<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>مذكرات طفل من جرسيف &#8211; Le collimateur</title>
	<atom:link href="https://lecollimateur.ma/ar/tag/%D9%85%D8%B0%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B7%D9%81%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%AC%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D9%81/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://lecollimateur.ma/ar</link>
	<description>Le goût de la vérité n&#039;empêche pas la prise de parti</description>
	<lastBuildDate>Tue, 10 Feb 2026 10:41:21 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0.2</generator>

<image>
	<url>https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2022/11/cropped-logo-32x32.png</url>
	<title>مذكرات طفل من جرسيف &#8211; Le collimateur</title>
	<link>https://lecollimateur.ma/ar</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>مرافئ الحياة (23). مذكرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204770</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 10 Feb 2026 10:41:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204770</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني تنطلق الحافلة بأنين مألوف. تجلس قرب النافذة، تكاد تلامس جبينك الزجاج البارد. الطريق يمتد ببطء، كأنه يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالًا عابرًا، بل عبورًا في الذاكرة. يهتز المحرك، ومع اهتزازه تعود الوجوه، التواريخ، والاختيارات التي لم تكتبها يومًا، لكنها سكنت حياتك حتى الأعماق. تسأل نفسك، مرة أخرى — ولعلها الأخيرة —: &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="(max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>تنطلق الحافلة بأنين مألوف.</p>
<p>تجلس قرب النافذة، تكاد تلامس جبينك الزجاج البارد. الطريق يمتد ببطء، كأنه يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالًا عابرًا، بل عبورًا في الذاكرة. يهتز المحرك، ومع اهتزازه تعود الوجوه، التواريخ، والاختيارات التي لم تكتبها يومًا، لكنها سكنت حياتك حتى الأعماق.</p>
<p>تسأل نفسك، مرة أخرى — ولعلها الأخيرة —: ماذا لو…؟ ماذا لو، بعد السابع من شتنبر 1971، بعد سقوط العمود الذي كان يسند البيت، اخترت طريق الهروب؟ ماذا لو سلكت، مثل عياد، درب الحياة الفردية، بعيدًا عن الجميع، تاركًا وراءك أمًا ما تزال في ريعان الأربعين، وإخوةً وأختًا، وظلّ الغياب الأبدي للأب؟</p>
<p>لكنك تعرف الجواب سلفًا. عرفته باكرًا، بالفطرة: البقاء. الصمود. عدم كسر الدائرة. وقبل أن تختار أنت البقاء، كانت هي قد اختارت. أمك، تلك الأرملة ذات الأربعين عامًا، التي باغتها الترمل باكرًا، كان بإمكانها أن تستسلم، أن تترككم لتقلبات القدر أو لأحكام الفقر القاسية. لكنها لم تفعل. بقيت واقفة، منتصبة في وجه العاصفة، تجمع أبناءها حولها كما تجمع الدجاجة فراخها حين يداهمها الخطر. لم تترككم لمصيركم أبدًا.</p>
<p>احتضنتكم جميعًا، واحدةً واحدة، بيقظة لا تنام، وصبرٍ مشبعٍ بالتضحيات الصامتة، وليالٍ طويلة بلا شكوى. حملت وحدها ثقل الفقد، والخوف من الغد، وغموض المستقبل، دون أن تسمح لمرارته أن تتسرب إلى قلوبكم. لم تكن مقاومتها صاخبة ولا بطولية بالمعنى المتداول؛ كانت مقاومة يومية، عنيدة، متجذرة في إيمان عميق بأن أبناءها لن يُتركوا للتيه.</p>
<p>ومن بين فراخها، كان هناك فرخ أخذته بيده باكرًا.</p>
<p>في أكتوبر 1958، قادتك بنفسها إلى المدرسة العصرية، وكأنها كانت ترى، قبل الجميع، أن الخلاص سيمر من هناك. كان ذلك الفعل البسيط في ظاهره فعلَ إيمانٍ عظيم في جوهره: إيمان امرأة راهنت على المعرفة كسلاح ضد الفقر، وعلى المدرسة كطوق نجاة لعائلة بأكملها.</p>
<p>أن تبقى، بالنسبة لك، لم يكن سوى امتداد لذلك الاختيار الأول. كان رفضًا للتشظي الذي بدا أن القدر يفرضه عليكم. كان سدًّا في وجه الفقر، ذلك الوحش الصبور الذي ينتظر لحظة الضعف. أمك، رغم شبابها الذي لم يخفت، لم تفكر يومًا في أن تبدأ حياة أخرى بعيدًا عنكم. كانت قد نذرت نفسها لمسار واحد: أن توصلكم جميعًا، واحدًا تلو الآخر، إلى بر الأمان.</p>
<p>كان بإمكان ناصر أن يتزوج. وكان بإمكانك أنت، منذ أكتوبر 1973، وأنت لم تتجاوز التاسعة عشرة، أن تنطلق في حياتك الخاصة، أستاذًا حديث التعيين، وأفق المستقبل مفتوح أمامك. لكنك كنت، في سنٍّ يفكر فيه الآخرون بأنفسهم، قد تهيأت لأداء دورك — لا صدفة، بل تربيةً وتكوينًا. كنت مستعدًا لتحمل تلك المهمة النبيلة، مهمة إنقاذ العائلة، التي أعدّتك لها أمك بصمت، دون أن تسميها يومًا.</p>
<p>لم يحدث شيء من ذلك بدافع القطيعة. لأن البقاء معًا كان عهدًا غير مكتوب، صاغته هي أولًا، ثم حملته أنت. عرفتم قسوة الأيام الخالية من الوعود. فقرٌ خفّف وطأته حضور الأب في حياته، ثم جرى تطويقه بعد رحيله بكرامة الأم الصلبة، وبالدخل المتواضع الذي كان ناصر يجنيه من عمله في مقاهي القرية، وفي فندق ومطعم المسافرين، وبجهودك أنت أيضًا، عبر أعمال صغيرة وضيعة، أنجزتها بالتوازي مع دراستك، دون ضجيج أو ادعاء.</p>
<p>تمضي في الحياة كما يُخاض نهر بارد: خطوة خطوة، دون تهور. ثم، ببطء، وبلا جلبة، تبدأ الأحوال في التحسن. يصبح راتبك كأستاذ قاعدةً صلبة. تبدأ معلمًا متدربًا، مكلفًا بتدريس علوم الحياة والأرض بإعدادية جرسيف، وتنهي مسارك أستاذًا مكوِّنًا، مسؤولًا عن طلبة يحملون على الأقل شهادة الباكالوريا زائد سنتين، تساهم، رفقة زملائك، في إعدادهم ليصبحوا أساتذة إعدادي. بين الضفتين، حياة كاملة من الجهد، والثبات، وتحمل المسؤولية — مسؤولية أبٍ لم يكن أبًا بيولوجيًا، لكنه كان سندًا لأسرة كاملة.</p>
<p>ترى إخوتك وهم يشقون طريقهم. ميلود وعبد الله يلتحقان بالقوات المساعدة. كريمة تؤسس بيتها بفرنسا.<br />
حسن يلج عالم الشغل داخل جماعة مكناس. نور الدين ينجح في التجارة. ناصر، الحاضر دائمًا، الوفي كظلّ رحيم، لا ينقصه شيء — سوى الزمن الذي ستختطفه منه المنية سنة 2008، بعد أن سبقتها أمكم إلى الرحيل في دجنبر 1999. وبقناعة راسخة، لم يرغب ناصر يومًا في الزواج، كأنما جعل من الأخوة التزامًا نهائيًا.</p>
<p>اليوم، باستثناء ناصر، الجميع متزوجون. لكل واحد ثلاثة أبناء، أو أربعة بالنسبة لكريمة، مع سعيد الابن الأكبر، الذي أصبح هو نفسه أبًا لثلاث بنات. الحياة تفرعت، وتكاثرت، واتسعت.</p>
<p>وأنت، وقد اكتسبت مسافة النظر، تدرك أخيرًا معنى الدور الذي قمت به: كنت ممولًا، نعم، لكنك كنت قبل ذلك حارس البوصلة، امتدادًا لتلك المرأة التي رفضت الانكسار منذ البداية. ثمانية وعشرون عامًا من ترمل أمك، وأسرة كاملة حملتها حتى اشتد عودها، إلى أن صار لكل واحد جناحاه.</p>
<p>أنت اليوم في الثانية والسبعين. لا ندم. لا شعور بالذنب. فقط اعتزاز هادئ، رصين، بأنك صمدت حين كان الصمود واجبًا، وأنك أنقذت أهلك من جحيم الفقر الذي كان يتربص بهم. تحمد الله، مرة بعد أخرى، لأنه أراك الطريق — وغالبًا ما أراك إياه من خلال شجاعة أمك الصامتة.</p>
<p>تتباطأ الحافلة. يعكس الزجاج صورتك: وجه أنهكه الزمن، لكنه مطمئن. يخفت صوت المحرك. الرحلة توشك على نهايتها.<br />
