فِي قِمَمِ الأَطْلَسِ. وَكُلُّهُمْ، فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، صَارُوا مِلْكِي، مُوَاطِنِينَ كَامِلِي الحُقُوقِ فِي هَذَا البَلَدِ المَضْيَافِ بِالفِطْرَةِ.
يَظُنُّونَ أَنِّي أَتَغَيَّرُ. يَظُنُّونَ أَنِّي أَضِيعُ فِي البَحْرِ، هُنَاكَ فِي الغَرْبِ، حَيْثُ تَمُوتُ الشَّمْسُ. لَكِنِّي لَا أَضِيعُ أَبَداً. أَتَبَخَّرُ ضَبَاباً فَوْقَ الأَطْلَسِ، لِأَعُودَ ثَلْجاً عَلَى قِمَّةِ تُوبْقَالَ، فَأَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ. لِأَنِّي لَسْتُ خَطّاً مُسْتَقِيماً، بَلْ دَوْرَةٌ. اتَّسَعَ مَجْرَايَ، وَاكْتَظَّتْ ضِفَافِي بِالمَدَائِنِ المَزْدَحِمَةِ — مَرَّاكُشُ الحَمْرَاءُ، وَفَاسُ الرُّوحَانِيَّةُ، ومكناسة الزيتون، وَالرِّبَاطُ البَيْضَاءُ، وَالدَّارُ البَيْضَاءُ المَأْخُوذَةُ بِالجُنُونِ — حَيْثُ تَمْتَزِجُ الأَصْوَاتُ فِي نَشِيدٍ وَاحِدٍ مُتَعَدِّدِ الأَلْحَانِ.
◇◇◇◇◇◇◇
الجزء الثاني: الحِوَارُ البَاطِنِيُّ.
لَكِنَّ النَّهْرَ، بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ، يُحِبُّ أَنْ يَتَأَمَّلَ نَفْسَهُ فِي مَرَايَا مُلْتَوَيَاتِهِ. وَذَاتَ مَسَاءٍ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَضْوَاءُ مَرَّاكُشَ تَتَحَوَّلُ إِلَى اللَّوْنِ الأُحْمَرِ المُحْتَرِقِ، اتَّخَذَ شَكْلَ رَجُلٍ وَجَلَسَ عَلَى ضَفَّتِهِ، لِيُحَادِثَ ذَاتَهُ. لَمْ يَعُدْ يَدْرِي هَلْ هُوَ المَاءُ الَّذِي يَسْأَلُ أَمِ الضِّفَّةُ الَّتِي تُجِيبُ.
— تَقُولُ إِنَّكَ لَا تَضِيعُ أَبَداً، قَالَ الرَّجُلُ لِلْمَاءِ. لَكِنَّنِي أَنَا، فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، أَضِيعُ. لَا أَعُودُ أَدْرِي مِنْ أَيَّةِ طَبَقَةٍ جِئْتُ. هَلْ أَنَا أَمَازِيغِيٌّ بِهَذَا الجَدِّ السُّوسِيِّ، أَو بِهَذِهِ الجَدَّةِ الرِّيفِيَّةِ، أَمْ أَنْدَلُسِيٌّ بِهَذَا السَّلَفِ المَنْسِيِّ الَّذِي عَبَرَ المَضِيقَ فِي الاِتِّجَاهِ الآخَرِ؟ أَحْمِلُ فِي دَاخِلِي أَسْمَاءً لَا أَفْهَمُهَا، وَأَطْعِمَةً جَهِلْتُ أُصُولَهَا، وَصَلَوَاتٍ تَتَرَادَفُ بِلُغَاتٍ ثَلَاثٍ.
