أخبارفي الصميممجتمع

مدونة الشغل المغربية وحتمية الإصلاح في عصر الرقمنة

بقلم: محمد خوخشاني

بقلم: محمد خوخشاني

نحو نموذج اجتماعي يواكب متطلبات العصر.

المغرب، كدولة صاعدة في مفترق طرق تاريخي، مطالب بأن يزود سوق شغله بإطار قانوني يليق بتحديات القرن الحادي والعشرين. ولم يعد السؤال هل تحتاج مدونة الشغل المغربية (القانون 65-99، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2004) إلى تحديث، بل كيف يمكن تنسيق هذا الإصلاح ليلبي متطلبات العصر التكنولوجي الجديد، على غرار الديمقراطيات الحديثة حيث يحظى القطاع الاجتماعي بمكانة محورية في الدينامية الاقتصادية.

الاستعجال الاجتماعي: لماذا تم إعطاء الأولوية لقطاع الحراسة الخاصة؟

قبل الخوض في تحديات الذكاء الاصطناعي أو العمل عن بعد، شرع المشرع المغربي في معالجة ملف أكثر إلحاحاً: تطهير قطاع الحراسة الخاصة. وهذا الخيار الاستراتيجي جاء استجابة لثلاثية استعجالية:

● هشاشة ممنهجة: عرف القطاع توسعاً كبيراً في السنوات الأخيرة، مشغلاً مئات الآلاف من الأشخاص في ظروف غير لائقة في كثير من الأحيان (ساعات عمل شاقة تصل إلى 12 ساعة، عدم أداء مستحقات الساعات الإضافية، غياب التصريح بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي). وكان لابد من إطفاء حريق اجتماعي قبل إعادة بناء المنزل بأكمله.
● إجماع في الحوار الاجتماعي: إصلاح مدونة الشغل برمتها يثير تقليدياً توترات بين النقابات والاتحاد العام لمقاولات المغرب. في المقابل، فإن تطهير قطاع الحراسة الخاصة يحظى بإجماع، لأنه يهدف في آن واحد إلى حماية العمال وضبط قطاع استراتيجي مرتبط بالأمن العام.
● محاربة الاقتصاد غير المهيكل: مكّن هذا التعديل من وضع حد لممارسات المنافسة غير المشروعة عبر فرض كراسات شروط صارمة على مقاولات القطاع.

غير أن هذه الخطوة، رغم كونها نبيلة، ليست سوى مسكن لجرح عميق. والمعركة الحقيقية لمستقبل المغرب الاقتصادي تدور في أرض التحولات الرقمية.

ورش الإصلاح الأساسية لمنظومة شغلية متطورة.

إذا أراد المغرب البقاء منافساً وحامياً في آن واحد، فعليه أن يستلهم من المعايير الدولية وأن يبني نموذجاً من المرونة المضمونة (flexisécurité)، يجمع بين المرونة التي تحتاجها المقاولات والضمانات القانونية والاجتماعية الضرورية للأجراء. ويحذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من “الفراغ القانوني المتنامي” في مواجهة تنامي أشكال الشغل الجديدة.

1. الإطار القانوني للعمل عن بعد.

تتجاهل المدونة الحالية بشكل شبه كلي العمل عن بعد، رغم أنه أصبح ممارسة لا غنى عنها. ويتعين تحديد الجوانب العملية: تحمل التكاليف (الاتصال، المعدات)، تغطية حوادث الشغل في المنزل، وتأطير أوقات العمل لتجنب “انجراف ساعات العمل”.

2. الحق في الانفصال الرقمي.

مع تعميم الأدوات الرقمية (واتساب، البريد الإلكتروني)، أصبح الحد الفاصل بين الحياة الخاصة والحياة المهنية مشتعلاً. ويشدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على أن العمل عن بعد “يميل إلى إرباك المعايير”. ومن ثم أصبح إدراج حق الأجير في عدم الرد على الطلبات المهنية خارج ساعات العمل القانونية ضرورة صحية عمومية للوقاية من الإرهاق المهني.

3. وضعية عمال منصات العمل الرقمية (اقتصاد الوظائف المؤقتة).

هذا هو أكبر تحدٍ في مسلسل التحديث. فعمال التوصيل، وسائقو سيارات الأجرة الخاصة، والعاملون المستقلون على المنصات الرقمية يعيشون في فراغ قانوني تام. يُعتبرون “مقاولين ذاتيين” بينما هم في واقع الأمر يخضعون لعلاقة تبعية اقتصادية فعلية دون الاستفادة من حماية الأجراء (الضمان الاجتماعي، حوادث الشغل).

وفي مواجهة الإضرابات والحركات الاحتجاجية لهؤلاء العمال، فتح وزير الشغل يونس سكوري ورش تنظيم هذا القطاع، بالاستئناس بنماذج أجنبية كالمكسيك. والهدف هو إحداث وضعية هجينة تضمن حماية اجتماعية دنيا، دون خنق مرونة النموذج الاقتصادي. ومن شأن المصادقة الأخيرة على اتفاقية دولية بشأن هذا الموضوع من طرف منظمة العمل الدولية أن تسرع المسلسل.

4. القانون التنظيمي للإضراب.

“أفعى” التشريع المغربي، فغياب قانون تنظيمي يؤطر الحق في الإضراب يخلق هشاشة مزمنة. وإن إصدار هذا القانون أصبح ضرورياً لتحديد فترة الإخطار، والخدمة الدنيا (خاصة في القطاعات الحيوية)، وتوفير رؤية واضحة للمستثمرين، مع صون الحقوق الدستورية.

5. مرونة إنهاء العلاقة الشغلية وتعويض فقدان الشغل.

يُعتبر نظام الفصل للأسباب الاقتصادية الحالي جامداً، مما يدفع بعض المقاولات نحو القطاع غير المهيكل. ومن الملح تليين هذه المساطر مع تعزيز تعويض فقدان الشغل لحماية الأجراء في حالة إعادة الهيكلة المرتبطة بالأتمتة أو الذكاء الاصطناعي.

خاتمة: نحو ميثاق اجتماعي جديد.

يقف المغرب عند منعطف تاريخي. فعلى مدونة الشغل أن تتوقف عن كونها أداة مواجهة صارمة بين “المشغل والأجير”، لتصبح رافعة للأداء الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. وكما يدعو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، يتعلق الأمر بـ”ضمان كرامة العمال في سياق ابتكار متسارع”. ولا ينبغي أن يهدف الإصلاح إلى مجرد تكييف تقني، بل إلى عقد اجتماعي جديد قادر على تحويل “الأوبرية” إلى “محرك دائم للتحديث والنمو والإدماج الاجتماعي”. المغرب، كدولة ناشئة، يمتلك المؤهلات لتحقيق ذلك، شريطة أن يقدم على إصلاح جريء، حمائي، ورؤيوي.

◇◇◇◇◇◇◇

المصطلحات الأساسية الواردة في النص:

● مدونة الشغل: Code du travail
● الحراسة الخاصة: Sécurité privée
● الحوار الاجتماعي: Dialogue social
● المرونة المضمونة: Flexisécurité
● اقتصاد الوظائف المؤقتة: Économie des plateformes / Gig economy
● الحق في الانفصال الرقمي: Droit à la déconnexion
· تعويض فقدان الشغل: Indemnité pour perte d’emploi (IPE)

زر الذهاب إلى الأعلى
Soyez le premier à lire nos articles en activant les notifications ! Activer Non Merci