<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>محمد خوخشاني &#8211; Le collimateur</title>
	<atom:link href="https://lecollimateur.ma/ar/tag/%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af-%d8%ae%d9%88%d8%ae%d8%b4%d8%a7%d9%86%d9%8a/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://lecollimateur.ma/ar</link>
	<description>Le goût de la vérité n&#039;empêche pas la prise de parti</description>
	<lastBuildDate>Sat, 27 Jun 2026 10:05:16 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0</generator>

<image>
	<url>https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2022/11/cropped-logo-32x32.png</url>
	<title>محمد خوخشاني &#8211; Le collimateur</title>
	<link>https://lecollimateur.ma/ar</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>هروب الظلمات وعيد الأنوار</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/214854</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 27 Jun 2026 10:05:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أخبار]]></category>
		<category><![CDATA[كتاب الرأي]]></category>
		<category><![CDATA[مجتمع]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=214854</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني 1. الفرار الكبير. في مساء خريفي، حين يكسو الضبابُ المدينةَ وتُثقِلُ النفوسَ بكآبتها، كان شيخٌ لغويٌّ منهمكٌ في مراجعةِ معجمٍ عتيق. ثقلت أجفانُه، ومال رأسُه على الصفحات، فنامَ نومةَ الغفلةِ التي تفتحُ أبوابَ العوالم. وفجأةً، ارتجَّت الحروفُ في أعماقِ الورق، وتموجت الكلماتُ كأنَّ فيها حياةً. انشقت الصفحاتُ، وتسللتْ من بين السطور ثمانيةُ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong>بقلم: محمد خوخشاني</strong></p>
<p><img decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-213403" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg" alt="" width="1080" height="608" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--300x169.jpeg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--1024x576.jpeg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--768x432.jpeg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--390x220.jpeg 390w" sizes="(max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p><strong>1. الفرار الكبير.</strong></p>
<p><strong>في مساء خريفي، حين يكسو الضبابُ المدينةَ وتُثقِلُ النفوسَ بكآبتها، كان شيخٌ لغويٌّ منهمكٌ في مراجعةِ معجمٍ عتيق. ثقلت أجفانُه، ومال رأسُه على الصفحات، فنامَ نومةَ الغفلةِ التي تفتحُ أبوابَ العوالم.</strong></p>
<p><strong>وفجأةً، ارتجَّت الحروفُ في أعماقِ الورق، وتموجت الكلماتُ كأنَّ فيها حياةً. انشقت الصفحاتُ، وتسللتْ من بين السطور ثمانيةُ أشباحٍ رمادية، تحملُ في عيونها لهيبَ الطمعِ وفي خطواتِها زلزالَ الفساد.</strong></p>
<p><strong>كان أولُهم الاغتيالُ الأخلاقي، الذي يلبسُ ثوبَ الشرعيةِ ليقتلَ الضميرَ. تبعه نهبُ المالِ العامِّ، يحملُ كيسًا من الحريرِ ليسرقَ أرزاقَ الفقراء. ووراءَهما الرشوةُ، تلكَ الأفعى التي تتسللُ إلى القلوبِ الضعيفةِ عبرَ أبوابِ الحاجات. ثم الابتزازُ بوجهِه الجهم، والغدرُ بعينيه الزائغتين، والجورُ بعصاه الغليظة، والمحسوبيةُ التي تهمسُ في آذانِ الموظفينَ بكلماتٍ كالعسلِ المسموم.</strong></p>
<p><strong>وكانَ بينهم ثامنٌ، يسيرُ متأخرًا خطوةً، بنظرةٍ حائرةٍ ووجومٍ في محياه. إنها الاستقامة، تلك الكلمةُ التي كانت في الأصلِ رمزًا للصدقِ والعدلِ والنزاهةِ المطلقة. لكنَّ الأشباحَ الستةَ الأخرى، حين فرَّتْ من المعجمِ، جرَّتْها معها قسرًا، وربطتها بسلاسلَ من وهمٍ، وجعلتها رايةً تُرفعُ على أبوابِ مكاتبِ الفسادِ. كانت تُستعمَلُ غطاءً لكلِّ جريمةٍ، فكانوا يكتبونَ على جدرانِ الإداراتِ: &#8220;نحنُ نعملُ باستقامةٍ&#8221;، بينما كانت أياديهم تغوصُ في جيوبِ الفقراءِ. والاستقامةُ، في عزلتِها المريرةِ، كانت تئنُّ وتتألمُ، ولكنَّها كانت عاجزةً عن الكلامِ، مقيدةً بسلاسلِ القهرِ التي فرضتها عليها الظلمات الهاربةُ. كانت كالقمرِ المسجونِ في قبوٍ مظلمٍ، نورُه محجوبٌ، وصوتهُ مكتومٌ، وجوهرُه مهدورٌ.</strong></p>
<p><strong>تفرقتِ الأشباحُ في المدينةِ كالجرادِ، فاستقرتْ حيثُ تُبترُ الآمالُ وتُباعُ الحقوقُ. دخلتِ الرشوةُ إلى المستشفياتِ، فصارتِ الأسِرَّةُ تُمنحُ لمن يدفعُ لا لمن يحتاجُ. واستقرَّ الابتزازُ في المدارسِ، فصارَ النجاحُ حكرًا على أولادِ الأغنياءِ. أما الغدرُ فاتخذَ من مكاتبِ البيروقراطيةِ عرينًا، وحولَ المعاملاتِ إلى سلعٍ تباعُ في الأسواقِ السوداء.</strong></p>
<p><strong>2. مملكةُ الدخان.</strong></p>
<p><strong>وسرعانَ ما وجدتِ الأشباحُ جسدًا بشريًّا تحلُّ فيه. كان من بينهم المديرُ &#8220;سراج&#8221;، ذلك الرجلُ الذي كان وجهه كالقمرِ المكسور، يجلسُ في مكتبه الفخمِ ويوزعُ الخدماتِ كأنها صدقاتٌ منه. دخلت إليه الرشوةُ فصارَ لا يفتحُ ملفًّا إلا بعدَ أن يُغمضَ عينيه على رشوةٍ تخفيها الأوراق. وفي زاويةِ مكتبه، علَّقَ لوحةً كتبَ عليها: &#8220;الإدارةُ المستقيمةُ هي أساسُ النجاحِ&#8221;. وكانتِ الاستقامةُ، المسجونةُ خلفَ تلكَ الحروفِ، تبكي بصمتٍ وهي ترى اسمها يُستعملُ لخدمةِ أضدادِها.</strong></p>
<p><strong>وفي الطابقِ الأسفلِ، كان كاتبٌ اسمه &#8220;بدر&#8221;، ضعيفُ الإرادةِ، تلبَّسَه الابتزازُ، فأصبحَ يطلبُ من المراجعينَ &#8220;رسومًا إضافيةً&#8221; لا تستندُ إلى أيِّ قانون، وكان يضحكُ في سرِّه وهم يدفعونَ بمرارةٍ، وكأنه يقطفُ ثمرَ آلامِهم.</strong></p>
<p><strong>أما في الحيِّ الفقيرِ، فكانت هناك امرأةٌ عجوزٌ تدعى &#8220;أم كريم&#8221;، اشتدَّ بها المرضُ واشتدَّ بحفيدِها الألمُ. كانت تقفُ أمامَ بابِ المستشفى كلَّ يومٍ، ترفعُ كفَّيها إلى السماءِ، وتنظرُ إلى الموظفينَ بعينينِ تذرفانِ دموعًا ساخنةً. لكنَّ المحسوبيةَ كانت تغلقُ دونَها كلَّ الأبواب، وتقولُ لها: &#8220;عودي غدًا&#8230; عودي بعد غد&#8230; لا مكانَ لكِ هنا&#8221;. وكانتِ الاستقامةُ ترى من خلفِ سلاسلِها هذه المأساةَ تتكررُ كلَّ يومٍ، فتحترقُ ألمًا وتصرخُ في داخلها: &#8220;أنا هنا! أنا الحقيقةُ التي تُستعملُ كذبةً! أنقذوني لأُنقِذَكم!&#8221;</strong></p>
<p><strong>وهكذا مضتْ سنواتٌ، والظلمات تكبرُ، والمدينةُ تنزفُ، والمواطنونَ يركعونَ تحتَ وطأةِ الجورِ، لا يجدونَ مفرًّا من هذا الدخانِ الأسودِ الذي خنقَ كلَّ شيء.</strong></p>
<p><strong>3. ثورةُ الضميرِ.</strong></p>
<p><strong>وذاتَ صباحٍ، بعدَ أن رفضوا إدخالَ حفيدِها إلى غرفةِ العملياتِ للمرةِ العاشرة، صرختْ أمُّ كريمَ صرخةً لم تكنْ صرخةَ يأسٍ، بل كانتْ إعلانَ حربٍ. خرجتْ إلى الساحةِ العامةِ، ورفعتْ رأسَها، ونادتِ الناسَ بصوتٍ يهزُّ الجبالَ:</strong></p>
<p><strong>· &#8220;يا نيامَ الضميرِ، انتبهوا! فالظلمات تأكلُ لحومَكم، والأشباحُ تشربُ دماءَ أطفالِكم!&#8221;</strong></p>
<p><strong>وهبتِ المدينةُ كالجسدِ الواحد. اجتمعَ الشبانُ والأطباءُ والمعلمونَ والمحامونَ. لم تكنْ ثورتهمْ بالسيوفِ، بل بالأقلامِ والكاميراتِ والشهاداتِ. أسسوا &#8220;تحالفَ النورِ&#8221;، وتعهدوا ألا يناموا حتى تطهَّرَ مدينتُهمْ من أدناسِ الظلال.</strong></p>
<p><strong>بدأوا أولًا بفضحِ المحسوبيةِ، فنشروا كلَّ ملفٍّ على الإنترنت، وجعلوا كلَّ معاملةٍ شفافةً كالماءِ. فذبلتِ المحسوبيةُ كزهرةٍ في الصحراء.</strong></p>
<p><strong>ثم تسلحوا بالقانونِ، ورفعوا دعاوى قضائيةً ضدَّ المديرِ سراج، وكشفوا حساباتِه البنكيةَ. فهربتِ الرشوةُ من جيوبِه، وتركتهُ يواجهُ العدالةَ وحيدًا.</strong></p>
<p><strong>وتعاقبتِ الانتصاراتُ: سقطَ الابتزازُ حين صارَ كلُّ مواطنٍ يعرفُ حقوقَه، وسقطَ الغدرُ حين صارَ الموظفونَ يخافونَ عيونَ الرقابةِ، وسقطَ الجورُ حين وقفَ القضاةُ مع المظلومينَ. وأخيرًا، لما تكشفتْ كلُّ المؤامراتِ، اختنقَ الاغتيالُ الأخلاقيُّ في حنجرةِ آخرِ فاسدٍ، وماتَ موتَ الأشباحِ، لا جنازةَ لهُ ولا بكاءَ.</strong></p>