فَضَحِكَ النَّهْرُ — ضِحْكَةَ الحَصَى الَّذِي يَتَدَحْرَجُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
— تَطْرَحُ السُّؤَالَ كَأَنَّ الجَوَابَ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاحِداً. لَكِنْ انْظُرْ إِلَى مَجْرَايَ: هَلْ تَظُنُّ أَنَّ حَجَراً وَاحِداً يَكْشِفُ سِرَّ مَسَارِي؟ أَنْتَ أَيْضاً نَهْرٌ صَغِيرٌ، يَا بُنَيَّ. تَحْمِلُ فِيكَ مَا أَحْمِلُهُ أَنَا كَبِيراً. لَا تَبْحَثْ عَنِ المَنْبَعِ الصَّافِي — فَذَاكَ لَا يَقُومُ إِلَّا فِي أُسَاطِيرِ الإِفْرِيقِيِّينَ. اِبْحَثْ عَمَّا صَنَعْتَهُ بِهَذِهِ الرَّوَافِدِ كُلِّهَا. هَلْ تَعَلَّمْتَ أَنْ تُرَقِّصَ تَنَاقُضَاتِكَ كَمَا يُرَقِّصُ كْنَاوَةُ مَجَانِينَهُمْ؟
— لَكِنَّكَ، أَلَحَّ الرَّجُلُ، تَقُولُ “امْتَصَصْتُ” وَ”هَضَمْتُ”، كَأَنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ سَوَاءٌ، كَأَنَّ الرُّومَانَ وَالأَمَازِيغَ، وَالمُسْتَعْمِرِينَ وَالمَنْفِيِّينَ، هُمْ مَاءٌ وَاحِدٌ. أَلَيْسَ فِي مَجْرَاكَ جِرَاحٌ؟ أَلَيْسَتْ فِيهِ رَوَاسِبُ أَمَرُّ مِنْ غَيْرِهَا؟
سَكَتَ النَّهْرُ لَحْظَةً. وَانْقَطَعَ الهَوَاءُ عَنْ تَحْرِيكِ أَسَلِ الضَّفَّةِ. تَذَكَّرَ مَحَارِقَ التَّوْرَاهِ، وَمَرَاسِيمَ الطَّرْدِ، وَحُرُوبَ القَبَائِلِ، وَالْمَجَاعَاتِ، وَالحِمَايَاتِ الَّتِي سَعَتْ إِلَى سَلْبِ اسْمِهِ.
— مَا أَصْدَقَ سُؤَالَكَ. إِنِّي لَسْتُ مَخْلُوقاً مِنَ العَسَلِ وَزَهْرِ النَّارِنْجِ وَحْدَهُمَا. لَقَدْ حَمَلْتُ أَيْضاً القُيُودَ، وَالأَرَاضِيَ المُصَادَرَةَ، وَالحُدُودَ الَّتِي رُسِمَتْ بِالمِسْطَرَةِ بِيَدٍ لَا تَعْرِفُنِي. لَا أَنْسَى شَيْئاً — لَا رِفْقَةَ لِي بِهَذَا. لَكِنِّي أُحَوِّلُ. هَذِهِ هِيَ كِيمِيَائِي الوَحِيدَةُ ضِدَّ اليَأْسِ: لَا أَتْخَلَّى عَنْ أَيِّ مَاءٍ، حَتَّى أَكْدَرَهُ، لِأَنَّ التَّخَلِّيَ عَنْهُ يُجَفِّفُ جُزْءاً مِنِّي. الجِرَاحُ أَيْضاً، مَعَ الزَّمَنِ، تُصْبِحُ جُذُوراً، إِنْ لَمْ نَتْرُكْهَا وَحِيدَةً تَلْتَئِمُ فِي الظُّلْمَةِ. انْظُرْ إِلَى أَحْيَاءِ المَلَّاحِ: كَانَتْ سُجُوناً، فَأَصْبَحَتْ مَكَاناً لِلذَّاكِرَةِ. انْظُرْ إِلَى الثُّكُنَاتِ العَسْكَرِيَّةِ القَدِيمَةِ: تُؤُوِيهَا اليَوْمَ مَدَارِسُ تُعَلِّمُ الأَمَازِيغِيَّةَ وَالعَرَبِيَّةَ.