تنزل. خلفك الطريق، وأمامك سكون حياة مكتملة. وفي هذا المرسى الأخير، تعرف يقينًا: لم تعبر الحياة فقط — لقد حملتها، كما حملتك هي</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (22). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204512</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 05 Feb 2026 15:31:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204512</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني البداية: اهتزاز المحرّك تجلس بجوار النافذة، تسند جبهتك إلى الزجاج البارد. تتحرّك الحافلة بصرير مكتوم، وتغادر المحطة لتلتحم بالطريق الوطنية. خارج الزجاج، تنساب المناظر كصفحات كتاب لم يُكتب فصله الأخير بعد. تمايل الحافلة الرتيب لا يهدهد الجسد بقدر ما يوقظ الذاكرة. شيئًا فشيئًا، تطفو أمامك صورة وجهٍ مألوف، وجهٍ أحببته طويلاً حضورٌ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>البداية: اهتزاز المحرّك</p>
<p>تجلس بجوار النافذة، تسند جبهتك إلى الزجاج البارد.</p>
<p>تتحرّك الحافلة بصرير مكتوم، وتغادر المحطة لتلتحم بالطريق الوطنية. خارج الزجاج، تنساب المناظر كصفحات كتاب لم يُكتب فصله الأخير بعد.</p>
<p>تمايل الحافلة الرتيب لا يهدهد الجسد بقدر ما يوقظ الذاكرة. شيئًا فشيئًا، تطفو أمامك صورة وجهٍ مألوف، وجهٍ أحببته طويلاً حضورٌ كان مرساةً في طفولتك، ومنارةً في شبابك: أخوك ناصر.</p>
<p>ناصر: الملاك الحارس ونبض البيت</p>
<p>تستعيد سنوات الرماد، حين كان الفقر ينهش تفاصيل الحياة اليومية لعائلتكم في جرسيف. وفي قلب ذلك العوز، كان ناصر يقف، لا متصدّرًا ولا متذمّرًا، بل كجدارٍ صامت يتلقى الضربات ليحمي الجميع.</p>
<p>نادراً ما ذكرتَه في الفصول السابقة، لا نسيانًا، بل لأنك كنت تؤجّل الكتابة عنه. كنت تعرف، في مكان ما داخلك، أن الحديث عن ناصر يحتاج فسحة أوسع، ونفَسًا أهدأ، وفصلاً يليق بثقل ما حمله عنكم جميعًا: عن والدتكم، وعن كريمة، وعن ميلود، وعبد الله، وحسن، ونور الدين.</p>
<p>ما زلت تراه وأنت تلميذ في إعدادية جرسيف، تقصده في مقهى العشي، في برد الشتاء أو حرّ القيظ. يناولك بيده كأس شاي منعنع، أو قهوة بالحليب، كأنما يقدّم لك دفئًا لا شرابًا.</p>
<p>وتراه في فندق ومطعم المسافرين، عند السيد كوني وزوجته، يعود ليلاً إلى البيت المتواضع، يوقظكم من النوم ليقسم معكم ما جلبه من أطايب أعدّها عمي موسى, طباخ السيد والسيدة كوني.</p>
<p>ولا تغيب تلك الأمسيات البسيطة مع والدكم، في مقهى الحاج علي، قبل المرور عند حمادي لتناول الحريرة والمعقودة، بطعمٍ لا يشبه أي طعم آخر.</p>
<p>نكران الذات… وظلّ الفقد</p>
<p>حين غادرتم جرسيف إلى الخميسات، ثم إلى مكناس بعد أن أصبحتَ أستاذًا للغة الفرنسية، ظل ناصر هو السند الذي لا يميل.<br />
وحين اشتد الألم في ساقه اليسرى، واضطر الأطباء بمستشفى محمد الخامس بمكناس إلى بترها من مستوى الفخذ، بدا لكم أن المصيبة بلغت منتهاها. لكن ناصر، على عادته، خفّف وقعها عنكم أكثر مما احتملها هو.</p>
<p>رغم الجسد الذي خانَه، لم يتخلَّ عن دوره. ظل حاضرًا، يقظًا، يسهر على طمأنينة الأسرة، خاصة في سنوات غيابك للدراسة أو للعمل في فرنسا خلال العطل الصيفية.</p>
<p>كان الأب الذي لم يغادر بعد رحيل والدكم في 7 سبتمبر 1971. لم ينشغل بحياته الخاصة كما فعل أخوك عيّاد، بل اختار طريقًا آخر: أن يبقى وحده، ليكون لكم جميعًا. وفي زوايا تلك الحياة المكرَّسة للآخرين، كانت السيجارة حاضرة.</p>
<p>لم تكن شراهة، ولا استعراض ضعف، بل استراحة قصيرة من ثقل الأيام. كان يمسكها كما لو أنها تمنحه لحظة صمت، نفسًا إضافيًا في حياة لم تترك له متّسعًا لنفسه. لم يكن أحد يتخيّل أن هذا الدخان الهادئ كان يتسلّل، ببطء، ليختصر العمر.<br />
حين وافته المنية، وقد تجاوز بقليل عتبة الستين، لم يكن الرحيل مفاجئًا بقدر ما كان موجعًا.</p>
<p>رحل ناصر، وترك وراءه فراغًا لا يُسمّى، وحسرةً ثقيلة في قلوب من أحبّوه وأحبّهم بصدق. عندها فقط، صار التدخين في ذاكرتك علامة فراق، لا عادة؛ سببًا صامتًا للموت، وسارقًا لسنوات كان يمكن أن تُعاش.</p>
<p>رحل في سنة 2007، بصمت الكبار، تاركًا في رقبتك، وفي رقبة الأسرة كلها، دينَ امتنان لا يسقط بالتقادم.</p>
<p>النهاية: زفير الكوابح</p>
<p>يوقظك صفير الكوابح الهوائية من شرودك. تتباطأ الحافلة، وتطحن عجلاتها حصى الرصيف. تعتدل في جلستك، وتشدّ معطفك على كتفيك. من حولك، يتحرّك الركاب في ضجيج مألوف.</p>
<p>تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة، نحو الطريق الذي ينسحب خلفك. تنهض، وتنزل درجات الحافلة، حاملاً معك ذكرى ناصر، وحزنًا هادئًا، وامتنانًا لا يشيخ… وتمضي نحو المرفأ القادم من حياتك</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (21). مذكّرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204411</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 04 Feb 2026 10:08:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204411</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني الرحيل: ارتعاشة المحرّك أنتَ جالسٌ قرب النافذة، جبهتك مسنودة إلى الزجاج البارد. تنطلق الحافلة في أنينٍ مكتوم، مغادرةً ,المحطة الطرقية، لتلتحم بالطريق الوطنية. من خلف الزجاج، تتوالى المشاهد كصفحات كتاب لم تُكمله بعد. اهتزاز الحافلة المنتظم يأخذك إلى شرودٍ عميق؛ لم تعد أفكارك هنا، بل صارت معلّقة بين ذكريات طفل كان يدرس &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>الرحيل: ارتعاشة المحرّك</p>
<p>أنتَ جالسٌ قرب النافذة، جبهتك مسنودة إلى الزجاج البارد. تنطلق الحافلة في أنينٍ مكتوم، مغادرةً ,المحطة الطرقية، لتلتحم بالطريق الوطنية. من خلف الزجاج، تتوالى المشاهد كصفحات كتاب لم تُكمله بعد. اهتزاز الحافلة المنتظم يأخذك إلى شرودٍ عميق؛ لم تعد أفكارك هنا، بل صارت معلّقة بين ذكريات طفل كان يدرس على ضوء الشمعة، وواقعٍ مغربيٍّ ملتهب يمزّق القلوب في مطلع سنة 2026.</p>
<p>حماسة شوارع الرباط</p>
<p>ذاكرتك تعود بك فورًا إلى ديسمبر 2022. وإن كنت قد تابعت المباريات من مكناس، فإن صورة الرباط هي التي تهيمن على مخيّلتك. ترى تلك الجموع الهائلة، مدينةً غارقة في بحرٍ من الأعلام الحمراء. ما زلت تشعر بحرارة الأجساد المتراصّة على طول الشوارع، من مطار الرباط–سلا إلى أسوار العاصمة العتيقة.</p>
<p>كانت ملحمة لا تُنسى: حافلة مكشوفة لأسود الأطلس تشق طريقها ببطء وسط مئات الآلاف من المواطنين في نشوة جماعية. تتذكّر الصيحات، الدموع، وذلك الإحساس النادر بالوحدة الوطنية. هناك، كان وليد الركراكي واقفًا، يحيّي شعبًا أعاد إليه الفخر بعد أن أسقط بلجيكا وإسبانيا والبرتغال.</p>
<p>تتويج الأمهات في القصر الملكي.</p>
<p>ثم ينتقل المشهد إلى ذروة ذلك اليوم التاريخي، داخل القصر الملكي. في بهو العرش، تشهد لحظةً تهزّ قناعاتك: جلالة الملك محمد السادس، وإلى جانبه ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد، يستقبل أبطال مونديال قطر.</p>
<p>لكن أكثر ما يمسّك في العمق هو حضور الأمهات. تراهنّ، بسيطاتٍ شامخات، إلى جانب أبنائهن أمام جلالة الملك. أنتَ، الذي لا تزال صورة أمّك في جرسيف ماثلةً أمامك، وهي تسهر على دروسك الليلية، تشعر أن في هذا المشهد جبرًا تاريخيًا. أن يُكرَّم العطاء الأمومي في أعلى مقام للدولة، فذلك أبلغ رسالة: النجاح لا قيمة له إن لم يعترف بجذوره.</p>
<p>ذاكرة البناء وجحود الحاضر</p>
<p>غير أن هذا الضوء يصطدم اليوم بعتمة قاسية. كيف يمكن للرجل نفسه، الذي قاد الأسود إلى الاستقبال الملكي، أن يصبح في 2026 هدفًا للجحود؟ لا تستطيع أن تتجاهل تفاصيل تلك النهاية المؤلمة أمام السنغال في مركب مولاي عبد الله: توتّر اللحظة، ضربة جزاء براهيم دياز التي ضاعت، الفوضى في المدرجات، والاستفزازات التي أفسدت العرس.</p>
<p>تعرف أن الجماهير تنسى سريعًا. تنسى أن وليد رفع المغرب إلى مصافّ الكبار، وأنه أطاح بعمالقة القارة، من مصر إلى كوت ديفوار. بالنسبة إليك، وليد هو ذلك “الجسر” الذي ربط أحلام طفل من جرسيف بالاعتراف العالمي. إن احتقاره لأن لقبًا أفلت من اليد، هو إنكار للنور الذي أشعله في قلب كل مغربي.</p>