<p><strong>وفي تلكَ اللحظةِ التاريخيةِ، حين سقطَ آخرُ ظلٍام من ظلمات الشرِّ، شعرتِ الاستقامةُ بسلاسلِها تتفتتُ. رفعتْ رأسَها، ونظرتْ إلى السماءِ لأولِ مرةٍ منذُ سنواتٍ، وابتسمتْ. كانت دموعُها الساخنةُ قد جفَّتْ، وحلَّ محلها نورٌ يتدفقُ من صدرِها. نهضتْ واقفةً، وتقدمتْ نحوَ الناسِ الذينَ حرروها دونَ أن يعلموا. كانت كالعنقاءِ التي تولدُ من رمادِها، أو كالقمرِ الذي يخرجُ من وراءِ الغيومِ بعدَ ليلٍ طويلٍ. تقدمتْ نحوَ أمِّ كريمَ، وأخذتْ بيدِها، وقالتْ بصوتٍ فيهِ رجفةُ البعثِ:</strong></p>
<p><strong>· &#8220;لقد كنتُ أسيرةَ ظلامِهم، واستعملوني غطاءً لجرائمِهم. أما اليومَ، فقد حررتموني بأخلاقِكم وإرادتِكم. سأكونُ معكم، لا فوقَ رؤوسِكم، بل بينَ أيديكم، في قلوبِكم، في كلِّ قرارٍ عادلٍ وكلِّ فعلٍ نبيلٍ.&#8221;</strong></p>
<p><strong>صفَتِ المدينةُ، وعادتِ الطمأنينةُ إلى القلوبِ، وتنفسَ الناسُ الصعداءَ، وأشرقتِ الشمسُ كأنها ولدتْ من جديدٍ.</strong></p>
<p><strong>4. ليلةُ النورِ.</strong></p>
<p><strong>ومع عودةِ السلامِ، قررَ المواطنونَ أن يقيموا حفلاً كبيرًا في الساحةِ الكبرى. حفلاً لم يُرَ مثلُه في تاريخِ المدينةِ. وفي ليلةِ الحفل، طلبوا من حرَّاس المعجمِ أن يأذنوا لكلماتِ النورِ بالخروجِ لساعاتٍ معدوداتٍ، لتشاركَ البشرَ فرحتَهم.</strong></p>
<p><strong>وحين أظلمَ الليلُ، انفتحتْ صفحاتُ المعجمِ، وتدفقتْ كلماتٌ بيضاءُ كالملائكةِ. تقدمتْ الشفافيةُ، ترتدي ثوبًا من الضوءِ الخالصِ، تبتسمُ في وجوهِ الجميعِ. وخلفَها النزاهةُ، تحملُ ميزانًا لا يميلُ، توزعُ العدلَ على الحاضرينَ. وتبعتهما الطهارةُ، كزهرةِ اللوتسِ التي تنمو في الوحلِ ولا تتسخُ، ثم الأمانةُ التي تقفُ كالجبلِ لا تهزُّها الرياحُ، وأخيرًا الإيثارُ والتعاونُ، يقدمانِ الطعامَ والشرابَ بأيادٍ بيضاءَ.</strong></p>
<p><strong>ولكنَّ الأكثرَ حضورًا، والأكثرَ إدهاشًا، والأكثرَ تأثيرًا في القلوبِ، كانتِ الاستقامةُ. لم تأتِ من المعجمِ هذهِ المرةَ، بل أتتْ من بينِ الناسِ، من بينِ أولئكِ الذينَ حرروها. كانت ترتدي ثوبًا من نورٍ أبيضَ مُوشَّى بخيوطٍ من فضةٍ، وعلى صدرِها وسامُ الحريةِ الذي منحها إياهُ الشعبُ. تقدمتْ نحوَ المنصةِ، ورفعتْ يدَها، فخيمَ سكونٌ مهيبٌ على الساحةِ. ثم تكلمتْ بصوتٍ فيهِ رنينُ الحقيقةِ:</strong></p>
<p><strong>· &#8220;أيها الأحرارُ، لقد كنتُ كلمةً مسجونةً، وحرفًا مقهورًا، وروحًا مهدورةً. استعملني الظالمونَ شعارًا، واستخفَّ بي الجاهلونَ رمزًا. لكنَّكم، بإرادتِكم الصلبةِ، ووحدتِكم المباركةِ، أعدتموني إلى حقيقتي. أنا لستُ مجرَّدَ كلمةٍ في معجمٍ، أنا فعلُكم الصالحُ، وقرارُكم العادلُ، وضميرُكم اليقظُ. كونوا أنتم المعجمَ الحيَّ لي، واحفظوني في أقوالِكم وأفعالِكم. فلا تقولوا الاستقامةُ، بل كونوا الاستقامةَ.&#8221;</strong></p>
<p><strong>وقفَ المديرُ سراجٌ والكاتبُ بدرٌ خلفَ قضبانِ السجنِ، ينظرانِ إلى ذلكَ المشهدِ البهيِّ، ويبكيانِ على أيامٍ ضاعتْ في الظلامِ. لكنَّ الناسَ لم يلتفتوا إليهما، فقد كانوا منشغلينَ بالرقصِ والغناءِ تحتَ سماءٍ امتلأتْ بالنجومِ.</strong></p>
<p><strong>وتقدمتْ أمُّ كريمَ، التي أصبحتْ رمزًا للصمودِ، وأمسكتْ بيدِ الاستقامةِ، وقالتْ بصوتٍ يفيضُ فخرًا:</strong></p>
<p><strong>· &#8220;لم يهزمِ الظلامَ إلا أنتِ&#8230; ولم ينتصرِ النورُ إلا بنا جميعًا.&#8221;</strong></p>
<p><strong>فردَّتِ الاستقامةُ وهي تبتسمُ، ودموعُ الفرحِ تتلألأُ في عينيها:</strong></p>
<p><strong>· &#8220;بل أنتم هزمتموهُ&#8230; أنا لم أكنْ سوى ظلِّكم، أما أنتم فكنتم نورَ العالمِ.&#8221;</strong></p>
<p><strong>5. العودةُ والوعدُ</strong></p>
<p><strong>ومع طلوعِ الفجرِ، بدأتْ كلماتُ النورِ تودعُ الناسَ واحدًا واحدًا. عادتِ الشفافيةُ إلى صفحتِها، وعادتِ النزاهةُ إلى مكانِها في المعجمِ، واختفى الإيثارُ والتعاونُ في أعماقِ الحروفِ. ولكنَّ الاستقامةَ، قبلَ أن تغادرَ، التفتتْ إلى أمِّ كريمَ وقالتْ لها:</strong></p>
<p><strong>· &#8220;سأعودُ كلَّما عدتمْ إلى جادَّةِ الصوابِ. سأكونُ في كلِّ قرارٍ شجاعٍ، وفي كلِّ موقفٍ نبيلٍ، وفي كلِّ حلمٍ يبني وطنًا. لا تنسوني، وسأكونُ معكمْ دائمًا.&#8221;</strong></p>
<p><strong>ثم انطلقتْ نحوَ المعجمِ، ولكنَّها تركتْ خلفَها أثرًا من نورٍ على الأرضِ، أثرًا يسيرُ فيهِ الأطفالُ كلَّ صباحٍ إلى مدارسِهم، ويسيرُ فيهِ الموظفونَ إلى مكاتبِهم، ويسيرُ فيهِ المرضى إلى شفائِهم.</strong></p>
<p><strong>ومن ذلكَ اليومِ، صارتِ المدينةُ تُضربُ بها الأمثالُ في العدلِ والشفافيةِ والاستقامةِ. وكانتْ أمُّ كريمَ تروي لأحفادِها كلَّ ليلةٍ قصةَ الظلمات التي هربتْ والأنوارِ التي نزلتْ، وتختمُ دائمًا بقولِها:</strong></p>
<p><strong>· &#8220;يا بنيَّ، لا تخفْ من كلماتِ الشرِّ، فهي ظلمات لا تسكنُ إلا في قلوبِ الضعفاءِ. أما إذا توحدتِ القلوبُ النقيةُ، وتمسكتُم بالاستقامةِ، فإنَّ النورَ ينتصرُ، ولو تأخرَ قليلًا. والاستقامةُ ليستْ حرفًا في معجمٍ، بل هي أنتم حينَ تكونونَ صادقينَ مع أنفسِكم ومع الآخرينَ.&#8221;</strong></p>
<p><strong>وهكذا صارَ الحفل سنَّةً تتجددُ كلَّ عامٍ، تذكيرًا للأجيالِ بأنَّ الخيرَ باقٍ ما بقيتِ الإرادةُ، وأنَّ العدلَ قادمٌ ولو بعد حين، وأنَّ الكلماتِ ليستْ مجردَ حروفٍ على ورقٍ، بل هي أرواحٌ تسكنُ في ضمائرِ الناسِ، وتنتظرُ لحظةَ اليقظةِ لتظهرَ وتُغيرَ العالمَ.</strong></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>من صاكة وبركين وتادارت ولمريجة إلى جرسيف: رسالة إلى شباب الجهة الشرقية</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/214515</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 23 Jun 2026 10:55:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أخبار]]></category>
		<category><![CDATA[الانتخابات التشريعية 2026]]></category>
		<category><![CDATA[كتاب الرأي]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=214515</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني* أيها الشباب، أنتم ورثة أجدادكم وصنّاع مستقبل إقليمكم. عندما نستعرض صفحات التاريخ المجيد، نجد أن آباءنا وأجدادنا في قبائل هوارة وأولاد رحو وبني وراين وبني بويحيي وغيرهم من المواطنين بالإقليم، لم ينتظروا الظروف المواتية ليصنعوا التغيير، بل صنعوه بأيديهم وبدمائهم. لقد خاضوا الجهاد الأصغر ضد الاستعمار، متحدين رغم انتماءاتهم القبلية المتنوعة، متجاوزين &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong>بقلم: محمد خوخشاني*</strong></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-213403" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg" alt="" width="1080" height="608" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--300x169.jpeg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--1024x576.jpeg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--768x432.jpeg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--390x220.jpeg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p><strong>أيها الشباب، أنتم ورثة أجدادكم وصنّاع مستقبل إقليمكم.</strong></p>
<p><strong>عندما نستعرض صفحات التاريخ المجيد، نجد أن آباءنا وأجدادنا في قبائل هوارة وأولاد رحو وبني وراين وبني بويحيي وغيرهم من المواطنين بالإقليم، لم ينتظروا الظروف المواتية ليصنعوا التغيير، بل صنعوه بأيديهم وبدمائهم. لقد خاضوا الجهاد الأصغر ضد الاستعمار، متحدين رغم انتماءاتهم القبلية المتنوعة، متجاوزين الخلافات الصغرى من أجل هدف أعظم: تحرير الوطن.</strong></p>
<p><strong>واليوم، أيها الشباب، أنتم مدعوون لخوض الجهاد الأكبر، جهاد البناء والتنمية، جهاد النهضة والتحديث. إن إقليم جرسيف الذي كان يوماً معقلاً للمقاومة وملتقى للطرق الاستراتيجية، أصبح اليوم بحاجة إلى مقاومة من نوع آخر: مقاومة التهميش، مقاومة الفساد، مقاومة اليأس.</strong></p>