— وَأَنَا إِذاً؟ مَاذَا أَصْنَعُ بِهَذَا المَزِيجِ الَّذِي أَنَا؟
— سِرْ، قَالَ النَّهْرُ. لَا تَسْعَ إِلَى أَنْ تَكُونَ شَيْئاً وَاحِداً. كُنْ أَمَازِيغِيّاً فِي الصَّبَاحِ، عَرَبِيّاً عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، أَنْدَلُسِيّاً فِي الغُرُوبِ، كَنَاوِيّاً فِي سَمَرِ اللَّيْلِ، وَمَغْرِبِيّاً فِي كُلِّ سَاعَةٍ، بِلَا تَنَاقُضٍ — كَمَا أَنَا، فِي الآنِ ذَاتِهِ، جَبَلٌ وَضِيقَةٌ وَوَادٍ وَسَهْلٌ، دُونَ أَنْ أَتَوَقَّفَ لَحْظَةً عَنْ كَوْنِي النَّهْرَ ذَاتَهُ. فِي اليَوْمِ الَّذِي تَقْبَلُ فِيهِ أَنَّكَ طَبَقَاتٌ لَا وَحْدَةٌ، تَتَحَرَّرُ مِنَ الضَّيَاعِ. فَالوَحْدَةُ المَفْرُوضَةُ قَيْدٌ، وَالتَّنَاغُمُ المُخْتَلَقُ عُرْسٌ.
طَالَ مُكُوثُ الرَّجُلِ عَلَى تِلْكَ الضَّفَّةِ، يُحَدِّقُ فِي المَاءِ الَّذِي لَا يَسِيلُ، أَوْ يَسِيلُ بِبُطْءٍ لَا تُدْرِكُهُ العَيْنُ — كَتَارِيخِ بَلَدٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ الكِتَابَةِ فِي سَرِيرِ تَنَاقُضَاتِهِ. ثُمَّ قَامَ، وَبَيْنَمَا كَانَ يَبْتَعِدُ، سَمِعَ النَّهْرَ يَهْمِسُ فِي قَفَاهُ: «لَسْتَ هَجِيناً؛ بَلْ أَنْتَ جِسْرٌ. وَالجِسْرُ لَا يَنْتَمِي إِلَى أَيِّ ضَفَّةٍ، بَلْ هُوَ النِّعْمَةُ الَّتِي تَصِلُ بَيْنَهُمَا.»
◇◇◇◇◇◇◇
الجزء الثالث: مَجْلِسُ الرَّوَافِدِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ يَبْتَعِدِ الرَّجُلُ كَثِيراً. جَلَسَ فِي مَكَانٍ أَقْصَى، وَإِذَا بِالأَصْوَاتِ تَتَعَالَى وَاحِدَةً فَوْقَ وَاحِدَةٍ مِنْ بَيْنِ المَاءِ، كَفَقَاقِيعَ تَصْعَدُ مِنْ قَعْرٍ قَدِيمٍ جِدّاً، وَتَكَلَّمَ كُلٌّ مِنْهَا بِدَوْرِهِ. لَمْ يَعُدِ النَّهْرُ هُوَ المُتَكَلِّمَ الوَحِيدَ، بَلْ جَمِيعُ ذَاكِرَاتِ شَعْبِهِ اجْتَمَعَتْ فِي مَجْلِسٍ قَدِيمِ العَهْدِ.
