<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>عين على التاريخ &#8211; Le collimateur</title>
	<atom:link href="https://lecollimateur.ma/ar/category/oeil-sur-l-histoire/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://lecollimateur.ma/ar</link>
	<description>Le goût de la vérité n&#039;empêche pas la prise de parti</description>
	<lastBuildDate>Thu, 11 Jun 2026 12:57:38 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0</generator>

<image>
	<url>https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2022/11/cropped-logo-32x32.png</url>
	<title>عين على التاريخ &#8211; Le collimateur</title>
	<link>https://lecollimateur.ma/ar</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>منبر العرش وخندق الجبل.. عبقرية التلاحم وبوصلة التحرر العربي</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/213765</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 11 Jun 2026 12:57:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أخبار]]></category>
		<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[كتاب الرأي]]></category>
		<category><![CDATA[السلطان سيدي محمد بن يوسف]]></category>
		<category><![CDATA[محمد بن عبد الكريم الخطابي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=213765</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني شهد عام 1947 انعطافة تاريخية كبرى في مسار الكفاح الوطني والقومي؛ حيث التقت إرادتان صنعتا وجدان الأمة وعقيدتها التحررية: إرادة جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف، الذي صدح من طنجة الدولية برؤية الدولة الشرعية المتشبثة بالسيادة والوحدة الترابية، وإرادة الزعيم الثوري محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي أطلق من القاهرة نداء الكفاح &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong>بقلم: محمد خوخشاني</strong></p>
<p><img decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-213403" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg" alt="" width="1080" height="608" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus-.jpeg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--300x169.jpeg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--1024x576.jpeg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--768x432.jpeg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/06/khukhus--390x220.jpeg 390w" sizes="(max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p><strong>شهد عام 1947 انعطافة تاريخية كبرى في مسار الكفاح الوطني والقومي؛ حيث التقت إرادتان صنعتا وجدان الأمة وعقيدتها التحررية: إرادة جلالة السلطان سيدي محمد بن يوسف، الذي صدح من طنجة الدولية برؤية الدولة الشرعية المتشبثة بالسيادة والوحدة الترابية، وإرادة الزعيم الثوري محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي أطلق من القاهرة نداء الكفاح الميداني الشامل، مذكرًا بأن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع.</strong></p>
<p><strong>أولاً: الخطابان في سطور.</strong></p>
<p><strong>في 10 أبريل 1947، وقف سلطان المغرب سيدي محمد بن يوسف في حدائق &#8220;المندوبية&#8221; بطنجة، ليعلن للعالم أن &#8220;البلاد العربية إنما هي أمة واحدة&#8221;، وأن &#8220;الشعب الذي يستيقظ يعي حقوقه ويتبع السبيل الأنجع لاستعادة مكانته&#8221;. كان الخطاب ملكياً مهيباً، لم يذكر فرنسا قط، لكنه وضع الأسس القانونية والأخلاقية للاستقلال، متكئاً على شرعية الإمامة والعرش، شرعية الملك وإمارة المؤمنين.</strong></p>
<p><strong>بعد ثلاثة أشهر، وتحديداً في 9 يوليوز 1947، وقف المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي على منصة دار الأوبرا المصرية، بحضور الملك فاروق والنحاس باشا، وبينهم علال الفاسي والحبيب بورقيبة، ليقول: &#8220;يا أبناء النيل، يا أحفاد عمرو بن العاص، يا إخواننا في مصر العروبة والإسلام.. الاستعمار كله واحد. فرنسياً كان أو إسبانياً أو إنجليزياً. ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة&#8221;. كان خطاباً نارياً، وصفته الأهرام بأنه &#8220;لم يكن خطاباً، بل كان رصاصاً&#8221;.</strong></p>
<p><strong>ثانياً: نقاط الالتقاء والاختلاف.</strong></p>