<p><strong>لقد حان وقت التغيير.</strong></p>
<p><strong>لا تقبلوا بأن تكون جرسيف رهينة &#8220;مغرب السرعتين&#8221;. فما دام أجدادكم قد حملوا السلاح دفاعاً عن الكرامة، فأنتم اليوم تحملون قلم التصويت وأدوات المعرفة سلاحاً لاستعادة الحقوق. لقد آن الأوان لأن تتحول جرسيف من مجرد نقطة على الخريطة إلى قطب للتنمية، وهذا لن يتحقق إلا بإرادة شبابية متوقدة.</strong></p>
<p><strong>شباب قادر وواعد.</strong></p>
<p><strong>أنتم، شباب جرسيف وصاكة وبركين ولمريجة وتادارت ومسون، أنتم من تحملون في عقولكم العلم، وفي قلوبكم الإخلاص، وفي أيديكم الكفاءة. لا تنتظروا أن تقدم لكم التنمية على طبق من فضة، بل تقدموا إليها بأنفسكم، عبر:</strong></p>
<p><strong>● الترشح للاستحقاقات الانتخابية بشجاعة، فلا تتركوا المجال لمن لا يهمه أمركم.</strong><br />
<strong>● الالتحاق بمراكز القرار المحلية والجهوية، فالسياسي النزيه خير من المتقاعس المدعي.</strong><br />
<strong>● المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، عبر الانخراط في الجمعيات والنقابات والأحزاب الجادة.</strong><br />
<strong>● الانفتاح على التجارب التنموية الناجحة في الأقاليم الأخرى، ونقلها إلى واقعكم.</strong></p>
<p><strong>رسالة إلى المستيقظين من نوم اليأس والتيئيس.</strong></p>
<p><strong>يا من تقولون: &#8220;لا شيء سيتغير&#8221;، ألم يكن أجدادكم يقول لهم المستعمر: &#8220;لن تتحرروا&#8221; ومع ذلك حرروا المغرب. ألم يكن من يقول: &#8220;الريف والشرق لا يصلحان للتنمية&#8221;؟ وقد أثبتتم العكس عبر التاريخ.</strong></p>
<p><strong>اليوم، لا مكان لليأس في قلوب من يحملون دماء المقاومين. نعم، الطريق صعب، لكنه ليس أصعب من مسالك الجبال التي كان يجتازها جيش التحرير. نعم، العراقيل كثيرة، لكنها ليست أكبر من حواجز الاستعمار التي سقطت بصبر الآباء.</strong></p>
<p><strong>نداء الوحدة من أجل النهضة.</strong></p>
<p><strong>كما تلاحمت قبائل جرسيف وصاكة وبركين وتادارت ولمريجة ومسون في وجه المستعمر، تلاحموا اليوم في وجه التحديات التنموية. تجاوزوا الصراعات الضيقة التي تدعو لها بعض الأحزاب واصطفوا خلف مشروع نهضوي جامع، يضع مصلحة الإقليم فوق كل اعتبار. فالمنتخب الفاسد لا فرق بين حزبه وانتهازيته، والنزيه لا بد أن يُدعم مهما كان لونه السياسي.</strong></p>
<p><strong>جرسيف الغد.</strong></p>
<p><strong>تخيلوا معي جرسيف التي نريد:</strong></p>
<p><strong>● مدينة جامعية تستقطب الطلبة من كل الجهات.</strong><br />
<strong>● قاعدة صناعية وفلاحية تستثمر مؤهلاتها الطبيعية.</strong><br />
<strong>● مركز ثقافي يعكس إرثها التاريخي النضالي.</strong><br />
<strong>● نموذج في الحكامة المحلية الشفافة.</strong></p>
<p><strong>هذا ليس حلماً، إنه مشروع يمكن تحقيقه إذا توفرت الإرادة، وإذا كان الشباب في قلب المعركة.</strong></p>
<p><strong>الخاتمة: بين الجهاد الأصغر والأكبر.</strong></p>
<p><strong>أيها الشباب، إن معركة الاستقلال صنعها أجدادكم بتلاحمهم وتضحياتهم. ومعركة التنمية تصنعونها أنتم بوحدتكم وعملكم الجاد. لا تنتظروا الغد، فاليوم هو لحظة التغيير. لا تبحثوا عن أعذار، فالتاريخ ينتظر منكم أن تكونوا على قدر المسؤولية.</strong></p>
<p><strong>جرسيف تستحق أن تكون كما كانت دائماً: صامدة، مقاومة، متطلعة إلى المستقبل. وهي تنتظر شبابها ليصنعوا نهضتها كما صنع أجدادهم استقلالها.</strong></p>
<p><strong>الله، الوطن، الملك&#8230; وإقليم جرسيف في القلب.</strong></p>
<p><strong>&#8220;إنهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون&#8221;</strong><br />
<strong>◇◇◇◇◇◇◇</strong><br />
<strong>* من عاصمة بني بويحيي، صاكة (الوالد من أيث عري والوالدة من أيث عبدالسميع). مسقط الرأس جرسيف حيث ترعرع ودرس إلى غاية السنة الثالثة إعدادي.</strong></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الموسيقى: ذاكرة تتنفّس، ولسان لا يُترجَم</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/214399</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 21 Jun 2026 11:39:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أخبار]]></category>
		<category><![CDATA[فنون و ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[الموسيقى]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=214399</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني اليوم، يصمت العالم قليلاً ليُصغي. في كل مكان، على الرصيف، تحت الأشجار، عند النوافذ المفتوحة، تتسلّق النوتات كندى الصباح. إنه عيد الموسيقى، وقد يظنّ المرء أن الأمر مجرد احتفاء بالموسيقيين والقيثارات والجماهير السعيدة. لكنّ تكريم الموسيقى حقّاً هو، ربّما، أن نصمت لحظة لنصغي إلى نبض قديم، خفيض، ينبض تحت ألحان اليوم: نبض &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong>بقلم: محمد خوخشاني</strong></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-213403" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg" alt="" width="1080" height="608" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--300x169.jpeg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--1024x576.jpeg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--768x432.jpeg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--390x220.jpeg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p><strong>اليوم، يصمت العالم قليلاً ليُصغي. في كل مكان، على الرصيف، تحت الأشجار، عند النوافذ المفتوحة، تتسلّق النوتات كندى الصباح. إنه عيد الموسيقى، وقد يظنّ المرء أن الأمر مجرد احتفاء بالموسيقيين والقيثارات والجماهير السعيدة. لكنّ تكريم الموسيقى حقّاً هو، ربّما، أن نصمت لحظة لنصغي إلى نبض قديم، خفيض، ينبض تحت ألحان اليوم: نبض الإنسان نفسه.</strong></p>
<p><strong>قبل الكتب، قبل الآلهة المسماة، قبل أن ينتظم الكلام في نحو، كان هناك نَفَس، صَدْمَة، إيقاع. ضربت الكفّ الجذع الأجوف، والغصن الصوان، والعظم اليباب. قلّد الإنسان الريح، والمطر، وغناء الطائر المُفاجَأ بالفجر. وفجأة، وُلِد شيء ليس صرخة ولا لغة، بل ذلك الارتعاش الخفي الذي تعرف فيه الروح نفسها. مزامير من عظام الدببة، عمرها أربعون ألف شتاء، ما زالت تنطق. لا تحكي حكاية، بل تجعلنا نسمع حضوراً. كانت الموسيقى تلك الذاكرة قبل الذاكرة، ذاك الأثر قبل الكتابة، ذلك همس الروح وهي تحاول لمس الآخر.</strong></p>
<p><strong>في المعابد الرملية، وتحت القباب الحجرية، وعلى تخوم الغابات المقدّسة، لم تكن الموسيقى في البدء تسلية. كانت قرباناً، صلاة، يداً ممدودة إلى ما وراءنا. غنّى المصريون كي تشرق الشمس، وغنى سكان ما بين النهرين كي لا تجف مياه دجلة، وغنّى الشامان كي تستجيب أرواح الأسلاف. كانت الموسيقى ذلك الجسر الهشّ بين وحل الأيام وبهاء اللامتناهي. كانت تقول ما لا تستطيع الكلمات أن تلمسه: هلع الموت، نشوة الميلاد، لغز الحصاد الذي يعود كل عام.</strong></p>
<p><strong>وكانت أيضاً نبض الجماعة، طبل الجمع، النشيد الذي يلحم. حين كان الرجال يشدّون معاً القارب أو المحراث، كان الإيقاع يجعل من أذرعهم جسداً واحداً. أناشيد الحصاد، مراثي السهرات، أنساب القبائل المرتلّة في الليل: كلّ المعرفة، كلّ العالم، كان ينتقل من فم إلى أذن، من جيل إلى جيل. بلا مطبعة، بلا شاشة، كانت الموسيقى أول مكتبة للبشر، ذاكرة حيّة لا تنطفئ إلا بآخر أنفاس الراوي العجوز.</strong></p>
<p><strong>لكن ما يبعث على الدهشة أكثر، ربّما، هو تلك الغرابة الكونية. تهويدة جورجية يمكنها أن تهزّ مهداً برازيلياً. إيقاع من مالي يمكنه أن يجعل قاعة في أوسلو ترتجف. فوغا باخ تعبر القرون والحدود كالماء الجوفي الذي لا يحتاج إلى جواز سفر. الموسيقى تلك اللغة التي يفهمها الجسد كله قبل أن يترجمها العقل. هي اللغة الوحيدة التي لا تفرّق، الجسر الوحيد الذي لا يطلب شيئاً، الوطن الوحيد الذي نحن فيه، منذ البدء، مواطنون.</strong></p>