تَكَلَّمَ الأَمَازِيغِيُّ أَوَّلاً، وَصَوْتُهُ خَشِنٌ كَسَفْحِ الأَطْلَسِ الكَبِيرِ:
— أَنَا الصَّخْرَةُ تَحْتَ قَدَمَيْكَ، القَاعِدَةُ الَّتِي لَا تَتَزَحْزَحُ حَتَّى حِينَ يَتَقَلَّبُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلِهَا. وَهَبْتُ النَّهْرَ عَمُودَهُ الفَقْرِيَّ، وَقِمَمَهُ المُكَلَّلَةَ بِالثَّلْجِ، وَلُغَتَهُ الأمَازِيغيَّةَ الَّتِي لَا تَزَالُ تَتَرَدَّدُ فِي نُقُوشِ تيفِينَاغِ عَلَى الصُّخُورِ. دُونِي، مَا كَانَ المَجْرَى لَيُوجَدَ — لَكِنِّي أَعْلَمُ أَيْضاً أَنَّ المَجْرَى وَحْدَهُ، دُونَ المَاءِ الَّذِي يَجْتَازُهُ، مَا هُوَ إِلَّا صَحْرَاءُ صَخْرِيَّةٌ. فَخْرِي لَيْسَ سُوراً؛ بَلْ هُوَ جَذْرٌ.
وَأَجَابَ الفِينِيقِيُّ بِهَمْسٍ مَالِحٍ:
— أَنَا، جَلَبْتُ التِّجَارَةَ وَالأَبْجَدِيَّةَ وَالنَّظَرَةَ المُوَجَّهَةَ نَحْوَ أُفُقِ البَحْرِ. عَلَّمْتُ النَّهْرَ أَلَّا يَخَافَ الفَسَاءَ، وَأَنْ يُرْسِلَ أَبْنَاءَهُ مُجْدِفِينَ حَتَّى أَعْمِدَةِ هَرْقُلَ، فَيَعُودُوا مُحَمَّلِينَ بِالأُرْجُوَانِ وَالأَفْكَارِ الجَدِيدَةِ.
وَنَطَقَ الرُّومَانِيُّ، وَفِي حَلْقِهِ صَدَى أَعْمِدَةِ وَلِيلِي:
— أَرَدْتُ أَنْ أَبْنِيَ سُوراً مُسْتَقِيماً، وَأَنْ أَشُقَّ طُرُقاً لَا تَعْرِفُ الاِعْوِجَاجَ. فَعَلَّمَنِي النَّهْرُ التَّوَاضُعَ: سَقَطَتْ سُورِي إِلَى غُبَارٍ، لَكِنَّ الطُّرُقَ، هُوَ احْتَفَظَ بِهَا — لِقَوَافِلِهِ هُوَ، لَا لِفَيَالِقِي.
وَقَالَ اليَهُودِيُّ، رَافِعاً بَصَرَهُ إِلَى نَجْمٍ خَفِيٍّ، بِلِينِ مَزَامِيرِ المَلَّاحِ:
— جِئْتُ بِالكِتَابِ وَصَبْرِ المَنَافِي الَّتِي لَا تَنْقَضِي. نَسَجْتُ فِي أَحْيَاءِ فَاسَ وَمَرَّاكُشَ ذَاكِرَةً لَمْ تَتَوَقَّفْ عَنِ الحِوَارِ مَعَ ذَاكِرَةِ المَدَائِنِ المُجَاوِرَةِ. صَلَاتِي بِالعِبْرِيَّةِ وَنِدَاءُ المُؤَذِّنِ، طَالَ زَمَانٌ، تَرَادَفَا فَوْقَ الأَسْطُحِ الطِّينِيَّةِ، كَأَخَوَيْنِ لَا يَعُودَانِ يَذْكُرَانِ سَبَبَ خِصَامِهِمَا.
ثُمَّ جَاءَ العَرَبِيُّ، يَحْمِلُ نَفَسَ صَحْرَاءِ الشَّرْقِ المُحْتَرِقَةَ:
— جِئْتُ بِنُورِ الإِيمَانِ العَالَمِيِّ وَلِسَانِ القُرْآنِ. ظَنَنْتُ أَنِّي آمِدُ لِأَفْتَحَ، لَكِنَّ النَّهْرَ هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى صَبْرِهِ العَمِيقِ. لِسَانِي الفُصْحَى انْحَنَى لِدَارِجَتِهِ البَرِّيَّةِ، وَصَحْرَائِي امْتَزَجَتْ بِوِدْيَانِهِ الخَضْرَاءِ، وَعَلِمْتُ أَنَّ الوَحْيَ قَدْ يُزْهِرُ أَيْضاً فِي أَرْضِ ضِيَافَةٍ.