<p><strong>عند وضع الخطابين في متوازي سردي، نكتشف تلاحماً عبقرياً لا تعارض فيه. يتفق الرجلان على الجوهر: إنهاء الحماية، الوحدة الترابية (ترابية للعرش، مغاربية للثائر)، مركزية القضية الفلسطينية التي اعتبرها بن عبد الكريم &#8220;جرحاً مثل جرح الريف&#8221;، والانتماء للأمة العربية كياناً واحداً.</strong></p>
<p><strong>أما الاختلاف، ففي الأسلوب والوسيلة. اعتمد السلطان سسدي محمد بن يوسف على الشرعية المؤسساتية والدبلوماسية الهادئة، متحدثاً بصفته قائداً للأمة وأميرا للمؤمنين. في المقابل، راهن بن عبد الكريم، من منفاه، على الشرعية الثورية والكلمة التي &#8220;كانت رصاصاً&#8221;، داعياً إلى المقاومة المسلحة بوصفها السبيل الوحيد لاسترداد الحق المغتصب.</strong></p>
<p><strong>وهنا تبرز عبقرية التكامل التي أشار إليها علال الفاسي بعد عشر سنوات في البرلمان المغربي قائلاً: &#8220;في ذلك اليوم بالقاهرة، تعلمت من الأمير محمد بن عبد الكريم أن السياسة بلا بندقية كالصلاة بلا وضوء&#8221;. السياسة تمثل منهج العرش، والبندقية تمثل منهاج الجبل، والجمع بينهما هو معادلة النجاح.</strong></p>
<p><strong>ثالثاً: جدلية القلم والبندقية.</strong></p>
<p><strong>لقد رسم الخطابان معاً خارطة طريق واضحة المعالم، ارتكزت على دمج ثلاثة أبعاد مصيرية:</strong></p>
<p><strong>● السيادة غير المنقوصة: الاستقلال في فكر السلطان سيدي محمد بن يوسف هو وحدة ترابية لا تقبل التجزئة وتلاحم بين العرش والشعب. وهو ذات الحق الذي أطّره بن عبد الكريم بعقيدته العسكرية مستشهداً بملحمة أنوال.</strong><br />
<strong>● جدلية القلم والبندقية: قال بطل الريف في دار الأوبرا: &#8220;لا تجعلوا القلم يُنسيكم البندقية، ولا البندقية تُنسيكم القلم&#8221;. فلا نهضة بلا وعي وعلم، ولا سيادة بلا قوة تحميها.</strong><br />
<strong>● الأمن القومي الممتد: حذّر بن عبد الكريم: &#8220;إذا سقطت الرباط، تهددت القاهرة&#8221;، مؤكداً أن أمن المغرب العربي جزء لا يتجزأ من أمن المشرق العربي.</strong></p>
<p><strong>رابعاً: دروس للعالم العربي اليوم.</strong></p>
<p><strong>على ضوء ما يعيشه العالم العربي اليوم من تشرذم، وتطبيع مع الاحتلال، وعجز أمام المآسي المتكررة في فلسطين وغيرها، تظل دروس عام 1947 ذات راهنية ملتهبة:</strong></p>
<p><strong>1. الاتحاد ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً: نبه الخطاب التحرري مبكراً إلى أن الاستعمار ينجح فقط يوم يُفرّق بين القبائل والدول. اليوم، أثبتت الأزمات المتلاحقة أن غياب التضامن العربي هو الثغرة الكبرى التي تنفذ منها التدخلات الأجنبية.</strong><br />
<strong>2. الحق الأعزل يتبدد في عالم القوة: الدبلوماسية والقانون الدولي (القلم) يظلان بلا قيمة في غياب القوة الردعية (البندقية) التي تحميهما. إن العبرة تقتضي بناء جبهات دفاعية عربية قوية تؤمن السيادة الوطنية.</strong><br />
<strong>3. وحدة المصير ومحورية فلسطين: القضية الفلسطينية لم تكن يوماً قضية قطرية، بل هي قلب الأمن القومي وصمام أمان السيادة من المحيط إلى الخليج. فمن خذل فلسطين، كما قال بن عبد الكريم، فقد خذل نفسه.</strong><br />
<strong>4. تحصين الجبهة الداخلية بالوعي والرفاهية: كما رسم خطاب طنجة، التحرر الحقيقي يبدأ ببناء مجتمع متعلم آمن. فالشعوب الواعية والمحصنة داخلياً هي السد المنيع ضد محاولات التفتيت التي يتغذى عليها الاستعمار الجديد.</strong></p>
<p><strong>خاتمة</strong></p>
<p><strong>إن استحضار هيبة السلطان سيدي محمد بن يوسف وحكمة أسلوبه الدبلوماسي الباني، مع صلابة وعمق الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي وثوريته المستشرفة للمستقبل، ليس مجرد تقليب في صفحات الماضي، بل هو استدعاء لروح العزة والكرامة. إنها دعوة صريحة للجمع بين القلم في قاعات التخطيط والبناء، والبندقية على ثغور الدفاع والسيادة، لكي تعيش الأمة العربية عيشة حرة كريمة ملؤها الطمأنينة والرفاهية، &#8220;بممات يغيظ العدا، وحياة تسر الصديق&#8221;</strong></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أرشيف مدينة سيدونيا السري: عندما أكدت دوقة إسبانية أن المغاربة اكتشفوا أمريكا قبل كريستوفر كولومبوس</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/212574</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[colmanager]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 24 May 2026 09:38:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أخبار]]></category>