<p><strong>ومع ذلك، لا تتوقف عن التغيّر، عن اختراع نفسها. من أناشيد الغريغوري إلى طباق النهضة، من الفالس الفييني إلى الجاز النيورلانزي، من الروك الهامشي إلى الإيقاعات الإلكترونية التي تجعل ليالي طوكيو ترقص، كل عصر بحث عن نغمته، كل حضارة وجدت جرسها. الأسطوانة، المذياع، الرقمنة فتحت أبواباً شاسعة. اليوم، طفل في داكار يمكنه أن يسمع رباعيّة براغ، ومراهق في بكين يمكنه أن يرقص على إيقاع من ديترويت. لم تكن الموسيقى قطّ أقرب إلينا، ولم تسافر قطّ بهذه السرعة. لكن هذا السفر المذهل، هل يفقدها روحها، أم ينشرها على الرياح الأربع؟</strong></p>
<p><strong>الحادي والعشرون من يونيو، يوم الانقلاب الصيفي حين يتأخر الضوء أكثر من أي يوم آخر، اختاره جاك لانغ لكي تنزل الموسيقى إلى الشارع، وتغادر القاعات المغلقة، وتصبح شعباً. وهذه البادرة، البسيطة كنافذة مفتوحة، اجتاحت العالم. لأنها استجابت لحاجة عميقة: ألا تكون الجميلة حكراً، وأن تكون النوتة خبزاً مشتركاً، وألا يكون العيد مشهداً بل نَفَساً جماعياً.</strong></p>
<p><strong>وتعلّمنا علوم الأعصاب اليوم ما كان القدماء يعرفونه دون أن يعرفوه. لحن واحد يشعل عدة مناطق في الدماغ معاً. يهدّئ القلب، يُوقظ الذاكرة النائمة، يدفئ المزاج، ينسج خيوطاً خفية بين البشر. يداوي، أحياناً، أفضل من الأدوية. العلاج بالموسيقى هو ضوء صغير في المستشفيات، يد رفيقة على الأجساد المتعبة. الموسيقى ليست مجرد متعة: إنها دواء بلا روشتة، عزاء بلا كلام.</strong></p>
<p><strong>لكنها أيضاً قوة ترفع الجماهير. حملت المظلومين، ورافقت الثورات، وبكت الشهداء، واحتفلت بالمحرّرين. من مزارع الجنوب إلى سجون جنوب إفريقيا، من ساحات أوروبا إلى صحاري أمريكا اللاتينية، كانت راية من لا يملكون غير أصواتهم. اليوم أيضاً، هي سلاح دبلوماسي، ورافعة نفوذ، ونبض وحدة في عالم مبعثر.</strong></p>
<p><strong>إنها أشياء كثيرة في آن، الموسيقى. ذاكرة الشعوب، مدرسة صامتة، صناعة هائلة، دواء، رابط، رسول، مختبر، صلاة. كل وظيفة وجه، وكل وجه يلمع بضوء مختلف.</strong></p>
<p><strong>لكن في العمق، وراء كل هذه الأدوار، ربما تكون الموسيقى أقدم طريقة ليقول الإنسان: أنا هنا، أخاف، أرجو، أحبّ. هي الصرخة التي تصير نشيداً، الألم الذي يصير جمالاً، الفرح الذي يصير رقصاً. هي حاضرة في أول الصرخات كما في آخر الوداعات، في حميمية غرفة كما في نشوة جمهور. سقطت الإمبراطوريات، وانقرضت اللغات، وأعيد رسم الخرائط بالحروب والمعاهدات. لكن الموسيقى، هي، بقيت. لأنها تمس فينا ما لا يموت.</strong></p>
<p><strong>في هذا الحادي والعشرين من يونيو، لا نكتفِ بالاستماع. لنتذكّر أن كل نوتة هي ذرّة من إنسانية تعبر العصور، وكل إيقاع هو نبض قلب يستجيب لقلوب أخرى. الموسيقى ليست رفاهية، تسلية، ضجيجاً في الخلفية. إنها ضرورة قديمة كالنفَس، حضور وفيّ كالظل، وعد بأننا لسنا وحدنا.</strong></p>
<p><strong>فلنحتفل بها، لكن قبل كل شيء، فلنصغِ إليها. لأنّه في سرّ الألحان، في بهاء وتر، في الصمت الذي يلي نغمة، لا يزال قائماً ذلك الشيء الهشّ الذي لا يُقهر، والذي نسمّيه، ربما بكل بساطة، إنسانيتنا</strong></p>
<blockquote class="twitter-tweet" data-media-max-width="560">
<p dir="ltr" lang="fr"><img src="https://s.w.org/images/core/emoji/17.0.2/72x72/2728.png" alt="✨" class="wp-smiley" style="height: 1em; max-height: 1em;" /> La musique : un remède puissant au-delà des mots</p>
<p>Le pouvoir de la musique d’unir, de guérir et de transformer est fondamental.<br />
C’est la plus profonde des médecines non chimiques.</p>
<p>La musique peut nous guérir jusque dans nos cellules.</p>
<p>Des chercheurs ont découvert que la… <a href="https://t.co/AI6RI9NcpC">pic.twitter.com/AI6RI9NcpC</a></p>
<p>— Didier (@LetItShine69) <a href="https://x.com/LetItShine69/status/1891616445512978677?ref_src=twsrc%5Etfw">February 17, 2025</a></p></blockquote>
<p><script async src="https://platform.x.com/widgets.js" charset="utf-8"></script></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>زاوية إنسانية. الكرسي الفارغ (بقلم: محمد خوخشاني)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/208194</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 30 Mar 2026 09:29:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[فنون و ثقافة]]></category>
		<category><![CDATA[في الصميم]]></category>
		<category><![CDATA[زاوية إنسانية]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=208194</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني في نهاية العمر، حين تهدأ ضوضاء الحياة ويخف صخب الأيام، يكتشف الإنسان حقيقة لم يكن ينتبه إليها كثيراً في شبابه: أن الحياة، في جوهرها، لم تكن سوى صحبة. صحبة إنسان واحد تقاسم معك الطريق. تقاسم معك البدايات المرتبكة، وسنوات الكفاح، وقلق المستقبل، وفرح الأبناء، وحتى تعب الأيام الثقيلة. الزوجان اللذان يبلغان الشيخوخة &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-207604" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/03/khkh-768x432-1.jpeg" alt="" width="768" height="432" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/03/khkh-768x432-1.jpeg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/03/khkh-768x432-1-300x169.jpeg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/03/khkh-768x432-1-390x220.jpeg 390w" sizes="auto, (max-width: 768px) 100vw, 768px" /></p>
<p>في نهاية العمر، حين تهدأ ضوضاء الحياة ويخف صخب الأيام، يكتشف الإنسان حقيقة لم يكن ينتبه إليها كثيراً في شبابه: أن الحياة، في جوهرها، لم تكن سوى صحبة.</p>
<p>صحبة إنسان واحد تقاسم معك الطريق. تقاسم معك البدايات المرتبكة، وسنوات الكفاح، وقلق المستقبل، وفرح الأبناء، وحتى تعب الأيام الثقيلة.</p>
<p>الزوجان اللذان يبلغان الشيخوخة معاً لا يعيشان مجرد علاقة عادية. إنهما يعيشان تاريخاً مشتركاً. سنوات طويلة من التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد: فنجان قهوة في الصباح، سؤال عابر عند المساء، نظرة تفاهم تختصر كلاماً كثيراً.</p>
<p>ومع مرور الزمن، تتحول هذه التفاصيل البسيطة إلى نسيج خفيّ من الطمأنينة. طمأنينة لا تصنعها الأموال، ولا المناصب، ولا المكانة الاجتماعية. فكل ذلك يفقد بريقه مع السنوات.</p>
<p>لكن ما يبقى حقاً هو ذلك الشعور العميق بأن هناك من يعرفك كما أنت؛ من يعرف صمتك قبل كلامك، وتعبك قبل أن تشكو.</p>
<p>غير أن الحياة، بطبيعتها، لا تسمح لهذه الصحبة أن تستمر إلى الأبد. في يوم ما، وبهدوء لا يشبه ضجيج البدايات، سيرحل أحدهما أولاً.</p>
<p>عندها لن يتغير البيت كثيراً. الأثاث سيبقى كما هو، والجدران ستحتفظ بالصور ذاتها، والنافذة ستستقبل الصباح نفسه.</p>
<p>لكن شيئاً واحداً سيكون قد اختفى إلى الأبد: الحضور. ذلك الحضور الذي كان يملأ المكان دون أن يشعر به أحد.</p>
<p>سيجلس أحدهما في المساء، فينظر إلى الكرسي المقابل، ويكتشف فجأة أن الصمت يمكن أن يكون ثقيلاً. ثقيلاً إلى حدّ أن البيت، بكل غرفه، يبدو أوسع من اللازم.</p>
<p>عندها يدرك الإنسان متأخراً درس الحياة الأكبر: أن أجمل ما كان يملكه لم يكن مالاً ولا مجداً ولا سلطة، بل إنساناً كان يقول له كل يوم، بوجوده البسيط: &#8220;أنا هنا.&#8221;</p>
<p>لهذا، ربما ينبغي أن نتعلم ونحن ما زلنا في الطريق درساً بسيطاً: أن نكون أكثر لطفاً مع من نحب. أن نغفر أسرع.<br />
أن نؤجل الغضب، لا المحبة.</p>
<p>فالزمن يمضي بصمت، وفي لحظة لا يتوقعها أحد، سيبقى في البيت كرسي فارغ.</p>