وَأَنْشَدَ الأَنْدَلُسِيُّ، وَصَوْتُهُ مُنْكَسِرٌ بِشَجَنِ غِرْنَاطَةَ:
— أَتَيْتُ وَعَيْنَايَ مَمْلُوءَتَانِ بِحُرْقَةِ قَصْرِ الحَمْرَاءِ. جِئْتُ بِمُوسِيقَى العُودِ، وَحَدَائِقِ المَصَاطِبِ، وَرِقَّةِ عَالَمٍ لَمْ يَعُدْ يُوجَدُ فِي مَكَانٍ آخَرَ. وَهَبَنِي النَّهْرُ أَنْدَلُساً ثَانِيَةً، هُنَا، فِي رِيَاضِهِ وَلَيَالِيهِ الكَنَاوِيَّةِ. أَخَذَ كَآبَتِي وَضَفَرَهَا مَعَ إِيقَاعَاتِهِ.
وَتَمْتَمَ الإِسْبَانِيُّ وَالفَرَنْسِيُّ، تَقْرِيباً فِي آنٍ وَاحِدٍ، بِحَرَجٍ مَازَالَ دَامِغاً لَكِنَّهُ صَادِقٌ:
— أَتَيْنَا غُزَاةً، مَحْمُولِينَ بِيَقِينِنَا وَمَدَافِعِنَا. أَرَدْنَا أَنْ نَجْعَلَ النَّهْرَ مُجَرَّدَ رَافِدٍ مِنْ رَوَافِدِ إِمْبِرَاطُورِيَّاتِنَا. تَرَكَنَا نَعْتَقِدُ، مُدَّةً، أَنَّنَا نَجَحْنَا — ثُمَّ عَادَ إِلَى مَسَارِهِ، أَوْسَعَ وَأَبْطَأَ. لَمَّا رَحَلْنَا، تَرَكَ لَنَا بَعْضَ لُغَاتِنَا، بَعْدَ أَنْ صَارَتْ مِلْكَهُ، مُتَحَوِّلَةً، غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ، لَكِنَّهَا حَيَّةٌ بِغَرَابَةٍ، كَطُعْمٍ بَرِّيٍّ.
وَأَخِيراً، خَرَجَ الكَنَاوِيُّ مِنْ أَعْمَاقِ المَاءِ الأَسْوَدِ، يَحْمِلُ حَدِيدَهُ المَرِحَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ:
— لَمْ تَرَنِي فِي الفُصُولِ الأُولَى، لِأَنَّنِي كُنْتُ دَائِماً مُهْمشاً فِي الهَوَامِشِ. لَكِنَّنِي جِئْتُ بِنَفْسِ الجَنُوبِ العَمِيقِ، وَإِيقَاعِ الطَّبْلِ، وَالنَّشْوَةِ، وَزَرْقَةِ غِمْبْرِي. فَتَحَ لِي النَّهْرُ زَوَايَاهُ، وَاعْتَنَقَ أَذْكَارِي، وَجَعَلَ مِنْهَا جِسْراً بَيْنَ صَحْرَاءِ الرِّمَالِ وَمُحِيطِ الشُّكُوكِ. أَنَا النَّبْضُ اللَّيْلِيُّ لِلْمَغْرِبِ.