<p>تستعيد طفولتك: أنتَ، الابن الأكبر لعائلة خوخشاني، تفرز الطماطم في السوق، أو تزيّت سلاسل الدراجات عند أحمد “سيكليس”. تعرف معنى البناء، وتعرف كيف يمكن لسنوات من الكدّ أن تُختزل في لحظة واحدة. لوليد، كانت تلك اللحظة ركلة جزاء أو فوضى خارجة عن إرادته. بالنسبة إليك، هي صورة مجتمع يُسرع إلى البحث عن مذنب، لا عن معنى.</p>
<p>تودّ أن تصرخ في وجوه المنتقدين: “انظروا إلى الجسر، لا إلى الغبار فوقه!”</p>
<p>فوليد يشبهك، ويشبهنا جميعًا: ابن هذا البلد، صعد بالنيّة والعمل، ويراد له أن يُكسَر عند أول تعثّر. تكتب هذه الكلمات درعًا لا مديحًا. فالعفو، في نظرك، ليس ضعفًا، بل سمة الكبار. ووليد ربح احترامه إلى الأبد، بما هو أعمق من أي كأس.</p>
<p>المحطّة الأخيرة: زفير الفرامل</p>
<p>صفير الفرامل الهوائية يوقظك من شرودك. الحافلة تُبطئ، عجلاتها تسحق حصى الحافة. تعدّل جلستك، تشدّ معطفك إلى كتفيك. من حولك، يتحرّك الركّاب، يستعيدون حقائبهم وسط ضجيج مألوف. تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة إلى الطريق الممتدّ خلفك.</p>
<p>تنهض. تخطو بثباتٍ هادئ. تنزل درجات الحافلة، حاملاً معك هذا المزيج من ذكريات الطفولة وتمرد الرجل، مستعدًا لعبور الجسر التالي في حياتك</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (20). مذكرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204322</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Feb 2026 08:42:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204322</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني حين كان النضال قيمة… وحين صار الموقع غاية حين تركب الحافلة، في صباح يشبه أمسيات العمر المتأخرة، وتجلس قرب النافذة، لا تكون في طريقك إلى مكان بعينه، بقدر ما تكون في طريقك إلى نفسك. يهتزّ جسد الحافلة، وتهتزّ معه الذاكرة. يعود بك الزمن إلى البدايات، لا حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل لأن &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>حين كان النضال قيمة… وحين صار الموقع غاية</p>
<p>حين تركب الحافلة، في صباح يشبه أمسيات العمر المتأخرة، وتجلس قرب النافذة، لا تكون في طريقك إلى مكان بعينه، بقدر ما تكون في طريقك إلى نفسك. يهتزّ جسد الحافلة، وتهتزّ معه الذاكرة. يعود بك الزمن إلى البدايات، لا حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل لأن الحاضر يفرض عليك المقارنة، ويطالبك بالحساب.</p>
<p>تتذكّر حزب التقدم والاشتراكية كما عرفته أول مرة، لا كما صار يُعرَّف لاحقًا. حزبًا لا يُطرق بابه بحثًا عن منصب، ولا يُذكر اسمه دون أن يقترن بالسجن أو المنفى أو المحاكمة.</p>
<p>منذ نشأته الأولى في نونبر 1943، وهو يحمل اسم الحزب الشيوعي المغربي، لم يكن الانتماء إليه نزهة سياسية ولا مغامرة عابرة، بل اختيارًا أخلاقيًا مكلفًا، يدفع ثمنه من يصرّ عليه من حريته واستقراره، وأحيانًا من حياته نفسها.</p>
<p>لم تعش تلك المرحلة، لكنك عرفتها معرفة العارف. قرأت عنها، ونبشت في تفاصيلها في كتب التاريخ المعاصر للمغرب. عرفت كيف كان مناضلو الحزب، خلال فترة الحماية، يُلاحَقون ويُعتقلون ويُنفَون، لا لشيء سوى لأنهم آمنوا بأن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا فكريًا، بل حقًّا يجب انتزاعه.</p>
<p>وبعد الاستقلال، لم تتغير المعادلة كثيرًا. اغتيل المناضل الكبير عبد الكريم بن عبد الله، فُرض الحظر على الحزب، اعتُقلت قياداته، مُنعت صحافته من الصدور، ودخلت البلاد سنوات طويلة من الصمت القسري والعمل في الظل.</p>
<p>تتذكّر مرحلة كان فيها الحزب محظورًا إلى حدود سنة 1968، ثم عاد باسم حزب التحرر والاشتراكية، قبل أن تُسحب منه الشرعية من جديد. ولم يُعترف به رسميًا إلا سنة 1976، تحت اسمه الحالي: حزب التقدم والاشتراكية، في سياق الانفراج الذي عرفه المغرب بعد نجاح المسيرة الخضراء سنة 1975، حين كانت البلاد في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار وإلى إجماع وطني حول القضية الأولى: استرجاع الصحراء.</p>
<p>ورغم القمع والحظر، لم يكن الإحباط يومًا سيد الموقف. كنت ترى، من خلال ما قرأت وما سمعت، رفاقًا متماسكين، لا يجمعهم الأمل في البرلمان ولا الطموح إلى الحكومة، بل الإيمان المشترك بقضية، وبقيمة النضال في حد ذاته.</p>
<p>وحين سُمح للحزب بالمشاركة في الانتخابات، لم تكن النتائج باهرة: بعض المقاعد الجماعية سنة 1976، ومقعد برلماني وحيد سنة 1977. ومع ذلك، ظل الحزب ملتفًا حول قيادته التاريخية، علي يعتة. لم تكن الزعامة محل نزاع، ولم تكن الأجهزة ساحة صراع. كان الاختلاف موجودًا، نعم، لكنه لم يكن مفسدًا للرفقة ولا مهددًا للوحدة.</p>
<p>في سنة 1977، كنت تدخل السياسة من بابها العملي. كنت آنذاك بالخميسات، أستاذًا للغة الفرنسية، حين وجدت نفسك تعتنق أفكار وقيم حزب التقدم والاشتراكية عن قناعة، لا عن مصلحة. تطوّعت لخوض الحملة الانتخابية إلى جانب مرشح الحزب لنيل مقعد في البرلمان، الرفيق ح. إدريس. لم يفز الرجل، ولم يكن ذلك مفاجئًا، فالحزب لم يكن بعد مصدر ثقة لدى السلطات العمومية المشرفة على الانتخابات. لكنك كنت قد حسمت أمرك: هذا حزبك.</p>
<p>حين التحقت بمكناس أستاذًا بإعدادية البساتين، التحقت رسميًا بالحزب. سنة 1979، أصبحت كاتبًا أول للفرع المحلي بالبساتين، وعضوًا في مكتب الفرع الإقليمي بمكناس. في بداية الثمانينيات، انتُخبت عضوًا في اللجنة المركزية، وهو الموقع الذي ستظل فيه إلى غاية سنة 2006، حين انتُخبت، خلال المؤتمر الوطني، عضوًا في المكتب السياسي للحزب، وكان أمينه العام آنذاك الأستاذ إسماعيل العلوي.</p>
<p>قبل ذلك، كنت إلى جانب سبعة رفاق آخرين عضوًا في المجلس الحضري لمدينة مكناس، ورئيسًا للجنة التواصل والإعلام بالمجلس الجهوي لمكناس–تافيلالت، الذي كان يرأسه آنذاك السيد اشباعتو، المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وكنت في الآن نفسه الكاتب الأول للفرع الإقليمي بمكناس، ومراسل جريدة الحزب الناطقة بالفرنسية، البيان. كل هذه المسؤوليات جعلتك تنام على السياسة وتستيقظ عليها.</p>
<p>لكن الحياة لم تكن سياسة فقط. في غشت 1992، تزوجت. ومع نهاية سنة 1997، أصبحت أبًا لثلاثة أطفال: بنتين وابن. المسؤوليات كانت كثيرة، والوقت ضيقًا. الزمن الذي خصصته للسياسة، ولقضايا المواطنين والمصلحة العامة، كان يبتلع الجزء الأكبر من الوقت الذي كان يفترض أن تمنحه لأسرتك الصغيرة.</p>
<p>وفي نهاية سنة 1999، فقدت من كانت بالنسبة إليك حصنًا ومعنى. والدتك التي كانت تزودك برضاها، وتخاف عليك الخوف كلّه مما قد تتعرض له بسبب التزامك السياسي.</p>
<p>علّمتك تلك المرحلة درسًا قاسيًا: كثيرون ممن عرفتهم عبر السياسة، وأسديت لهم ولذويهم خدمات شتى، كانوا جاحدين، لا يعترفون بشيء. أما الأسرة، فحتى وإن غضبت منك بسبب الغياب، فإنها تستقبلك، حين تعود، في الأحضان، وتعترف لك بكل ما قمت به من أجلها، ولو بابتسامة بعد غياب طويل.</p>
<p>مع اقتراب المؤتمر الخامس للحزب سنة 1995، لاحظت أن شيئًا ما بدأ يتغيّر. لم يعد السؤال: كيف نناضل؟ بل صار: من يقود؟ ومن يتقدّم؟ اشتد الخلاف حول منصب الأمين العام بين جيل شاب يرى نفسه أحقّ بالتجديد، وتيار آخر أكثر التصاقًا بالتجربة التنظيمية. ورغم تجديد الثقة في علي يعتة، أدركت أن الشرخ قد بدأ، وأن منطق المواقع أخذ يتسلّل ببطء إلى حزب لم يألفه.</p>
<p>ثم اقتربت ساعة حكومة التناوب. لحظة تاريخية من حيث المبدأ، لكنها كانت أيضًا بداية مرحلة مربكة. انشق مناضلون وبرلمانيون، وغادر رفاق كانوا، إلى وقت قريب، في الصفوف الأمامية. دخل الحزب حكومة عبد الرحمن اليوسفي وسط خليط حزبي غير منسجم، وبدأت مع المشاركة الحكومية هزّات داخلية لم تتوقف. وحتى بعد رحيل علي يعتة في غشت 1998، وتسلّم إسماعيل العلوي الأمانة العامة، لم تهدأ الصراعات، بل اتخذت أشكالًا جديدة، أحيانًا باسم الاختلاف الفكري، وأحيانًا أخرى باسم “التصحيح”.</p>