<p>وذلك الكرسي لن يكون مجرد قطعة أثاث. سيكون شاهداً صامتاً على أن إنساناً كان يجلس هناك يوماً… وكان، ببساطة، جزءاً من الحياة.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة. مذكرات طفل من جرسيف (خاتمة)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204880</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 11 Feb 2026 14:04:03 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مرافئ الحياة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204880</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني جذور نوري. لم يعودوا هنا. أبي. أمي. أخي ناصر. حلّ الصمت مكانهم على مائدة الذكريات، غير أن حضورهم لم يغادرني يومًا. أنا ثمرة تضحياتهم الخفية، وحصاد سهرهم الطويل، واستجابة متأخرة لدعواتٍ همسوا بها في عتمة الليالي القاسية. إن كنت اليوم ثابتًا، فذلك لأن أيديهم حملتني حين كانت قدماي ترتجفان في طفولتي. كانت &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>جذور نوري.</p>
<p>لم يعودوا هنا.<br />
أبي.<br />
أمي.<br />
أخي ناصر.</p>
<p>حلّ الصمت مكانهم على مائدة الذكريات، غير أن حضورهم لم يغادرني يومًا.</p>
<p>أنا ثمرة تضحياتهم الخفية، وحصاد سهرهم الطويل، واستجابة متأخرة لدعواتٍ همسوا بها في عتمة الليالي القاسية. إن كنت اليوم ثابتًا، فذلك لأن أيديهم حملتني حين كانت قدماي ترتجفان في طفولتي.</p>
<p>كانت أمي مدرستي الأولى قبل المدرسة. في بساطة بيتنا المتواضع كانت ترى أبعد من الجدران. أدركت، بحدس الأمهات النقي، أن العلم سيكون زادي في الحياة. لولاها ما عبرتُ عتبة قسم دراسي. لم تكن تحمل شهادات، لكنها كانت تملك حكمة الشجاعة وفقه التضحية. كان كل دفتر يُشترى تضحية صامتة، وكل دخول مدرسي انتصارًا صغيرًا على العوز.</p>
<p>أما أبي فكان السور الذي يحمي الأسرة من رياح الشدة. حمل على كتفيه عبء تسع أفواه تحتاج إلى خبز وكرامة. في شتاءات جرسيف القاسية، حين كان البرد ينهش الأرض والأجساد، كان هو الدفء الذي يرفض الانطفاء. كان يعمل بصمت، بكرامة الرجال الذين لا يكثرون الكلام، لكنهم لا يسقطون.</p>
<p>وناصر… أخي. رفيق الظل والشمس.</p>
<p>كان يقتسم معنا الخبز والحلم والصمت. كان، مع أبي، سداً في وجه الجوع، وفي وجه الإهانة، وفي وجه الفقر الذي يسعى إلى كسر الإرادات. بفضلهما لم نذق مرارة المجاعة. بفضلهما لم تكن شتاءاتنا شتاءات ضياع. حوّلا القلة إلى صبر، والحرمان إلى قوة داخلية.</p>
<p>كنا فقراء، نعم. لكننا لم نكن يومًا متروكين.</p>
<p>ثم جاءت المدرسة. درجات تُرتقى واحدة بعد أخرى، وسنوات تُراكم كحجارة تُرصّ بصبر. لم تكن شهادة البكالوريا مجرد ورقة؛ كانت انفراجًا بعد ضيق، ووعدًا تحقق لمن آمنوا بي قبلي. فتحت لي أبواب الوظيفة العمومية، ثم أبواب الجامعة. وما إن بلغتُ سن الرشد حتى حملت المشعل. لا لأرتقي وحدي، بل لأرفع أهلي معي. لأقول أخيرًا وداعًا لذلك الفقر الذي أثقل كاهل أسرتنا طويلًا.</p>
<p>يومها، لم يكن نجاحي وحدي. كان نجاحهم.</p>
<p>اليوم لا أرثي الغياب فقط، بل أحتفي بالإرث. لا أستحضرهم لأتألم، بل لأشكر الله عليهم. حياتهم لم تذهب سدى؛ لقد أينعت في داخلي.</p>
<p>أبي، أمي، أخي ناصر الحبيب،<br />
أسأل الله أن يتغمدكم بواسع رحمته،<br />
وأن يجعل مثواكم الجنة،<br />
وأن ترقد أرواحكم في سلام.</p>
<p>كيف لي أن أحمل لكم إلا الوفاء؟<br />
أنا مدين لكم بكل شيء.</p>
<p>وما دمت حيًا، فإن كفاحكم مستمر فيّ</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (23). مذكرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204770</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 10 Feb 2026 10:41:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204770</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني تنطلق الحافلة بأنين مألوف. تجلس قرب النافذة، تكاد تلامس جبينك الزجاج البارد. الطريق يمتد ببطء، كأنه يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالًا عابرًا، بل عبورًا في الذاكرة. يهتز المحرك، ومع اهتزازه تعود الوجوه، التواريخ، والاختيارات التي لم تكتبها يومًا، لكنها سكنت حياتك حتى الأعماق. تسأل نفسك، مرة أخرى — ولعلها الأخيرة —: &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>تنطلق الحافلة بأنين مألوف.</p>
<p>تجلس قرب النافذة، تكاد تلامس جبينك الزجاج البارد. الطريق يمتد ببطء، كأنه يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالًا عابرًا، بل عبورًا في الذاكرة. يهتز المحرك، ومع اهتزازه تعود الوجوه، التواريخ، والاختيارات التي لم تكتبها يومًا، لكنها سكنت حياتك حتى الأعماق.</p>
<p>تسأل نفسك، مرة أخرى — ولعلها الأخيرة —: ماذا لو…؟ ماذا لو، بعد السابع من شتنبر 1971، بعد سقوط العمود الذي كان يسند البيت، اخترت طريق الهروب؟ ماذا لو سلكت، مثل عياد، درب الحياة الفردية، بعيدًا عن الجميع، تاركًا وراءك أمًا ما تزال في ريعان الأربعين، وإخوةً وأختًا، وظلّ الغياب الأبدي للأب؟</p>
<p>لكنك تعرف الجواب سلفًا. عرفته باكرًا، بالفطرة: البقاء. الصمود. عدم كسر الدائرة. وقبل أن تختار أنت البقاء، كانت هي قد اختارت. أمك، تلك الأرملة ذات الأربعين عامًا، التي باغتها الترمل باكرًا، كان بإمكانها أن تستسلم، أن تترككم لتقلبات القدر أو لأحكام الفقر القاسية. لكنها لم تفعل. بقيت واقفة، منتصبة في وجه العاصفة، تجمع أبناءها حولها كما تجمع الدجاجة فراخها حين يداهمها الخطر. لم تترككم لمصيركم أبدًا.</p>
<p>احتضنتكم جميعًا، واحدةً واحدة، بيقظة لا تنام، وصبرٍ مشبعٍ بالتضحيات الصامتة، وليالٍ طويلة بلا شكوى. حملت وحدها ثقل الفقد، والخوف من الغد، وغموض المستقبل، دون أن تسمح لمرارته أن تتسرب إلى قلوبكم. لم تكن مقاومتها صاخبة ولا بطولية بالمعنى المتداول؛ كانت مقاومة يومية، عنيدة، متجذرة في إيمان عميق بأن أبناءها لن يُتركوا للتيه.</p>
<p>ومن بين فراخها، كان هناك فرخ أخذته بيده باكرًا.</p>
<p>في أكتوبر 1958، قادتك بنفسها إلى المدرسة العصرية، وكأنها كانت ترى، قبل الجميع، أن الخلاص سيمر من هناك. كان ذلك الفعل البسيط في ظاهره فعلَ إيمانٍ عظيم في جوهره: إيمان امرأة راهنت على المعرفة كسلاح ضد الفقر، وعلى المدرسة كطوق نجاة لعائلة بأكملها.</p>
<p>أن تبقى، بالنسبة لك، لم يكن سوى امتداد لذلك الاختيار الأول. كان رفضًا للتشظي الذي بدا أن القدر يفرضه عليكم. كان سدًّا في وجه الفقر، ذلك الوحش الصبور الذي ينتظر لحظة الضعف. أمك، رغم شبابها الذي لم يخفت، لم تفكر يومًا في أن تبدأ حياة أخرى بعيدًا عنكم. كانت قد نذرت نفسها لمسار واحد: أن توصلكم جميعًا، واحدًا تلو الآخر، إلى بر الأمان.</p>
<p>كان بإمكان ناصر أن يتزوج. وكان بإمكانك أنت، منذ أكتوبر 1973، وأنت لم تتجاوز التاسعة عشرة، أن تنطلق في حياتك الخاصة، أستاذًا حديث التعيين، وأفق المستقبل مفتوح أمامك. لكنك كنت، في سنٍّ يفكر فيه الآخرون بأنفسهم، قد تهيأت لأداء دورك — لا صدفة، بل تربيةً وتكوينًا. كنت مستعدًا لتحمل تلك المهمة النبيلة، مهمة إنقاذ العائلة، التي أعدّتك لها أمك بصمت، دون أن تسميها يومًا.</p>
<p>لم يحدث شيء من ذلك بدافع القطيعة. لأن البقاء معًا كان عهدًا غير مكتوب، صاغته هي أولًا، ثم حملته أنت. عرفتم قسوة الأيام الخالية من الوعود. فقرٌ خفّف وطأته حضور الأب في حياته، ثم جرى تطويقه بعد رحيله بكرامة الأم الصلبة، وبالدخل المتواضع الذي كان ناصر يجنيه من عمله في مقاهي القرية، وفي فندق ومطعم المسافرين، وبجهودك أنت أيضًا، عبر أعمال صغيرة وضيعة، أنجزتها بالتوازي مع دراستك، دون ضجيج أو ادعاء.</p>
<p>تمضي في الحياة كما يُخاض نهر بارد: خطوة خطوة، دون تهور. ثم، ببطء، وبلا جلبة، تبدأ الأحوال في التحسن. يصبح راتبك كأستاذ قاعدةً صلبة. تبدأ معلمًا متدربًا، مكلفًا بتدريس علوم الحياة والأرض بإعدادية جرسيف، وتنهي مسارك أستاذًا مكوِّنًا، مسؤولًا عن طلبة يحملون على الأقل شهادة الباكالوريا زائد سنتين، تساهم، رفقة زملائك، في إعدادهم ليصبحوا أساتذة إعدادي. بين الضفتين، حياة كاملة من الجهد، والثبات، وتحمل المسؤولية — مسؤولية أبٍ لم يكن أبًا بيولوجيًا، لكنه كان سندًا لأسرة كاملة.</p>
<p>ترى إخوتك وهم يشقون طريقهم. ميلود وعبد الله يلتحقان بالقوات المساعدة. كريمة تؤسس بيتها بفرنسا.<br />