وَاخْتَرَقَ الفِلَسْطِينِيُّ، آخِرُ المَوْلُودِينَ، الصَّمْتَ، وَصَوْتُهُ مَازَالَ ثَقِيلاً بِحَقِيبَةِ لجوئِهِ:
— أَنَا الأَحْدَثُ، ذَاكَ الَّذِي يَصِلُ بِمَفَاتِيحِهِ الصَّدِئَةِ وَخَرَائِطِهِ المُمَزَّقَةِ. لَا أَعْرِفُ بَعْدُ مَاذَا سَأُصْبِحُ فِي هَذَا المَجْرَى. لَكِنَّنِي، مُنْذُ الآنَ، أُحِسُّ أَنَّ النَّهْرَ لَا يُعَامِلُنِي كَغَرِيبٍ عَابِرٍ. إِنَّهُ يَصْنَعُ لِي مَكَاناً، كَمَا صَنَعَ لِجَمِيعِ الآخَرِينَ قَبْلِي. إِنَّهُ يُعَلِّمُنِي أَنَّ الأَرْضَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ مَكَاناً، بَلْ كَيْفِيَّةُ احْتِضَانٍ.
ثُمَّ هَبَطَ الصَّمْتُ عَلَى المَاءِ، أَثْقَلَ وَأَكْثَرَ سَكِينَةً مِنْ حِجَابِ الصَّلَاةِ. وَإِذَا بِالنَّهْرِ نَفْسِهِ، بِصَوْتٍ يَحْتَوِي الآنَ عَلَى جَمِيعِ الأَصْوَاتِ، يَتَكَلَّمُ لِيَخْتِمَ المَجْلِسَ:
— أَرَأَيْتُمْ، يَا أَبْنَائِي؟ لَيْسَ أَحَدُكُمْ، وَحْدَهُ، هُوَ المَغْرِبُ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، هُوَ المَغْرِبُ. ظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ جِئْتُمْ لِتَزُورُونِي، أَوْ لِتَعْبُرُونِي، أَوْ رُبَّمَا لِتَفْتَحُونِي. فِي الحَقِيقَةِ، أَنَا مَنِ امْتَصَّكُمْ، وَاحِداً وَاحِداً، دُونَ أَنْ أُذِيبَكُمْ كُلِّياً — لِأَنَّ هَذَا هُوَ سِرِّي: لَا أَجْعَلُ مِنْكُمْ مَاءً رَمَادِيَّاً مُوَحَّداً. بَلْ أُبْقِيكُمْ مُمَيَّزِينَ، كَتِيَّارَاتٍ تَتَقَاطَعُ دُونَ أَنْ تَنْدَمِجَ، كَتَوَابِلِ الطَّجِينِ الَّتِي تَحْفَظُ نَكْهَاتِهَا رَغْمَ اشْتِرَاكِهَا فِي الطَّبْقِ نَفْسِهِ. هَذَا التَّنَوُّعُ عَيْنُهُ هُوَ قُوَّتِي، لَا مَاضٍ مِثَالِيٌّ نُحَنُّ إِلَيْهِ.
لِذَلِكَ، يَسْتَطِيعُ المَغْرِبِيُّ اليَوْمَ أَنْ يُحَادِثَ جَدَّتَهُ بِالأَمَازِيغِيَّةِ، وَيَتْلُوَ القُرْآنَ بِالعَرَبِيَّةِ الفُصْحَى، وَيُرَنِّمَ نَوْبَةً أَنْدَلُسِيَّةً، وَيُنَاقِشَ مِلَفّاً إِدَارِيّاً بِالفَرَنْسِيَّةِ، وَيَشْتُمَ بِالإِسْبَانِيَّةِ حِينَ يَغْضَبُ، وَيَرْقُصَ عَلَى إِيقَاعِ كنَاوَةِ حَتَّى الفَجْرِ — دُونَ أَنْ يَشْعُرَ أَبَداً أَنَّهُ يَخُونُ نَفْسَهُ. لِذَلِكَ، عَرَفَ المَغْرِبُ عَلَى مَرِّ العُصُورِ أَنْ يَنْفَتِحَ عَلَى الحَضَارَاتِ دُونَ أَنْ يَفْقِدَ رُوحَهُ: لِأَنَّ رُوحَهُ لَمْ تَكُنْ قَطُّ تِمْثَالاً، بَلْ نَهْراً — قَادِراً أَنْ يُرَحِّبَ بِأَلْفِ مَاءٍ دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ كَوْنِهِ نَفْسَهُ.