<p>بعد مغادرتك الطوعية للتعليم في أكتوبر 2005، تحمّلت مسؤوليات أخرى. من يناير 2007 إلى مايو 2009، عملت صحفيًا مهنيًا، تشرف على صفحة أسبوعية تُعنى بما يجري في مكناس من أنشطة سياسية وثقافية، وما يشوب تدبير المجالس المنتخبة والمؤسسات الإدارية من اختلالات.</p>
<p>ومن مايو 2009 إلى 2012، كنت منسقًا عامًا بمركب ابتسامة للرعاية الاجتماعية، تشرف على أربع وحدات: وحدة للنساء في وضعية صعبة، وأخرى لحماية الأطفال، وثالثة لمواكبة الأمهات العازبات وتتبع أوضاع أطفال الشارع، ورابعة للأنشطة النهارية لفائدة الأشخاص المسنين.</p>
<p>ومن 2013 إلى 2016، انتقلت إلى وزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية، مستشارًا للوزير، ثم رئيسًا لديوانه.</p>
<p>تسأل نفسك اليوم، وأنت تكتب هذه السطور، وأنت ما تزال في الحافلة نفسها: لماذا كان الحزب أكثر تماسكًا حين كان محاصرًا؟ ولماذا تفرّق حين اقترب من مراكز القرار؟</p>
<p>تخلص، دون مرارة ولكن بوضوح، إلى أن الحزب خسر شيئًا من روحه حين غلَب منطق التدبير على منطق النضال، وحين صار الموقع أحيانًا أهم من الموقف.</p>
<p>وحين تنزل من الحافلة، تدرك أنك لم تصل إلى نهاية الطريق، بل إلى مرفأ آخر من مرافئ الحياة. لا تكتب للتشهير ولا للتبرير، بل للتذكير. لأن الذاكرة مقاومة، ولأن الأحزاب، مثل الأفراد، تُقاس بما دافعت عنه حين كان الثمن غاليًا، لا بما حصدته حين صارت الطريق معبّدة</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (18). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204218</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 01 Feb 2026 12:33:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204218</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني أنت جالس في حافلة. صوت المحرّك يشبه أنفاساً قديمة، مألوفة. لا تعرف إلى أين تمضي، ولا متى ينتهي هذا السفر الطويل. من خلف الزجاج تمرّ مناظر تشبه حياتك: واضحة حيناً، ضبابية حيناً آخر. تمضي فقط. فأن تكتب حياتك وأنت تتقدّم كان دائماً عقيدتك. لم تعرف التراجع يوماً. تعلّمت باكراً أن مرافئ الحياة &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>أنت جالس في حافلة.</p>
<p>صوت المحرّك يشبه أنفاساً قديمة، مألوفة. لا تعرف إلى أين تمضي، ولا متى ينتهي هذا السفر الطويل. من خلف الزجاج تمرّ مناظر تشبه حياتك: واضحة حيناً، ضبابية حيناً آخر. تمضي فقط. فأن تكتب حياتك وأنت تتقدّم كان دائماً عقيدتك. لم تعرف التراجع يوماً. تعلّمت باكراً أن مرافئ الحياة ليست أماكن للإقامة، بل محطات عبور.</p>
<p>لم تكن الطريق سهلة قط. العوائق لم تكن صدفة، بل كثيراً ما وُضعت عمداً في دربك. ومع ذلك، تجاوزتها. أما الامتحانات القاسية، فقد اجتزتها بصمت النبلاء، بلا شكوى ولا ادّعاء بطولة.</p>
<p>كانت سنتك الأولى في التبريز بمكناس توشك على الانتهاء حين تدخّل القدر، ذلك الرفيق الخفي. رأيتها من جديد. ظهوراً مفاجئاً، كأنه خارج الزمن. مقهى الأمم. كنت تبحث عن كرسي شاغر لتجلس مع أصدقاء دخلتم لتوّكم هذا الفضاء الذي يرتاده أساساً طلبة أساتذة المركز التربوي القريب. وفجأة، كانت هي هناك. نفس الشابة التي التقيتها قبل عام ونصف في قاعة الأساتذة بثانوية المطار في الناظور. لم يُمحِ الزمن شيئاً. كان فقط يؤجّل اللقاء.</p>
<p>هناك عرفت قصتها: الناظور، الخدمة المدنية، النجاح في المباراة المهنية، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس، سنة تكوين، ثم تدريس السلك الثانوي. لم تتأخرا في الوعد بلقاءات أخرى. توالت المواعيد ببساطتها المضيئة: فنجان قهوة، نزهة ربيعية في إفران، ظلال الأرز السخيّة، وجداول الماء الصافي المنحدرة من قمم الأطلس المتوسط.</p>
<p>في ربيع 1991، دون إعلان أو ضجيج، أصبحت هي مختارة قلبك. أمّ أولادك الآتين. في يونيو، قدمت أمها برفقة أخيها الأكبر من وهران، حيث كانت تقيم أسرتها المغربية، إلى الرباط، حيث كانت الأخت الكبرى متزوجة من ابن خال من جهة الأم.</p>
<p>ومن جهتك، سافرت أمك، وأخوك ناصر، وأخوك ميلود وزوجته، وأصهار ميلود معك. في الرباط، التقت العائلات، وتصافحت المصائر. احتُفل بالخطوبة، ووُثّق الزواج بالعقد العدلي في السادس والعشرين من يونيو 1991. كنتما متحدين على الخير والشر، دون أن تدركا بعد عمق هذا العهد.</p>
<p>بعد انتهاء سنة التكوين الخاصة بها، أوصلتها إلى وجدة، ومنها اتجهت إلى وهران لقضاء عطلة الصيف مع أهلها، في انتظار معرفة مقر تعيينها مع بداية الموسم الدراسي 1991–1992. أما أنت، فكنت تستعد لمرحلة أخرى من التكوين، هذه المرة في باريس، من أجل التبريز. افترقت الطرق مجدداً، دون أن ينقطع الخيط.</p>
<p>في مايو 1992، عدت إلى المغرب، واتجهت إلى سيدي بنور، حيث كانت تُدرّس اللغة الفرنسية. المدينة احتضنتها سريعاً. زملاؤها، تلامذتها، مدير المؤسسة، والإدارة كلها شهدت بكفاءتها وأحبت حضورها. حين غادرت مع الدخول المدرسي في سبتمبر 1993، بكى كثيرون رحيلها.</p>
<p>لكن قبل ذلك، كان الزواج بفاس في أغسطس 1993. ليلة فرح كنت وحدك تعرف ظلّها القادم. مع بداية الموسم، ستفترقان من جديد، ثمان مائة كيلومتر بينكما. هي في سيدي بنور، وأنت في الناظور. انتقال تأديبي مقنّع، نتيجة جرأتك على قول الحقيقة لأستاذ فرنسي من أصل تونسي خلال سنتك الثانية في التبريز. رجل نافذ، سبق له التدريس بمكناس، ومرتبط بالمنسّق المغربي للتكوين. يومها أدركت مرة أخرى أن الاستقامة لها ثمن.</p>
<p>في تلك السنة، كان القدر أشد قسوة. خلال أول زيارة زوجية إلى وهران، فقدت زوجتك جنيناً في شهره الخامس والنصف. تبيّن لاحقاً وجود اتساع في عنق الرحم لم يُشخّص في الوقت المناسب. رحلة لم يكن ينبغي أن تتم. وكانت تلك آخر سنة بقيت فيها الحدود البرية المغربية–الجزائرية مفتوحة.</p>
<p>بعد سنة زواج عشتماها متباعدين قسراً، سمحت الحياة أخيراً بالالتئام. مكناس. نُقلتَ إليها أستاذاً مكوِّناً بالمركز التربوي الجهوي، حيث كنت قبل ثماني سنوات طالباً أستاذاً. وكانت هي تُدرّس الفرنسية بثانوية الزيتونة. للمرة الثانية في مسارك، أصبحت أستاذاً في المكان الذي كنت فيه متعلّماً: جرسيف سنة 1973، ثم مكناس سنة 1993. دائرة تكتمل بهدوء.</p>
<p>بعد اثني عشر عاماً من الاشتغال بللمركز التربوي الجهوي بممناس، وبالضبط في شهر أكتوبر 2005، أنهيت مسارك المهني في قطاع التربية والتكوين في إطار المغادرة الطوعية. اثنتان وثلاثون سنة من الخدمة. اثنتان وثلاثون سنة قُدّمت للوطن بكرامة ونزاهة وتفانٍ. غادرت بلا مرارة، محمّلاً بما لا يُصادر: انسجام المسار.</p>
<p>الحافلة تواصل سيرها.</p>
<p>أنت ما زلت قرب النافذة. مرافئ الحياة تمرّ: جرسيف، الناظور، مكناس، فاس، باريس، سيدي بنور، وهران… لا تعرف أيها الأخير. لم تعد تسأل. تمضي. هكذا كتبت حياتك دائماً.</p>
<p>المحرّك يواصل همسه.</p>
<p>والسفر لم ينتهِ بعد.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (19). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204149</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 31 Jan 2026 09:56:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204149</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني أنت جالس قرب نافذة الحافلة المتجهة إلى مكناس. هدير المحرّك يشبه همس الذاكرة، والطريق الممتد أمامك ليس مجرد مسافة تُقطع، بل زمنٌ يُستعاد. الحافلة، كما تعرف جيدًا، ليست وسيلة نقل فحسب؛ إنها ممرّ خفيّ بين ما كنتَه وما أنت مُقبل على أن تكونه. كل منعطف يقرّبك من مكان، ويُبعدك – أو يُعيدك &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>أنت جالس قرب نافذة الحافلة المتجهة إلى مكناس.</p>