حسن يلج عالم الشغل داخل جماعة مكناس. نور الدين ينجح في التجارة. ناصر، الحاضر دائمًا، الوفي كظلّ رحيم، لا ينقصه شيء — سوى الزمن الذي ستختطفه منه المنية سنة 2008، بعد أن سبقتها أمكم إلى الرحيل في دجنبر 1999. وبقناعة راسخة، لم يرغب ناصر يومًا في الزواج، كأنما جعل من الأخوة التزامًا نهائيًا.</p>
<p>اليوم، باستثناء ناصر، الجميع متزوجون. لكل واحد ثلاثة أبناء، أو أربعة بالنسبة لكريمة، مع سعيد الابن الأكبر، الذي أصبح هو نفسه أبًا لثلاث بنات. الحياة تفرعت، وتكاثرت، واتسعت.</p>
<p>وأنت، وقد اكتسبت مسافة النظر، تدرك أخيرًا معنى الدور الذي قمت به: كنت ممولًا، نعم، لكنك كنت قبل ذلك حارس البوصلة، امتدادًا لتلك المرأة التي رفضت الانكسار منذ البداية. ثمانية وعشرون عامًا من ترمل أمك، وأسرة كاملة حملتها حتى اشتد عودها، إلى أن صار لكل واحد جناحاه.</p>
<p>أنت اليوم في الثانية والسبعين. لا ندم. لا شعور بالذنب. فقط اعتزاز هادئ، رصين، بأنك صمدت حين كان الصمود واجبًا، وأنك أنقذت أهلك من جحيم الفقر الذي كان يتربص بهم. تحمد الله، مرة بعد أخرى، لأنه أراك الطريق — وغالبًا ما أراك إياه من خلال شجاعة أمك الصامتة.</p>
<p>تتباطأ الحافلة. يعكس الزجاج صورتك: وجه أنهكه الزمن، لكنه مطمئن. يخفت صوت المحرك. الرحلة توشك على نهايتها.<br />
تنزل. خلفك الطريق، وأمامك سكون حياة مكتملة. وفي هذا المرسى الأخير، تعرف يقينًا: لم تعبر الحياة فقط — لقد حملتها، كما حملتك هي</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (22). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204512</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 05 Feb 2026 15:31:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204512</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني البداية: اهتزاز المحرّك تجلس بجوار النافذة، تسند جبهتك إلى الزجاج البارد. تتحرّك الحافلة بصرير مكتوم، وتغادر المحطة لتلتحم بالطريق الوطنية. خارج الزجاج، تنساب المناظر كصفحات كتاب لم يُكتب فصله الأخير بعد. تمايل الحافلة الرتيب لا يهدهد الجسد بقدر ما يوقظ الذاكرة. شيئًا فشيئًا، تطفو أمامك صورة وجهٍ مألوف، وجهٍ أحببته طويلاً حضورٌ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>البداية: اهتزاز المحرّك</p>
<p>تجلس بجوار النافذة، تسند جبهتك إلى الزجاج البارد.</p>
<p>تتحرّك الحافلة بصرير مكتوم، وتغادر المحطة لتلتحم بالطريق الوطنية. خارج الزجاج، تنساب المناظر كصفحات كتاب لم يُكتب فصله الأخير بعد.</p>
<p>تمايل الحافلة الرتيب لا يهدهد الجسد بقدر ما يوقظ الذاكرة. شيئًا فشيئًا، تطفو أمامك صورة وجهٍ مألوف، وجهٍ أحببته طويلاً حضورٌ كان مرساةً في طفولتك، ومنارةً في شبابك: أخوك ناصر.</p>
<p>ناصر: الملاك الحارس ونبض البيت</p>
<p>تستعيد سنوات الرماد، حين كان الفقر ينهش تفاصيل الحياة اليومية لعائلتكم في جرسيف. وفي قلب ذلك العوز، كان ناصر يقف، لا متصدّرًا ولا متذمّرًا، بل كجدارٍ صامت يتلقى الضربات ليحمي الجميع.</p>
<p>نادراً ما ذكرتَه في الفصول السابقة، لا نسيانًا، بل لأنك كنت تؤجّل الكتابة عنه. كنت تعرف، في مكان ما داخلك، أن الحديث عن ناصر يحتاج فسحة أوسع، ونفَسًا أهدأ، وفصلاً يليق بثقل ما حمله عنكم جميعًا: عن والدتكم، وعن كريمة، وعن ميلود، وعبد الله، وحسن، ونور الدين.</p>
<p>ما زلت تراه وأنت تلميذ في إعدادية جرسيف، تقصده في مقهى العشي، في برد الشتاء أو حرّ القيظ. يناولك بيده كأس شاي منعنع، أو قهوة بالحليب، كأنما يقدّم لك دفئًا لا شرابًا.</p>
<p>وتراه في فندق ومطعم المسافرين، عند السيد كوني وزوجته، يعود ليلاً إلى البيت المتواضع، يوقظكم من النوم ليقسم معكم ما جلبه من أطايب أعدّها عمي موسى, طباخ السيد والسيدة كوني.</p>
<p>ولا تغيب تلك الأمسيات البسيطة مع والدكم، في مقهى الحاج علي، قبل المرور عند حمادي لتناول الحريرة والمعقودة، بطعمٍ لا يشبه أي طعم آخر.</p>
<p>نكران الذات… وظلّ الفقد</p>
<p>حين غادرتم جرسيف إلى الخميسات، ثم إلى مكناس بعد أن أصبحتَ أستاذًا للغة الفرنسية، ظل ناصر هو السند الذي لا يميل.<br />
وحين اشتد الألم في ساقه اليسرى، واضطر الأطباء بمستشفى محمد الخامس بمكناس إلى بترها من مستوى الفخذ، بدا لكم أن المصيبة بلغت منتهاها. لكن ناصر، على عادته، خفّف وقعها عنكم أكثر مما احتملها هو.</p>
<p>رغم الجسد الذي خانَه، لم يتخلَّ عن دوره. ظل حاضرًا، يقظًا، يسهر على طمأنينة الأسرة، خاصة في سنوات غيابك للدراسة أو للعمل في فرنسا خلال العطل الصيفية.</p>
<p>كان الأب الذي لم يغادر بعد رحيل والدكم في 7 سبتمبر 1971. لم ينشغل بحياته الخاصة كما فعل أخوك عيّاد، بل اختار طريقًا آخر: أن يبقى وحده، ليكون لكم جميعًا. وفي زوايا تلك الحياة المكرَّسة للآخرين، كانت السيجارة حاضرة.</p>
<p>لم تكن شراهة، ولا استعراض ضعف، بل استراحة قصيرة من ثقل الأيام. كان يمسكها كما لو أنها تمنحه لحظة صمت، نفسًا إضافيًا في حياة لم تترك له متّسعًا لنفسه. لم يكن أحد يتخيّل أن هذا الدخان الهادئ كان يتسلّل، ببطء، ليختصر العمر.<br />
حين وافته المنية، وقد تجاوز بقليل عتبة الستين، لم يكن الرحيل مفاجئًا بقدر ما كان موجعًا.</p>
<p>رحل ناصر، وترك وراءه فراغًا لا يُسمّى، وحسرةً ثقيلة في قلوب من أحبّوه وأحبّهم بصدق. عندها فقط، صار التدخين في ذاكرتك علامة فراق، لا عادة؛ سببًا صامتًا للموت، وسارقًا لسنوات كان يمكن أن تُعاش.</p>
<p>رحل في سنة 2007، بصمت الكبار، تاركًا في رقبتك، وفي رقبة الأسرة كلها، دينَ امتنان لا يسقط بالتقادم.</p>
<p>النهاية: زفير الكوابح</p>
<p>يوقظك صفير الكوابح الهوائية من شرودك. تتباطأ الحافلة، وتطحن عجلاتها حصى الرصيف. تعتدل في جلستك، وتشدّ معطفك على كتفيك. من حولك، يتحرّك الركاب في ضجيج مألوف.</p>
<p>تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة، نحو الطريق الذي ينسحب خلفك. تنهض، وتنزل درجات الحافلة، حاملاً معك ذكرى ناصر، وحزنًا هادئًا، وامتنانًا لا يشيخ… وتمضي نحو المرفأ القادم من حياتك</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (21). مذكّرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204411</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 04 Feb 2026 10:08:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204411</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني الرحيل: ارتعاشة المحرّك أنتَ جالسٌ قرب النافذة، جبهتك مسنودة إلى الزجاج البارد. تنطلق الحافلة في أنينٍ مكتوم، مغادرةً ,المحطة الطرقية، لتلتحم بالطريق الوطنية. من خلف الزجاج، تتوالى المشاهد كصفحات كتاب لم تُكمله بعد. اهتزاز الحافلة المنتظم يأخذك إلى شرودٍ عميق؛ لم تعد أفكارك هنا، بل صارت معلّقة بين ذكريات طفل كان يدرس &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>الرحيل: ارتعاشة المحرّك</p>
<p>أنتَ جالسٌ قرب النافذة، جبهتك مسنودة إلى الزجاج البارد. تنطلق الحافلة في أنينٍ مكتوم، مغادرةً ,المحطة الطرقية، لتلتحم بالطريق الوطنية. من خلف الزجاج، تتوالى المشاهد كصفحات كتاب لم تُكمله بعد. اهتزاز الحافلة المنتظم يأخذك إلى شرودٍ عميق؛ لم تعد أفكارك هنا، بل صارت معلّقة بين ذكريات طفل كان يدرس على ضوء الشمعة، وواقعٍ مغربيٍّ ملتهب يمزّق القلوب في مطلع سنة 2026.</p>
<p>حماسة شوارع الرباط</p>
<p>ذاكرتك تعود بك فورًا إلى ديسمبر 2022. وإن كنت قد تابعت المباريات من مكناس، فإن صورة الرباط هي التي تهيمن على مخيّلتك. ترى تلك الجموع الهائلة، مدينةً غارقة في بحرٍ من الأعلام الحمراء. ما زلت تشعر بحرارة الأجساد المتراصّة على طول الشوارع، من مطار الرباط–سلا إلى أسوار العاصمة العتيقة.</p>
<p>كانت ملحمة لا تُنسى: حافلة مكشوفة لأسود الأطلس تشق طريقها ببطء وسط مئات الآلاف من المواطنين في نشوة جماعية. تتذكّر الصيحات، الدموع، وذلك الإحساس النادر بالوحدة الوطنية. هناك، كان وليد الركراكي واقفًا، يحيّي شعبًا أعاد إليه الفخر بعد أن أسقط بلجيكا وإسبانيا والبرتغال.</p>
<p>تتويج الأمهات في القصر الملكي.</p>