أَنَا ذَاكِرَتُكُمُ المُشْتَرَكَةُ، أَقْوَى مِنْ جَمِيعِ الحُدُودِ. لَا أَنْسَى أَحَداً مِنْكُمْ، لَا مَجْدَكُمْ وَلَا أَصْمَاتَكُمْ. فِي اليَوْمِ الَّذِي يَبْحَثُ فِيهِ العَالَمُ عَنْ مِثَالٍ لِحَضَارَاتٍ تَوَاصَلَتْ دُونَ أَنْ تَتَدَمَّرَ، وَتَمَازَجَتْ دُونَ أَنْ تَتَلَاشَى، وَتَجَرَّعَتِ الأَلَمَ دُونَ أَنْ تَتَحَاقَدَ، فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَلْتَفِتَ نَحْوَ ضِفَافِي، وَنَحْوَ جِبَالِي، وَنَحْوَ مُحِيطِي. لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ رَوَافِدِي الضَّائِعَةَ فِي تِيَّارِي: بَلْ أَنْتُمْ ثَرْوَتِي المَرْئِيَّةُ، وَزَبَدُ تَارِيخِي، وَمِلْحُ أَرَاضِيَّ.
فِي تِلْكَ الضَّفَّةِ، تِلْكَ اللَّيْلَةَ، خَرَسَتِ الأَصْوَاتُ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى — لَا فِي صَمْتِ النِّسْيَانِ، بَلْ فِي صَمْتِ مَجْلِسِ حُكَمَاءَ تَصَالَحُوا أَخِيراً مَعَ الزَّمَنِ. نَهَضَ الرَّجُلُ، وَقَلْبُهُ أَخَفُّ مِنْ هَوَاءِ سُوسَ. كَانَ قَدْ أَدْرَكَ أَنَّ المَغْرِبَ لَيْسَ أُمَّةً بَيْنَ الأُمَمِ؛ بَلْ نَفَسُ العَالَمِ نَفْسُهُ. وَأَنَّهُ فِي هَذَا النَّهْرِ السَّاكِنِ العَظِيمِ، كُلُّ قَطْرَةٍ، حَتَّى أَصْغَرَهَا، تَحْتَوِي المُحِيطَ بِأَسْرِهِ.
هَكَذَا أَسِيلُ، جَلِيلاً وَهَادِئاً، مُنْذُ أَنْ وَقَفَ أَوَّلُ البَشَرِ عَلَى صُخُورِي، وَإِلَى نِهَايَةِ الدَّهْرِ — حِينَ تَمَلُّ البِحَارُ مِنْ شُرْبِي، فَتُعِيدُنِي إِلَى مَنْبَعِي، لِتَبْدَأَ الحِكَايَةُ مِنْ جَدِيدٍ، فِي دَوْرَةٍ أُخْرَى مِنَ الأَمْوَاجِ وَالضِّيَافَةِ، مِنَ الأَلَمِ وَالفَرَحِ.
فَهَذِهِ هِيَ وَسْمَتِي: أَنْ أَكُونَ المَجْرَى الَّذِي لَا يَخْتَارُ بَيْنَ مِيَاهِهِ، بَلْ يَحْمِلُهَا جَمِيعاً، مَعَاً، نَحْوَ الأُفُقِ حَيْثُ تَمُوتُ الشَّمْسُ فِي بَهَاءٍ، لِتُبْعَثَ كُلَّ صَبَاحٍ أَغْنَى بِكُلِّ الغُرُوبَاتِ الَّتِي رَآهَا.