<p>هدير المحرّك يشبه همس الذاكرة، والطريق الممتد أمامك ليس مجرد مسافة تُقطع، بل زمنٌ يُستعاد. الحافلة، كما تعرف جيدًا، ليست وسيلة نقل فحسب؛ إنها ممرّ خفيّ بين ما كنتَه وما أنت مُقبل على أن تكونه. كل منعطف يقرّبك من مكان، ويُبعدك – أو يُعيدك – إلى زمن آخر.</p>
<p>في أكتوبر 1993، تطأ قدماك عتبة المركز التربوي الجهوي بمكناس. ليس وصولًا عاديًا، بل رسوًّا في ميناء الذاكرة. هنا بالذات، قبل سبعة عشر عامًا، دخلت شابًا متدرّبًا، متخرجًا سنة 1976، ضمن ثاني فوج لأساتذة اللغة الفرنسية في سياق سياسة مغربة التعليم؛ تلك السياسة التي لم تكن مجرد إجراء إداري، بل حلقة أساسية في مسلسل الاستقلال الذي انطلق منذ 1956، حين بدأ المغرب يستعيد سيادته على المدرسة بعد عقود من الاعتماد على متعاونين أجانب، خصوصًا من فرنسا ورومانيا.</p>
<p>تعود اليوم إلى المكان نفسه، لكن بوجه آخر.</p>
<p>لم تعد متعلّمًا، بل صرت مُكوِّنًا.</p>
<p>عشرون سنة مرّت، ومع ذلك تشعر أن الجدران ما زالت تحفظ خطاك.</p>
<p>يفتح لك المركز أبوابه كصديق قديم لم ينسَك. تلتقي هناك نخبة من الزملاء، من مختلف التخصصات، يجمعهم حماس نادر وإحساس عميق بالمسؤولية. وفي قلب هذه الكوكبة، تبرز قامة استثنائية: السي محمد باهي. مدير، نعم، لكنك لا تكاد تشعر بأنه مدير. لا صرامة مصطنعة، ولا سلطة متعالية. كان يقود كما يقود قائد أوركسترا، بهدوء، وبحكمة، وبهيبة نابعة من المعرفة والنزاهة.</p>
<p>في مكناس، آنذاك، كان المركز يكوّن أساتذة السلك الإعدادي: في الفرنسية، والعربية، والإنجليزية، والتاريخ والجغرافيا، والرياضيات. شباب في مقتبل العمر، سيُعهد إليهم قريبًا بتربية مراهقين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة عشرة، تلك السنّ الحساسة التي يمكن فيها لكلمة أستاذ أن تغيّر مصير إنسان.</p>
<p>كنتَ واحدًا من فريقٍ مختار، واعٍ بثقل الأمانة. كنتم متحمسين، صادقين، مدركين أن التعليم ليس مهنة كسائر المهن. وإلى جانبكم، أساتذة متمرّسون في مؤسسات التطبيق، يفتحون أقسامهم كما يُفتح المشغل، ويدرّبون المتكوّنين على مهنة قاسية وجميلة في آن: مهنة التربية.</p>
<p>تبتسم أحيانًا في صمت.</p>
<p>ها أنت تعود إلى نقطة البداية.</p>
<p>ويخطر ببالك سؤال لا يلحّ، لكنه لا يختفي:</p>
<p>هل ستكون، أنت أيضًا، جزءًا من إرث محمد باهي؟</p>
<p>هل أنتم شهود أفول جيلٍ استثنائي؟</p>
<p>مهما يكن، فأنت ترى نفسك أحد قُدامى هذا الصرح. وريثًا متواضعًا، لكن واعيًا بقيمة ما تلقّاه.</p>
<p>في سنة 2026، تكون ثماني سنوات قد مرّت على رحيل محمد باهي سنة 2018. حضوره لا يعود إليك كحنين عابر، بل كدرسٍ أخلاقيّ وإنسانيّ. أستاذ اللغة الفرنسية السابق، والمدير الرمزي للمركز التربوي الجهوي بمكناس، كان واحدًا من أعمدة تلك «الحراسة التربوية» التي حملت المدرسة المغربية على أكتافها في مرحلة ما بعد الاستقلال.</p>
<p>معه، كنتَ جزءًا من سيمفونية تربوية.</p>
<p>وتعلم أن إنصافه يقتضي ألا يُفصل عن فرقته.</p>
<p>فالمركز لم يكن ليصير منارة وطنية لولا تآزر كوكبة من المكوّنين ذوي العلم الغزير، وإدارة وفية نادرة الإخلاص. معًا، صنعوا العمود الفقري لأساتذة الإعدادي بالمغرب. منهم من غادر طوعًا، ومنهم من ظلّ وفيًا إلى آخر يوم في مساره المهني. جميعهم خدموا بنكران ذات يبدو اليوم كأنه ينتمي لزمن آخر.</p>
<p>بالنسبة لهم، لم يكن التعليم وظيفة. كان رسالة.</p>
<p>والمقارنة مع واقع اليوم موجعة، لكنها لا مفرّ منها. في زمنهم، لم تكن المسارات تُدبَّر، بل كانت المهمات تُؤدّى. لم يكن المركز محطة إدارية، بل بوتقة تُصاغ فيها هوية تربوية وطنية، تجمع بين الصرامة العلمية والطموح الوطني.</p>
<p>اليوم، وقد أنهك النظام التعليمي تحت وطأة إصلاحات تقنية وفقدان المعنى، يبدو عهد محمد باهي أشبه بعصر ذهبي. لقد أدركوا أن الإصلاح الحقيقي لا يوجد في الوسائط الرقمية، بل في نظرة مُكوِّن يؤمن بكرامة مهنته.</p>
<p>يمضي الزمن بلا رحمة. بعضهم، مثل محمد باهي، لحق بالرفيق الأعلى، تاركًا فراغًا كبيرًا وأثرًا مضيئًا. وآخرون، آخر شهود تلك الملحمة، ينتظرون في سكينة، حاملين شعلة يخشون أن تنطفئ.</p>
<p>إن تكريم محمد باهي هو تكريم لجيلٍ كامل من البنّائين، أحياءً وأمواتًا، جعلوا من الطباشير واللغة أدوات للتحرر. لم يكوّنوا أساتذة فقط، بل ربّوا مواطنين.</p>
<p>نسأل الله أن يتغمد محمد باهي ورفاقه بواسع رحمته، وأن يجد الأحياء منهم في هذا النص اعترافًا صامتًا بما قدّموه لوطنهم.</p>
<p>تتباطأ الحافلة.</p>
<p>تلوح مكناس.</p>
<p>تنزل، مثقلًا بالذاكرة، مطمئنًّا بالوفاء. ينتهي السفر، لكن الطريق داخلك لا ينتهي.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (17). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204095</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 30 Jan 2026 18:39:05 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204095</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني تنطلق الحافلة. تنطلق كما تنطلق الحيوات التي لم تطلب يومًا الإذن من الصدفة. تجلس قرب النافذة، تتقاذفك مطبّات الطريق، يحتضنك اهتزازها الرتيب، وتحيط بك وجوه مجهولة. بعضهم يصعد، وبعضهم ينزل. لا أحد يعرف حقًا إلى أين تمضي، ولا حتى أنت. الحافلة وحدها تعرف شيئًا واحدًا: أن تواصل السير. وهكذا كُتب قدرك غالبًا؛ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>تنطلق الحافلة.</p>
<p>تنطلق كما تنطلق الحيوات التي لم تطلب يومًا الإذن من الصدفة. تجلس قرب النافذة، تتقاذفك مطبّات الطريق، يحتضنك اهتزازها الرتيب، وتحيط بك وجوه مجهولة. بعضهم يصعد، وبعضهم ينزل. لا أحد يعرف حقًا إلى أين تمضي، ولا حتى أنت. الحافلة وحدها تعرف شيئًا واحدًا: أن تواصل السير. وهكذا كُتب قدرك غالبًا؛ حركة دائمة، بلا توقّف طويل، وبطريقٍ واحدة كيقين.</p>
<p>هدير المحرّك يوقظ الذاكرة. مع كل اهتزاز، تبتعد قليلًا عن الحاضر. مشاهد سنة 2026 تنزلق خلف الزجاج، لكنك صرت في مكان آخر. كانت الحافلة دائمًا ذلك الفضاء المعلّق حيث تُروى حياتك بالعكس، وحيث يتحوّل كل سفر إلى عبور داخلي. فجأة، وبدون إنذار، تلقي بك الذاكرة في الناظور.</p>
<p>الناظور. عاصمة الريف الشرقي. مدينة حدودية، مدينة هامشية، لكنها في الآن ذاته ذات مركزية تاريخية. مدينة تستند إلى البحر وتدير وجهها نحو الجبل، كأنها تتردّد أبداً بين الانفتاح والانكفاء. هنا شكّلت الجغرافيا الطباع: قسوة التضاريس، قرب أوروبا، والبعد عن مركز السلطة. لا شيء هنا هادئ تمامًا، حتى حين يسود الصمت.</p>
<p>الريف ليس مجرّد منطقة.</p>
<p>إنه ذاكرة واقفة.</p>
<p>ذاكرة صُنعت من المقاومة، والشكّ، والكرامة الصلبة. بين 1921 و1926، حملت هذه الجبال واحدة من أعظم صفحات التاريخ التحرّري الحديث. تحت قيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، سي محند، الاستراتيجي البصير ورجل الدولة السابق لعصره، واجهت قبائل الريف الاحتلال الإسباني، ثم التحالف الفرنسي-الإسباني. كانت حرب الأرض والإنسان، حربًا بقليل من الوسائل وكثير من الوعي السياسي. جمهورية الريف، وإن كانت قصيرة العمر، تركت أثرًا لا يُمحى: أثر شعب تجرّأ على أن يتصوّر نفسه حرًا.</p>
<p>نشأت الناظور في ظل هذه الذاكرة. ما زالت تحمل جراحها وفخرها الصامت. هنا لا يُنسى بسهولة. للكلمات وزنها، وللإهانات أيضًا. وستتعلّم ذلك على حسابك.</p>
<p>في هذه المدينة المشبعة بالتاريخ تصل في شتنبر 1989. بعد وداعك لبوليت، تعود هي سعيدة، وقد أغناها مقامها، رغم أن هدفًا رسمته لنفسها ظلّ ناقصًا. أما أنت فتبقى، كما في كثير من محطّات حياتك، بين الإنجاز والإحباط، متجهًا بنظرك إلى القادم.</p>