<p>ثم ينتقل المشهد إلى ذروة ذلك اليوم التاريخي، داخل القصر الملكي. في بهو العرش، تشهد لحظةً تهزّ قناعاتك: جلالة الملك محمد السادس، وإلى جانبه ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد، يستقبل أبطال مونديال قطر.</p>
<p>لكن أكثر ما يمسّك في العمق هو حضور الأمهات. تراهنّ، بسيطاتٍ شامخات، إلى جانب أبنائهن أمام جلالة الملك. أنتَ، الذي لا تزال صورة أمّك في جرسيف ماثلةً أمامك، وهي تسهر على دروسك الليلية، تشعر أن في هذا المشهد جبرًا تاريخيًا. أن يُكرَّم العطاء الأمومي في أعلى مقام للدولة، فذلك أبلغ رسالة: النجاح لا قيمة له إن لم يعترف بجذوره.</p>
<p>ذاكرة البناء وجحود الحاضر</p>
<p>غير أن هذا الضوء يصطدم اليوم بعتمة قاسية. كيف يمكن للرجل نفسه، الذي قاد الأسود إلى الاستقبال الملكي، أن يصبح في 2026 هدفًا للجحود؟ لا تستطيع أن تتجاهل تفاصيل تلك النهاية المؤلمة أمام السنغال في مركب مولاي عبد الله: توتّر اللحظة، ضربة جزاء براهيم دياز التي ضاعت، الفوضى في المدرجات، والاستفزازات التي أفسدت العرس.</p>
<p>تعرف أن الجماهير تنسى سريعًا. تنسى أن وليد رفع المغرب إلى مصافّ الكبار، وأنه أطاح بعمالقة القارة، من مصر إلى كوت ديفوار. بالنسبة إليك، وليد هو ذلك “الجسر” الذي ربط أحلام طفل من جرسيف بالاعتراف العالمي. إن احتقاره لأن لقبًا أفلت من اليد، هو إنكار للنور الذي أشعله في قلب كل مغربي.</p>
<p>تستعيد طفولتك: أنتَ، الابن الأكبر لعائلة خوخشاني، تفرز الطماطم في السوق، أو تزيّت سلاسل الدراجات عند أحمد “سيكليس”. تعرف معنى البناء، وتعرف كيف يمكن لسنوات من الكدّ أن تُختزل في لحظة واحدة. لوليد، كانت تلك اللحظة ركلة جزاء أو فوضى خارجة عن إرادته. بالنسبة إليك، هي صورة مجتمع يُسرع إلى البحث عن مذنب، لا عن معنى.</p>
<p>تودّ أن تصرخ في وجوه المنتقدين: “انظروا إلى الجسر، لا إلى الغبار فوقه!”</p>
<p>فوليد يشبهك، ويشبهنا جميعًا: ابن هذا البلد، صعد بالنيّة والعمل، ويراد له أن يُكسَر عند أول تعثّر. تكتب هذه الكلمات درعًا لا مديحًا. فالعفو، في نظرك، ليس ضعفًا، بل سمة الكبار. ووليد ربح احترامه إلى الأبد، بما هو أعمق من أي كأس.</p>
<p>المحطّة الأخيرة: زفير الفرامل</p>
<p>صفير الفرامل الهوائية يوقظك من شرودك. الحافلة تُبطئ، عجلاتها تسحق حصى الحافة. تعدّل جلستك، تشدّ معطفك إلى كتفيك. من حولك، يتحرّك الركّاب، يستعيدون حقائبهم وسط ضجيج مألوف. تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة إلى الطريق الممتدّ خلفك.</p>
<p>تنهض. تخطو بثباتٍ هادئ. تنزل درجات الحافلة، حاملاً معك هذا المزيج من ذكريات الطفولة وتمرد الرجل، مستعدًا لعبور الجسر التالي في حياتك</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (20). مذكرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204322</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Feb 2026 08:42:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204322</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني حين كان النضال قيمة… وحين صار الموقع غاية حين تركب الحافلة، في صباح يشبه أمسيات العمر المتأخرة، وتجلس قرب النافذة، لا تكون في طريقك إلى مكان بعينه، بقدر ما تكون في طريقك إلى نفسك. يهتزّ جسد الحافلة، وتهتزّ معه الذاكرة. يعود بك الزمن إلى البدايات، لا حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل لأن &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>حين كان النضال قيمة… وحين صار الموقع غاية</p>
<p>حين تركب الحافلة، في صباح يشبه أمسيات العمر المتأخرة، وتجلس قرب النافذة، لا تكون في طريقك إلى مكان بعينه، بقدر ما تكون في طريقك إلى نفسك. يهتزّ جسد الحافلة، وتهتزّ معه الذاكرة. يعود بك الزمن إلى البدايات، لا حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل لأن الحاضر يفرض عليك المقارنة، ويطالبك بالحساب.</p>
<p>تتذكّر حزب التقدم والاشتراكية كما عرفته أول مرة، لا كما صار يُعرَّف لاحقًا. حزبًا لا يُطرق بابه بحثًا عن منصب، ولا يُذكر اسمه دون أن يقترن بالسجن أو المنفى أو المحاكمة.</p>
<p>منذ نشأته الأولى في نونبر 1943، وهو يحمل اسم الحزب الشيوعي المغربي، لم يكن الانتماء إليه نزهة سياسية ولا مغامرة عابرة، بل اختيارًا أخلاقيًا مكلفًا، يدفع ثمنه من يصرّ عليه من حريته واستقراره، وأحيانًا من حياته نفسها.</p>
<p>لم تعش تلك المرحلة، لكنك عرفتها معرفة العارف. قرأت عنها، ونبشت في تفاصيلها في كتب التاريخ المعاصر للمغرب. عرفت كيف كان مناضلو الحزب، خلال فترة الحماية، يُلاحَقون ويُعتقلون ويُنفَون، لا لشيء سوى لأنهم آمنوا بأن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا فكريًا، بل حقًّا يجب انتزاعه.</p>
<p>وبعد الاستقلال، لم تتغير المعادلة كثيرًا. اغتيل المناضل الكبير عبد الكريم بن عبد الله، فُرض الحظر على الحزب، اعتُقلت قياداته، مُنعت صحافته من الصدور، ودخلت البلاد سنوات طويلة من الصمت القسري والعمل في الظل.</p>
<p>تتذكّر مرحلة كان فيها الحزب محظورًا إلى حدود سنة 1968، ثم عاد باسم حزب التحرر والاشتراكية، قبل أن تُسحب منه الشرعية من جديد. ولم يُعترف به رسميًا إلا سنة 1976، تحت اسمه الحالي: حزب التقدم والاشتراكية، في سياق الانفراج الذي عرفه المغرب بعد نجاح المسيرة الخضراء سنة 1975، حين كانت البلاد في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار وإلى إجماع وطني حول القضية الأولى: استرجاع الصحراء.</p>
<p>ورغم القمع والحظر، لم يكن الإحباط يومًا سيد الموقف. كنت ترى، من خلال ما قرأت وما سمعت، رفاقًا متماسكين، لا يجمعهم الأمل في البرلمان ولا الطموح إلى الحكومة، بل الإيمان المشترك بقضية، وبقيمة النضال في حد ذاته.</p>
<p>وحين سُمح للحزب بالمشاركة في الانتخابات، لم تكن النتائج باهرة: بعض المقاعد الجماعية سنة 1976، ومقعد برلماني وحيد سنة 1977. ومع ذلك، ظل الحزب ملتفًا حول قيادته التاريخية، علي يعتة. لم تكن الزعامة محل نزاع، ولم تكن الأجهزة ساحة صراع. كان الاختلاف موجودًا، نعم، لكنه لم يكن مفسدًا للرفقة ولا مهددًا للوحدة.</p>
<p>في سنة 1977، كنت تدخل السياسة من بابها العملي. كنت آنذاك بالخميسات، أستاذًا للغة الفرنسية، حين وجدت نفسك تعتنق أفكار وقيم حزب التقدم والاشتراكية عن قناعة، لا عن مصلحة. تطوّعت لخوض الحملة الانتخابية إلى جانب مرشح الحزب لنيل مقعد في البرلمان، الرفيق ح. إدريس. لم يفز الرجل، ولم يكن ذلك مفاجئًا، فالحزب لم يكن بعد مصدر ثقة لدى السلطات العمومية المشرفة على الانتخابات. لكنك كنت قد حسمت أمرك: هذا حزبك.</p>
<p>حين التحقت بمكناس أستاذًا بإعدادية البساتين، التحقت رسميًا بالحزب. سنة 1979، أصبحت كاتبًا أول للفرع المحلي بالبساتين، وعضوًا في مكتب الفرع الإقليمي بمكناس. في بداية الثمانينيات، انتُخبت عضوًا في اللجنة المركزية، وهو الموقع الذي ستظل فيه إلى غاية سنة 2006، حين انتُخبت، خلال المؤتمر الوطني، عضوًا في المكتب السياسي للحزب، وكان أمينه العام آنذاك الأستاذ إسماعيل العلوي.</p>
<p>قبل ذلك، كنت إلى جانب سبعة رفاق آخرين عضوًا في المجلس الحضري لمدينة مكناس، ورئيسًا للجنة التواصل والإعلام بالمجلس الجهوي لمكناس–تافيلالت، الذي كان يرأسه آنذاك السيد اشباعتو، المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وكنت في الآن نفسه الكاتب الأول للفرع الإقليمي بمكناس، ومراسل جريدة الحزب الناطقة بالفرنسية، البيان. كل هذه المسؤوليات جعلتك تنام على السياسة وتستيقظ عليها.</p>
<p>لكن الحياة لم تكن سياسة فقط. في غشت 1992، تزوجت. ومع نهاية سنة 1997، أصبحت أبًا لثلاثة أطفال: بنتين وابن. المسؤوليات كانت كثيرة، والوقت ضيقًا. الزمن الذي خصصته للسياسة، ولقضايا المواطنين والمصلحة العامة، كان يبتلع الجزء الأكبر من الوقت الذي كان يفترض أن تمنحه لأسرتك الصغيرة.</p>
<p>وفي نهاية سنة 1999، فقدت من كانت بالنسبة إليك حصنًا ومعنى. والدتك التي كانت تزودك برضاها، وتخاف عليك الخوف كلّه مما قد تتعرض له بسبب التزامك السياسي.</p>