<p>في ثانوية المطار، تدخل القسم بصرامة من لا يزال يؤمن بأن المدرسة يمكن أن تكون فضاءً للعدل. تذكّر بالقواعد. ترفض الإهمال. تطالب بإحضار الكتاب المدرسي، بالعمل، بالجهد. أنت تعلم أن المدرسة في المناطق المهمّشة ليست ترفًا، بل منفذ نجاة.</p>
<p>لكنّك سرعان ما تصطدم بجدار. تلميذ يرفض السلطة التربوية. تنبّه، تكرّر، تصبر. ثم ترفع تقريرًا إلى الناظر. فيجيبك الصمت الإداري. معتقدًا أن السلّم الإداري سيقوم بدوره، تلجأ إلى المدير.</p>
<p>هنا تنحرف حافلة حياتك فجأة.</p>
<p>بدل الإنصات، صراخ.</p>
<p>وبدل التحكيم، عنف.</p>
<p>يصرخ المدير في وجهك طالبًا منك مغادرة مكتبه، كأنك دخيل. يلتحق به الناظر والمعيد. يطردونك، يهينونك، يحطّون من كرامتك. لم يكن العنف جسديًا أو لفظيًا فقط، بل كان رمزيًا أيضًا؛ تذكيرًا بأن السلطة لا تحمي الحق دائمًا.</p>
<p>لكن التضامن يتشكّل في مكان آخر. في مقر الحزب الذي تنتمي إليه، يلتفّ الرفاق حولك. يعرفون معنى الإهانة في مدينة لا تزال ذاكرة الظلم فيها حيّة. يُكتب مقال ويُنشر في بيان اليوم. تتحوّل الكلمة إلى مقاومة.</p>
<p>الردّ يأتي سريعًا: تنقيل تعسّفي إلى ميضار. وكما في محطات كثيرة من حياتك، يختار الحكم الإبعاد بدل الإنصاف. تنطلق الحافلة من جديد، دون أن تستشيرك.</p>
<p>يوم تسلّمك رسالة التنقيل التعسفي، تقع عيناك صدفة على الأستاذة التي ستعوضك. لا تعلم بعد أن هذا الوجه الذي لمحته في قاعة الأساتذة سيصبح لاحقًا مرفأً حاسمًا في حياتك. بعض الطرق المفروضة ليست سوى مسالك مقنّعة.</p>
<p>تبدأ رحلات الذهاب والإياب المرهقة بين الناظور وميضار. ثم تأتي محنة أخرى: المحكمة. تُتّهم بأنك وصفت معتديك بـ«الأوباش». تدرك ثقل هذه الكلمة في الريف، وما تحمله من إحالات إلى جراح الثمانينيات، إلى الانتفاضات، إلى القمع، إلى السجون المليئة بشباب مكسورين.</p>
<p>أساء خصومك التقدير. ظنّوك غريبًا عن هذه الذاكرة. لم يعلموا أنك ابن الريف. يفهم وكيل الملك هشاشة الملف، ويقترح الصلح. ترفض. لأن التنازل خيانة للذات. يُحفظ الملف.</p>
<p>تواصل الحافلة مسيرها. تدرّس في ميضار. تعيش في الناظور مع زميل قادم من تيفلت. تنشأ صداقة متينة، كما تولد أصدق العلاقات: في الهشاشة والتقاسم. في عطلة نهاية الأسبوع أو خلال العطل القصيرة، تشدّ الرحال إلى مكناس، أربع مائة كيلومتر بحثًا عن دفء العائلة.</p>
<p>ثم يأتي النجاح في مباراة الولوج إلى مركز التكوين لنيل شهادة التبريز. انطلاقة جديدة. مراسلة جديدة. سنة أولى بالمدرسة العليا للأساتذة بمكناس، وسنة ثانية بفونتوني-أو-روز، مع الإقامة بسان-كلو.</p>
<p>المدرسة العليا للأساتذة فونتوني–سان-كلو مرفأ آخر. فضاء عبور وتحول. تخرّج منها آلاف الأساتذة، حاملين نفس المثال: أن نعلّم دون تسلّط، وأن نثقّف دون إخضاع. الجدران مشبعة بصرامة الفكر. القاعات شهدت أجيالًا آمنت بأن المعرفة مسؤولية. تصل مثقلًا بريفيتك، بطرقك، بجراحك، وتغادر أكثر صلابة.</p>
<p>في سان-كلو، تبدأ أيامك غالبًا بعبور الحديقة التي صمّمها لو نوتر. باريس تمتد تحت قدميك. تشعر بدوار طفل من جرسيف اخترق حدودًا اجتماعية وثقافية ورمزية بقوة الإرادة وبحب اللغة الفرنسية. في فونتوني، تتعلّم فكرًا دقيقًا، صبورًا، يكاد يكون زاهدًا. لم تعد فقط الأستاذ الذي كان يطالب بكتاب مدرسي في الناظور؛ صرت مثقفًا في طور التشكّل.</p>
<p>باريس تمنحك مسارحها، مكتباتها، أرصفتها. الكوميديا الفرنسية، الأوديون، القاعات الصغيرة تصبح معابدك. النصوص تغادر الصفحة لتصير نفسًا وإيقاعًا وحضورًا حيًا. تدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية. كل كتاب، كل عرض، كل معرض حجر جديد في صرحك الداخلي الذي لا يمكن لأحد مصادرته.</p>
<p>فجأة، تكبح الحافلة.</p>
<p>صوت يعلن محطة.</p>
<p>صرير العجلات يعيدك إلى الحاضر.</p>
<p>يتحرّك الركّاب. لا أحد يدري أنك تحمل في داخلك جبال الريف، طرق ميضار، أضواء سان-كلو، وأصوات كبار المسرحيين.</p>
<p>يعود هدير المحرّك.</p>
<p>تنطلق الحافلة من جديد.</p>
<p>لا تسألك أبدًا إلى أين تريد الذهاب.</p>
<p>تذكّرك فقط أن حياتك، مثلها، كُتبت دائمًا وهي تمضي إلى الأمام</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (16). مذكرات طفل من جرسيف (1954-2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/203662</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 25 Jan 2026 09:10:29 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=203662</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني ​يهدر محرك الحافلة بهدوء، وتنتقل الاهتزازات إلى ساقيك وأنت تجلس بجوار النافذة. تمر المناظر الطبيعية، ومعها يبدأ شريط ذكرياتك في العرض على الزجاج الملون. ​تستحضر صورتك في &#8220;بزانسون&#8221;، في حي &#8220;سان كلو&#8221; الذي تحفظه عن ظهر قلب. شقتك في الرقم 57 بشارع &#8220;مونجو&#8221; تواجه شقة &#8220;بوليت&#8221;، وبين نافذتيكما نُسجت حياة بأكملها. &#8220;بزانسون&#8221; &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>​يهدر محرك الحافلة بهدوء، وتنتقل الاهتزازات إلى ساقيك وأنت تجلس بجوار النافذة. تمر المناظر الطبيعية، ومعها يبدأ شريط ذكرياتك في العرض على الزجاج الملون.</p>
<p>​تستحضر صورتك في &#8220;بزانسون&#8221;، في حي &#8220;سان كلو&#8221; الذي تحفظه عن ظهر قلب. شقتك في الرقم 57 بشارع &#8220;مونجو&#8221; تواجه شقة &#8220;بوليت&#8221;، وبين نافذتيكما نُسجت حياة بأكملها. &#8220;بزانسون&#8221; بالنسبة لك هي أيضاً بلاد جبن &#8220;الكونتي&#8221; الذي تعشقه. ما زلت تتذكر تلك الرائحة الزكية والقوية التي كانت تنبعث من محل الأجبان المحلي؛ تعلمت أن تحب درجات تعتيقها المختلفة، تلك العجينة المتماسكة التي تذكرك بصرامة وجودة منطقة &#8220;فرانش كونتي&#8221;. إنه استمتاع بسيط شاركته مع &#8220;بوليت&#8221; أو عند والدتها &#8220;دنيز&#8221; في &#8220;بيتونكور لي بروت&#8221;.</p>
<p>​غادرتَ فرنسا وأنت تعلم أن هذه الرحلة لم تكن مجرد انتقال، بل اختباراً للمعنى. قبل أسابيع قليلة، كنت قد اشتريت سيارة &#8220;بيجو 505 تيربو&#8221; من عامل متقاعد في مصانع &#8220;سوشو&#8221;. كانت تحمل ذاكرة الطرقات، وكانت &#8220;بوليت&#8221; جزءاً من هذا الاختيار، وفقاً للعهد المبرم بينكما. قادتك أولاً نحو عظمة قصر &#8220;شامبور&#8221;. تتذكر انبهارك أمام غابة المداخن والأبراج التي تعانق السماء، وذلك الدرج المزدوج اللولبي، عبقرية الهندسة حيث يتقاطع الناس دون أن يلتقوا أبداً — ربما كان ذلك نذيراً لقصتكما.</p>
<p>​تلاشت مياه نهر &#8220;لوار&#8221; خلفكما، وحملتكما الـ &#8220;بيجو 505&#8221; إلى المغرب للوفاء بالجزء الثاني من العهد. في مراكش، أهديتها رؤية &#8220;الكتبية&#8221;. رأيتها وهي ترفع عينيها نحو تلك المئذنة المشيدة من الحجر الرملي الوردي، والتي ترتفع بشموخ ووقار. شرحتَ لها أنها توأم &#8220;خيرالدا&#8221; في إشبيلية، منارة روحية تجسد عظمة الموحدين. أمام هذا البرج، بدا أن الزمن قد توقف.<br />
​ثم توجهتما إلى فاس، قلب المملكة النابض. وأنتما تتجولان في المدينة العتيقة، ذكّرتَ &#8220;بوليت&#8221; أن هذه المدينة كانت مهد الأدارسة. من عام 789 إلى 985، لم تكن هذه الدولة المؤسسة تحكم المغرب الحالي فحسب، بل بسطت نفوذها على أجزاء واسعة من غرب الجزائر الحالية. في ذلك الوقت، لم تكن الأرض مجروحة بأسلاك شائكة؛ كانت الوحدة واقعاً جغرافياً وروحياً. شعرتَ حينها بوخزة في قلبك: كيف لهذه الأرض التي كانت موحدة أن تصبح متاهة من الممنوعات؟</p>
<p>​بالتوجه شرقاً نحو &#8220;بوكانون&#8221;، جعلت هذه الفكرة التاريخية الواقع أكثر مرارة. تستحضر صورتك عند المركز الجمركي قرب &#8220;أحفير&#8221;. بالنسبة لك، هذه الأرض هي استمرارية موروثة من التاريخ الإدريسي، لكن بالنسبة لـ &#8220;بوليت&#8221; الفرنسية، توقفت الطريق فجأة. وبسبب غياب التأشيرة، انتصب الجدار الإداري. توقفت الـ &#8220;بيجو&#8221; وكأنها فهمت الأمر قبلكما. بقيتَ خلف المقود، تتأمل هذه الحدود المغلقة منذ قرابة ربع قرن، تلك الندبة التي تمنع شعبين شقيقين من التزاور كما كانا يفعلان سابقاً.</p>
<p>​ولتبديد كآبة هذا الفشل عند الحدود، وجهتَ السيارة نحو الساحل. توقفتما في &#8220;السعيدية&#8221;، &#8220;الجوهرة الزرقاء&#8221;. هناك، وأمام شساعة النحر الأبيض المتوسط الذي يتجاهل خطوط البشر، استرخيتما قليلاً. بدا أن الرمال الناعمة تحت أقدامكما تهدئ توتر الطريق. ثم صعدتما نحو &#8220;بركان&#8221;، حيث توقفتما لتناول الطعام والاستمتاع بكرم دجيج سهل &#8220;تريفا&#8221;. بين طعم البرتقال ودفء الوجبة المشتركة، استعدتما نوعاً من الخفة قبل العودة إلى الناظور.</p>
<p>​ثم جاءت لحظة الحقيقة، ثقل الصمت في مقصورة السيارة. تنظر إليك &#8220;بوليت&#8221;، وفي عينيها تقرأ الأمل في مصير يجمعه الزواج. ينقبض قلبك. تشعر بحنان جارف نحوها، ونحو تلك السنوات في &#8220;سان كلود&#8221;، لكن قوة أقدم منك تشدك إلى الخلف. إنه نداء &#8220;جرسيف&#8221;، الواجب تجاه أهلك. تتخيل أطفالك المستقبليين ويتملكك القلق: قلق رؤيتهم يقتلعون من هذه الأرض ليلتحقوا بالشمال، تاركين إياك وحيداً على رصيف حياة لم تخترها. تشعر بألم الفراق حتى قبل وقوعه. رغم محبة والدتك وإخوتك لها، تنطق بتلك الـ &#8220;لا&#8221; الداخلية. تختار الوفاء للجذور، مع شعور مؤلم بأنه لكي يبقى المرء صادقاً مع نفسه، يجب عليه أحياناً أن يترك جزءاً من قلبه على الضفة الأخرى<br />
.<br />
​تبطئ الحافلة سرعتها، وصوت المكابح يخرجك من أحلام اليقظة. تلمس بيدك جلد المقعد أمامك، مدركاً أن كل توقف هو صفحة تُطوى. الرحلة مستمرة، لكن ظل &#8220;شامبور&#8221;، وظل &#8220;الكتبية&#8221;، وتاريخ الأدارسة ورائحة &#8220;الكونتي&#8221; تظل محفورة في مرآة ذاكرتك.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (15). ​مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/203386</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 21 Jan 2026 11:03:48 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=203386</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني هندسة الأحلام المكسورة.. وصافرة الجحود ​كنتَ تجلس وحيداً أمام شاشة التلفاز في تلك الليلة من يناير 2026، يلفّك صمتُ الغرفة بينما يضجّ وجدانك بآمال شعبٍ بأسره. كانت المباراة النهائية لكأس إفريقيا بين المغرب والسنغال أكثر من مجرد مواجهة كروية؛ كانت بالنسبة لك استحضاراً لنصف قرن من الانتظار، منذ تلك النجمة الوحيدة التي &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>هندسة الأحلام المكسورة.. وصافرة الجحود</p>
<p>​كنتَ تجلس وحيداً أمام شاشة التلفاز في تلك الليلة من يناير 2026، يلفّك صمتُ الغرفة بينما يضجّ وجدانك بآمال شعبٍ بأسره. كانت المباراة النهائية لكأس إفريقيا بين المغرب والسنغال أكثر من مجرد مواجهة كروية؛ كانت بالنسبة لك استحضاراً لنصف قرن من الانتظار، منذ تلك النجمة الوحيدة التي لمعت في سماء 1976. كنتَ تراقب &#8220;بونو&#8221; وهو يذود عن المرمى ببسالة الأبطال، وتتابع &#8220;العيناوي&#8221; وهو يضمّد جرح رأسه بإصرارٍ أسطوري ليواصل القتال. ومع توالي الدقائق، شعرتَ بـ &#8220;خوارزمية&#8221; غامضة تُطبخ في كواليس الملعب؛ فوضى وافتعال وتوتر سحب المباراة من روحها الرياضية إلى زواريب الحسابات الضيقة. وحين انطلقت صافرة النهاية لتعلن ضياع الكأس &#8220;المسروقة&#8221;، لم تكن تبكي سقوطاً رياضياً، بل كنتَ تبكي شريطاً من &#8220;الصافرات الغادرة&#8221; التي طاردت مسار حياتك كلما اقتربت من منصة تتويجٍ جديدة.</p>
<p>​ألم تكن أنتَ، يا &#8220;طفل جرسيف&#8221;، &#8220;مهندس&#8221; التوازنات الصعبة في مدينة مكناس؟ دعنا نعد بالذاكرة إلى دهاليز &#8220;مركب ابتسامة&#8221; للحماية الاجتماعية بمكناس (2009-2011). لم تكن هناك مجرد مديرٍ إداري، بل كنتَ &#8220;مايسترو&#8221; للإنسانية تدير أوركسترا من أربعين كادراً وسط أمواج من الآلام البشرية. تذكّر تلك الصباحات حين كنتَ تدخل &#8220;فضاء الأشخاص المسنين&#8221;، فتجد في عيونهم انكسار الخريف، فتمسح على رؤوسهم بكلماتٍ تعيد لهم دفء الانتماء. ثم تعرج على &#8220;فضاء حماية الأطفال&#8221; و&#8221;أطفال الشوارع&#8221;، أولئك الصغار الذين اتخذوا من الرصيف وطناً، فكنتَ تجلس بينهم، لا كمسؤولٍ ببدلةٍ رسمية، بل كأبٍ يحاول ترميم طفولةٍ مبعثرة. كنتَ &#8220;تُهندس&#8221; لهم الأمل من العدم، وتستخرج الابتسامة من أعمق آبار الحزن، حتى لقبك الجميع بـ &#8220;موزع الابتسامات&#8221;.</p>
<p>​لكن، يا لها من مفارقة مؤلمة تجرح الروح! فبينما كنتَ تسهر على راحة &#8220;النساء ذوات الاحتياج الخاص&#8221; وتجول في أجنحة المركب الأربعة لتضمن أن كل غريبٍ قد نال حقه من الكرامة، كان بيتك في تلك الأثناء يغرق في &#8220;خسوفٍ&#8221; صامت. كنتَ تمنح الضوء لكل زاوية في مكناس، وتعود لتواجه العتمة في بيتك؛ حيث سُرق الفرح من قلبك حين توقف مسار ابنتك، &#8220;المهندسة التي لم تكتمل&#8221;.</p>
<p>​تخيل ذلك المشهد السينمائي في ذروة انشغالك بمركب ابتسامة أو لاحقاً في ديوان الوزارة: هاتفك لا يتوقف عن الرنين، ملفات الاستغاثة تملأ مكتبك، وأنتَ لا تتردد في الرد حتى في هزيع الليل. كنتَ &#8220;مهندس&#8221; الحلول للمواطنين، تفتح الأبواب المغلقة لمن ضاقت بهم السبل، وتنتزع الحقوق انتزاعاً من براثن البيروقراطية. كنتَ ترسم خرائط الطريق لمستقبل الآخرين، لكنك عجزتَ عن فك شفرة &#8220;الخوارزمية&#8221; القدرية التي أصابت ابنتك. تلك الذكية التي نالت الباكالوريا بامتياز في 2012 ودخلت مدرسة العلوم التطبيقية (ENSA)، كانت تمثل &#8220;البرج&#8221; الأجمل في هندسة حياتك. لكن الزلزال النفسي ضرب أسس ذلك البرج، فتحولت ابنتك من مشروع &#8220;مهندسة دولة&#8221; إلى مشروع &#8220;صمود إنساني&#8221; في وجه المرض، تاركةً إياك في حيرةٍ فلسفية: كيف لمن أنقذ المئات في &#8220;مركب ابتسامة&#8221; أن يقف عاجزاً عن حماية ابتسامة فلذة كبده؟</p>
<p>​والموجع أكثر من المرض نفسه، هو تلك &#8220;الصافرة الغادرة&#8221; التي أطلقها الرفاق والزملاء. فبمجرد أن سكنت ضوضاء المناصب، اكتشفتَ أن هاتفك الذي كان يشتعل رنيناً لخدمتهم، أصبح قطعةً من حديدٍ بارد. لم يتصل أحد ممن &#8220;هندستَ&#8221; لهم مساراتهم المهنية أو النقابية ليسأل: &#8220;يا محمد، كيف حال ابنتك المهندسة؟&#8221;. هنا أدركتَ أن صافرة الجحود من رفيقٍ تقاسمتَ معه الرغيف والحلم، هي أشد فتكاً من صافرة حكمٍ سرق كأساً أمام الملايين. فخسارة الكرة تداويها الأيام، أما جرح نكران الجميل فيترك ندباً في الهوية لا يمحوه إلا النسيان.</p>
<p>​لكن، ارفع رأسك عالياً! فالمغرب الذي خسر مباراة بفعل فاعل، يربح اليوم رهان التاريخ بسيادته القارية. إن ما جرى في الملعب هو ضريبة الريادة، وثمن التحول إلى قوة لا يمكن تجاهلها. ونجاحك أنت، من أستاذ مكافح إلى رئيس ديوان يخدم الوطن، هو جزء من هذا الصعود الجماعي.</p>