<p>علّمتك تلك المرحلة درسًا قاسيًا: كثيرون ممن عرفتهم عبر السياسة، وأسديت لهم ولذويهم خدمات شتى، كانوا جاحدين، لا يعترفون بشيء. أما الأسرة، فحتى وإن غضبت منك بسبب الغياب، فإنها تستقبلك، حين تعود، في الأحضان، وتعترف لك بكل ما قمت به من أجلها، ولو بابتسامة بعد غياب طويل.</p>
<p>مع اقتراب المؤتمر الخامس للحزب سنة 1995، لاحظت أن شيئًا ما بدأ يتغيّر. لم يعد السؤال: كيف نناضل؟ بل صار: من يقود؟ ومن يتقدّم؟ اشتد الخلاف حول منصب الأمين العام بين جيل شاب يرى نفسه أحقّ بالتجديد، وتيار آخر أكثر التصاقًا بالتجربة التنظيمية. ورغم تجديد الثقة في علي يعتة، أدركت أن الشرخ قد بدأ، وأن منطق المواقع أخذ يتسلّل ببطء إلى حزب لم يألفه.</p>
<p>ثم اقتربت ساعة حكومة التناوب. لحظة تاريخية من حيث المبدأ، لكنها كانت أيضًا بداية مرحلة مربكة. انشق مناضلون وبرلمانيون، وغادر رفاق كانوا، إلى وقت قريب، في الصفوف الأمامية. دخل الحزب حكومة عبد الرحمن اليوسفي وسط خليط حزبي غير منسجم، وبدأت مع المشاركة الحكومية هزّات داخلية لم تتوقف. وحتى بعد رحيل علي يعتة في غشت 1998، وتسلّم إسماعيل العلوي الأمانة العامة، لم تهدأ الصراعات، بل اتخذت أشكالًا جديدة، أحيانًا باسم الاختلاف الفكري، وأحيانًا أخرى باسم “التصحيح”.</p>
<p>بعد مغادرتك الطوعية للتعليم في أكتوبر 2005، تحمّلت مسؤوليات أخرى. من يناير 2007 إلى مايو 2009، عملت صحفيًا مهنيًا، تشرف على صفحة أسبوعية تُعنى بما يجري في مكناس من أنشطة سياسية وثقافية، وما يشوب تدبير المجالس المنتخبة والمؤسسات الإدارية من اختلالات.</p>
<p>ومن مايو 2009 إلى 2012، كنت منسقًا عامًا بمركب ابتسامة للرعاية الاجتماعية، تشرف على أربع وحدات: وحدة للنساء في وضعية صعبة، وأخرى لحماية الأطفال، وثالثة لمواكبة الأمهات العازبات وتتبع أوضاع أطفال الشارع، ورابعة للأنشطة النهارية لفائدة الأشخاص المسنين.</p>
<p>ومن 2013 إلى 2016، انتقلت إلى وزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية، مستشارًا للوزير، ثم رئيسًا لديوانه.</p>
<p>تسأل نفسك اليوم، وأنت تكتب هذه السطور، وأنت ما تزال في الحافلة نفسها: لماذا كان الحزب أكثر تماسكًا حين كان محاصرًا؟ ولماذا تفرّق حين اقترب من مراكز القرار؟</p>
<p>تخلص، دون مرارة ولكن بوضوح، إلى أن الحزب خسر شيئًا من روحه حين غلَب منطق التدبير على منطق النضال، وحين صار الموقع أحيانًا أهم من الموقف.</p>
<p>وحين تنزل من الحافلة، تدرك أنك لم تصل إلى نهاية الطريق، بل إلى مرفأ آخر من مرافئ الحياة. لا تكتب للتشهير ولا للتبرير، بل للتذكير. لأن الذاكرة مقاومة، ولأن الأحزاب، مثل الأفراد، تُقاس بما دافعت عنه حين كان الثمن غاليًا، لا بما حصدته حين صارت الطريق معبّدة</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (18). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204218</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 01 Feb 2026 12:33:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204218</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني أنت جالس في حافلة. صوت المحرّك يشبه أنفاساً قديمة، مألوفة. لا تعرف إلى أين تمضي، ولا متى ينتهي هذا السفر الطويل. من خلف الزجاج تمرّ مناظر تشبه حياتك: واضحة حيناً، ضبابية حيناً آخر. تمضي فقط. فأن تكتب حياتك وأنت تتقدّم كان دائماً عقيدتك. لم تعرف التراجع يوماً. تعلّمت باكراً أن مرافئ الحياة &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>أنت جالس في حافلة.</p>
<p>صوت المحرّك يشبه أنفاساً قديمة، مألوفة. لا تعرف إلى أين تمضي، ولا متى ينتهي هذا السفر الطويل. من خلف الزجاج تمرّ مناظر تشبه حياتك: واضحة حيناً، ضبابية حيناً آخر. تمضي فقط. فأن تكتب حياتك وأنت تتقدّم كان دائماً عقيدتك. لم تعرف التراجع يوماً. تعلّمت باكراً أن مرافئ الحياة ليست أماكن للإقامة، بل محطات عبور.</p>
<p>لم تكن الطريق سهلة قط. العوائق لم تكن صدفة، بل كثيراً ما وُضعت عمداً في دربك. ومع ذلك، تجاوزتها. أما الامتحانات القاسية، فقد اجتزتها بصمت النبلاء، بلا شكوى ولا ادّعاء بطولة.</p>
<p>كانت سنتك الأولى في التبريز بمكناس توشك على الانتهاء حين تدخّل القدر، ذلك الرفيق الخفي. رأيتها من جديد. ظهوراً مفاجئاً، كأنه خارج الزمن. مقهى الأمم. كنت تبحث عن كرسي شاغر لتجلس مع أصدقاء دخلتم لتوّكم هذا الفضاء الذي يرتاده أساساً طلبة أساتذة المركز التربوي القريب. وفجأة، كانت هي هناك. نفس الشابة التي التقيتها قبل عام ونصف في قاعة الأساتذة بثانوية المطار في الناظور. لم يُمحِ الزمن شيئاً. كان فقط يؤجّل اللقاء.</p>
<p>هناك عرفت قصتها: الناظور، الخدمة المدنية، النجاح في المباراة المهنية، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس، سنة تكوين، ثم تدريس السلك الثانوي. لم تتأخرا في الوعد بلقاءات أخرى. توالت المواعيد ببساطتها المضيئة: فنجان قهوة، نزهة ربيعية في إفران، ظلال الأرز السخيّة، وجداول الماء الصافي المنحدرة من قمم الأطلس المتوسط.</p>
<p>في ربيع 1991، دون إعلان أو ضجيج، أصبحت هي مختارة قلبك. أمّ أولادك الآتين. في يونيو، قدمت أمها برفقة أخيها الأكبر من وهران، حيث كانت تقيم أسرتها المغربية، إلى الرباط، حيث كانت الأخت الكبرى متزوجة من ابن خال من جهة الأم.</p>
<p>ومن جهتك، سافرت أمك، وأخوك ناصر، وأخوك ميلود وزوجته، وأصهار ميلود معك. في الرباط، التقت العائلات، وتصافحت المصائر. احتُفل بالخطوبة، ووُثّق الزواج بالعقد العدلي في السادس والعشرين من يونيو 1991. كنتما متحدين على الخير والشر، دون أن تدركا بعد عمق هذا العهد.</p>
<p>بعد انتهاء سنة التكوين الخاصة بها، أوصلتها إلى وجدة، ومنها اتجهت إلى وهران لقضاء عطلة الصيف مع أهلها، في انتظار معرفة مقر تعيينها مع بداية الموسم الدراسي 1991–1992. أما أنت، فكنت تستعد لمرحلة أخرى من التكوين، هذه المرة في باريس، من أجل التبريز. افترقت الطرق مجدداً، دون أن ينقطع الخيط.</p>
<p>في مايو 1992، عدت إلى المغرب، واتجهت إلى سيدي بنور، حيث كانت تُدرّس اللغة الفرنسية. المدينة احتضنتها سريعاً. زملاؤها، تلامذتها، مدير المؤسسة، والإدارة كلها شهدت بكفاءتها وأحبت حضورها. حين غادرت مع الدخول المدرسي في سبتمبر 1993، بكى كثيرون رحيلها.</p>
<p>لكن قبل ذلك، كان الزواج بفاس في أغسطس 1993. ليلة فرح كنت وحدك تعرف ظلّها القادم. مع بداية الموسم، ستفترقان من جديد، ثمان مائة كيلومتر بينكما. هي في سيدي بنور، وأنت في الناظور. انتقال تأديبي مقنّع، نتيجة جرأتك على قول الحقيقة لأستاذ فرنسي من أصل تونسي خلال سنتك الثانية في التبريز. رجل نافذ، سبق له التدريس بمكناس، ومرتبط بالمنسّق المغربي للتكوين. يومها أدركت مرة أخرى أن الاستقامة لها ثمن.</p>
<p>في تلك السنة، كان القدر أشد قسوة. خلال أول زيارة زوجية إلى وهران، فقدت زوجتك جنيناً في شهره الخامس والنصف. تبيّن لاحقاً وجود اتساع في عنق الرحم لم يُشخّص في الوقت المناسب. رحلة لم يكن ينبغي أن تتم. وكانت تلك آخر سنة بقيت فيها الحدود البرية المغربية–الجزائرية مفتوحة.</p>
<p>بعد سنة زواج عشتماها متباعدين قسراً، سمحت الحياة أخيراً بالالتئام. مكناس. نُقلتَ إليها أستاذاً مكوِّناً بالمركز التربوي الجهوي، حيث كنت قبل ثماني سنوات طالباً أستاذاً. وكانت هي تُدرّس الفرنسية بثانوية الزيتونة. للمرة الثانية في مسارك، أصبحت أستاذاً في المكان الذي كنت فيه متعلّماً: جرسيف سنة 1973، ثم مكناس سنة 1993. دائرة تكتمل بهدوء.</p>
<p>بعد اثني عشر عاماً من الاشتغال بللمركز التربوي الجهوي بممناس، وبالضبط في شهر أكتوبر 2005، أنهيت مسارك المهني في قطاع التربية والتكوين في إطار المغادرة الطوعية. اثنتان وثلاثون سنة من الخدمة. اثنتان وثلاثون سنة قُدّمت للوطن بكرامة ونزاهة وتفانٍ. غادرت بلا مرارة، محمّلاً بما لا يُصادر: انسجام المسار.</p>
<p>الحافلة تواصل سيرها.</p>
<p>أنت ما زلت قرب النافذة. مرافئ الحياة تمرّ: جرسيف، الناظور، مكناس، فاس، باريس، سيدي بنور، وهران… لا تعرف أيها الأخير. لم تعد تسأل. تمضي. هكذا كتبت حياتك دائماً.</p>
<p>المحرّك يواصل همسه.</p>
<p>والسفر لم ينتهِ بعد.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