<p>​لقد أدركتَ في نهاية المطاف، أنَّ أعظم &#8220;هندسة&#8221; في الوجود ليست تلك التي تُشيّد البنايات أو تُدبّر المؤسسات، بل هي قدرتك على ترميمِ الروح حين تنكسر. فإذا كانت كؤوسُ الذهب تُسرق، وصافراتُ الحكام تخون، ووعودُ الرفاق تتبخّر؛ فإنَّ الابتسامة التي زرعتَها يوماً في قلبِ يتيمٍ أو شيخٍ وحيد، هي المرفأُ الوحيد الذي لن تجرؤ أيُّ عاصفةٍ على هدمه. فنم قرير العين يا قلبُ، فما خُلقتَ لتحصدَ الثناء، بل لتبذرَ الأثر</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (14). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/203325</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 20 Jan 2026 10:17:27 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=203325</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني مكناس، أصيلة، طنجة: تعلّم الفِراق منذ سنة 1979، لم تعد مكناس محطة عابرة في مسارك، بل صارت المرفأ الثابت لعائلتك. لم يكن الانتقال من الخميسات ترفًا ولا اختيارًا مريحًا، بل ضرورة قاسية فرضتها الحياة: البحث عن عمل مؤقت لإخوتك الثلاثة غير المتمدرسين، الذين وجدوا أنفسهم، دون ذنب، في مواجهة شبح البطالة. تحملت &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>مكناس، أصيلة، طنجة: تعلّم الفِراق</p>
<p>منذ سنة 1979، لم تعد مكناس محطة عابرة في مسارك، بل صارت المرفأ الثابت لعائلتك. لم يكن الانتقال من الخميسات ترفًا ولا اختيارًا مريحًا، بل ضرورة قاسية فرضتها الحياة: البحث عن عمل مؤقت لإخوتك الثلاثة غير المتمدرسين، الذين وجدوا أنفسهم، دون ذنب، في مواجهة شبح البطالة. تحملت العبء بصمت، كما اعتدت دائمًا، إذ كانت المسؤولية لديك فعلًا يوميًا لا يحتاج إلى إعلان.</p>
<p>رسالة واحدة، مكتوبة بخط اليد، كانت كافية لتغيير مجرى الأمور. رسالة قاضٍ متقاعد، جاب ربوع المغرب خلال مساره المهني، قبل أن يختمه بمكناس، ثم يستقر بالخميسات ليزاول مهنة المحاماة. في مكتبه تعرّفت عليه، وعلى صديقك الشاب، المحامي الواعد، الذي كان محل ثقته، إذ يجمعهما الأصل من أولماس. توصيته لم تكن قابلة للنقاش. صناعي كبير بمكناس قرر، دون تردد، تشغيل إخوتك الثلاثة: أحدهم في معمل سيدي سعيد لإنتاج الزيوت الغذائية، والآخران في ورش بناء فيلته الكبرى غير بعيد عن حي البساتين.</p>
<p>كانت العائلة حينها تقيم في الطابق الأول من منزل يملكه أحد مرؤوسي قائد الوقاية المدنية، معرفة قديمة تعود إلى أيام دراستك بثانوية علي بن برّ بتازة. شيئًا فشيئًا، بدأ العبء المالي يخف، لا كليًا، ولكن بما يسمح لك بالتقاط أنفاسك.</p>
<p>في هذا الفراغ النسبي، جاءت الصدفة. شهر يونيو بفاس. كنت قد اجتزت بنجاح لافت امتحاناتك الشفوية للسنة الجامعية 1981-1982. في محطة سيارات الأجرة، التقيت بمعلمة شابة تبحث عن سيارة متجهة إلى مكناس. طال الانتظار، وتحول إلى حديث، ثم إلى انسجام صامت. عند الوصول، رافقتها إلى قرب بيت أسرتها، فأعطتك رقم الهاتف الثابت، كما لو أنها تترك نافذة مواربة للمستقبل.</p>
<p>في اليوم الموالي، تجدد اللقاء. ومن حديث إلى آخر، صارحتها بنيّتك في الزواج، ولم تُخفِ عنها واقعك: أسرة كبيرة، ومسؤوليات ثقيلة. استمعت إليك بهدوء، وفهمت. ربما كانت مستعدة، في قرارة نفسها، لوضع حد لغربتها المهنية في تاهلة، تلك البلدة الهادئة في مجال بني ورياغل، البعيدة عن مكناس بمئة كيلومتر وبُعدٍ إنساني أكبر.</p>
<p>سارت الأمور بسرعة. في أقل من أسبوع، طرقت باب أهلها طالبًا يدها. تمت الخطبة، وانفتحت الأبواب، وصرت تدخل بيتهم متى شئت.</p>
<p>حلّ الصيف، وجاءت أصيلة. المحيط الأطلسي ممتد، رحب، كأنه مكافأة بعد العناء. شاطئها مضيء، ورماله ذهبية، وهواؤه مشبع بالملح والسكينة. كل سنة، تستقبل المدينة البيضاء مهرجانًا يجمع كتّابًا وشعراء وفنانين من مختلف جهات المغرب ومن خارجه. الجدران تتزين باللوحات، والكلمات تتجول في الأزقة، والبحر يصغي. عشت تلك العطلة إلى جانب خطيبتك، وأمها، وأخويها. كان الزمن أبطأ، وأكثر رفقًا.</p>
<p>ذات يوم، قصدتما طنجة معًا. مدينة المضيق استقبلتك بسحرها القديم. طنجة الثمانينيات، التي سكنها جان جينيه، وبول بولز، ومحمد شكري، ومرّ بها دولاكروا وغيرهم، كانت لا تزال تحتفظ بظلالهم. حللتما ضيفين على صديقك الحميم من جرسيف، رفيق الدراسة بالثانوية وبالداخلية بتازة. كان مفتشًا وضابطًا بالجمارك، ولم يستطع مغادرة الميناء بسبب ضغط العمل. بيته كان هادئًا، بلا زوجة ولا أبناء، إذ كانوا عند أصهاره بمراكش. كانت الضيافة صادقة، بلا تكلّف. غادرتما، وقد تركت طنجة أثرها فيكما، كما تفعل دائمًا: لا تعطي كل شيء، لكنها تترك علامة.</p>
<p>بعد أكثر من شهر بشاطئ أصيلة، حان وقت العودة. في مكناس، استمرت اللقاءات بينك وبين خطيبتك بانتظام حتى نهاية العطلة. ثم جاء شتنبر. هي عادت إلى تاهلة، وأنت بقيت بمكناس. الهاتف كان جسرًا يوميًا بينكما. بدا كل شيء مستقرًا. إلى أن طرحت مسألة عقد الزواج، الضروري لإتمام إجراءات الجمع العائلي. كان مارس 1983 يقترب، دون أن يظهر أي أثر للعقد. بدأت تساؤلات الأم تتكاثر: العيش منفردين أم مع أسرتك؟ بيت مستقل أم بيت العائلة؟ شعرت بالتدخل حيث كنت قد رسمت حدودًا واضحة. كنت قد حذّرت.</p>
<p>عندها قررت. بلا غضب. بلا ندم. أنهيت الخطوبة. هي رفضت قرارك، عالقة بين حبها لك وتأثير أمها. لكنك كنت حاسمًا. أدركت أن بعض المرافئ، مهما بدت جميلة، لا خُلقت إلا للتوقف المؤقت. واصلت المسير. أكثر وعيًا. ربما أكثر وحدة. لكنك بقيت وفيًّا لذاتك.</p>
<p>حين يكشف الفشل عن وجهه الخفي</p>
<p>لم تكن محاولة الزواج التي انتهت بالفشل خسارة خالصة كما بدت في لحظتها الأولى. مع مرور الزمن، تبيّن لك أن للحياة طرقها الملتوية في منح المعنى، وأن بعض الانكسارات تحمل في طياتها بذور خلاص لم يكن في الحسبان. فقد كان لذلك الفشل، بشكل متناقض، وجه إيجابي بالغ الأثر، تجلّى حيث لم تتوقع.</p>
<p>بفضل تدخل والدة خطيبتك آنذاك، فُتحت أمام أخويك، ميلود وعبدالله، أبواب الاستقرار المهني، حين تمكّنا من الولوج إلى مركز تكوين القوات المساعدة بسيدي إفني. هناك، تحوّل القلق إلى انضباط، والانتظار إلى أفق. ومع تخرجهما سنة 1983، بدأ مسار جديد.</p>
<p>ميلود عُيّن عنصرًا إداريًا بخريبكة، ثم بالقنيطرة، قبل أن يُنهي مسيرته بالقوات المسلحة بمدينة مكناس. مسار هادئ، متدرّج، أفضى إلى تأسيس أسرة من أب وأم وثلاثة أبناء: ابنتين وابن، جميعهم اليوم في وضع مهني مستقر، جعلهم، وجعل والديهم، في منأى عن الحاجة وعن الارتهان للغير. كان ذلك ثمرة صبر طويل، لا صدى له إلا في نتائجه.</p>
<p>أما عبدالله، فقد قادته الأقدار إلى مسار أشد وعورة. عُيّن أولًا ببئر بعوش قرب سطات، قبل أن يُنقل إلى أم دريكة في الصحراء المغربية. هناك، في صيف 1987، سيسقط بين أيدي عصابة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، ليُقتاد رفقة زملائه إلى تندوف. ومنذ تلك اللحظة، سيدخل زمنًا آخر، زمن الجحيم الممتد، الذي دام ما لا يقل عن ثمانية عشر عامًا من الأسر والمعاناة.</p>
<p>كان لاعتقاله وقعٌ مزلزل على الأسرة بأكملها، وعلى والدتك على وجه الخصوص. حملت الألم في صمت، حتى وافتها المنية سنة 1999، ست سنوات قبل الإفراج عنه وعودته إلى أحضان الوطن. عاد عبدالله شاهدًا حيًا، واحدًا من آلاف المضحّين الذين دفعوا أعمارهم ثمنًا للدفاع عن حوزة الوطن وكرامته.</p>
<p>عندها فقط، اتضح لك المعنى الأعمق لما جرى. فهمت أن بعض المرافئ لا تُقاس بما نكسبه فيها لأنفسنا، بل بما تتيحه لغيرنا من سبل النجاة. وأن الفشل، حين يُقرأ خارج لحظته الضيقة، قد يكون إعادة توزيع عادلة للأقدار.</p>
<p>وهكذا واصلت المسير، وقد صار وعيك أشد التصاقًا بفكرة أن الحياة لا تُكافئ دائمًا النوايا، لكنها لا تترك التضحيات بلا أثر. بين القلب والعائلة، بين الفرد والوطن، كنت تتعلم — مرة أخرى — أن العبور، مهما كان موجعًا، قد يكون الطريق الوحيد نحو المعنى.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