		<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[المغرب، ٱكتشاف أمريكا]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=212574</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني في سنة 2000، برزت إلى الواجهة قضية مثيرة جمعت بين التاريخ والذاكرة الأندلسية والعلاقات المغربية الإسبانية. وكان بطل هذه القصة البروفيسور علي بن المنتصر الكتاني، رائد البحث المغربي في مجال الطاقة الشمسية والذرية ومنظم أول مؤتمر للمسلمين في أوروبا، الذي تلقى اتصالاً غير متوقع من الدوقة الإسبانية لويزة إيزابيل ألفاريث دي توليدو، &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-210365" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/04/khkh-780x470-1.jpeg" alt="" width="780" height="470" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/04/khkh-780x470-1.jpeg 780w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/04/khkh-780x470-1-300x181.jpeg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/04/khkh-780x470-1-768x463.jpeg 768w" sizes="auto, (max-width: 780px) 100vw, 780px" /></p>
<p>في سنة 2000، برزت إلى الواجهة قضية مثيرة جمعت بين التاريخ والذاكرة الأندلسية والعلاقات المغربية الإسبانية. وكان بطل هذه القصة البروفيسور علي بن المنتصر الكتاني، رائد البحث المغربي في مجال الطاقة الشمسية والذرية ومنظم أول مؤتمر للمسلمين في أوروبا، الذي تلقى اتصالاً غير متوقع من الدوقة الإسبانية لويزة إيزابيل ألفاريث دي توليدو، دوقة مدينة سيدونيا، المعروفة في إسبانيا بلقب “الدوقة الحمراء”.</p>
<p>طلبت الدوقة من البروفيسور الكتاني الحضور بشكل عاجل إلى قصرها بمدينة سانلوكار دي باراميدا بالأندلس، مؤكدة أنها تريد اطلاعه على “أمر بالغ الأهمية”. ومن هنا بدأت واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.</p>
<p>كنز وثائقي استثنائي.</p>
<p>عند وصوله إلى القصر، اكتشف البروفيسور الكتاني وجود أرشيف عائلي ضخم يعود لقرون طويلة، تحتفظ به أسرة مدينة سيدونيا، إحدى أعرق العائلات الأرستقراطية في إسبانيا.</p>
<p>وبحسب ما نشرته صحف إسبانية ودولية، من بينها إلباييس وBBC، فإن هذا الأرشيف يضم:<br />
● أكثر من ستة آلاف مجلد؛<br />
● ملايين الوثائق التاريخية؛<br />
● ومخطوطات تتعلق بتاريخ الأندلس والعلاقات عبر المحيط الأطلسي.</p>
<p>كما يضم قطعاً نادرة، من بينها:<br />
● منبر أثري يعود إلى العصر المرابطي في الأندلس؛<br />
● ومصحف قديم؛<br />
● ووثائق تشير إلى وجود صلات بين الأندلس وإفريقيا والعالم الجديد قبل سنة 1492.</p>
<p>بالنسبة للدوقة، كانت هذه الوثائق دليلاً على وجود صفحات من التاريخ لم تحظ بالاهتمام الكافي في الروايات الرسمية.</p>
<p>أطروحة تهز الرواية التقليدية.</p>
<p>اعتماداً على هذه الوثائق، طرحت الدوقة فرضية مثيرة للجدل مفادها أن بحارة مسلمين أندلسيين عبروا المحيط الأطلسي قبل كريستوفر كولومبوس.<br />
وأكدت في هذا السياق:<br />
أن مستكشفاً يُدعى “ياسين” الذي لن يكون إلا والد عبدالله بن ياسين، مؤسس الدولة المرابطية، وصل إلى البرازيل؛<br />
وأن بعض المدن هناك حملت أسماء مستوحاة من مدن مغاربية مثل فاس ومراكش وسلا وتلمسان؛<br />
وأن علاقات تجارية كانت قائمة بين الأندلس والمغرب والبرازيل وفنزويلا وجزر الأنتيل منذ القرن التاسع الميلادي.</p>
<p>كما اعتبرت أن الأوروبيين خلطوا قديماً بين ذهب إفريقيا وثروات العالم الجديد، وهو ما انعكس ـ حسب رأيها ـ على بعض الخرائط القديمة.<br />
وقد جمعت هذه الأفكار في كتاب صدر سنة 2000 بعنوان: من إفريقيا إلى أمريكا، بدعم من البروفيسور الكتاني ومنصور إسكيديرو، رئيس المركز الإسلامي الإسباني.</p>
<p>صراعات داخلية وضغوط متزايدة.</p>
<p>صرحت الدوقة في أكثر من مناسبة بأنها تعرضت لضغوط قوية بسبب رغبتها في الكشف عن هذه الوثائق.<br />
ووفق تصريحاتها التي تداولتها الصحافة:<br />
● فإن بعض أفراد عائلتها كانوا يسعون إلى بيع الأرشيف لجهات أجنبية؛<br />
● وأنها كانت ضحية “مؤامرة” لإسكاتها؛<br />
● كما أكدت أن أصول عائلتها تعود إلى مسلمين أُجبروا على إخفاء دينهم بعد سقوط الأندلس.</p>
<p>وقد ساهمت هذه التصريحات في تكريس صورتها كشخصية أرستقراطية متمردة وغير تقليدية داخل المجتمع الإسباني.</p>
<p>الدور المحوري للبروفيسور الكتاني.</p>
<p>أمام القيمة التاريخية الكبيرة لهذا الأرشيف، نصح البروفيسور علي الكتاني الدوقة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحمايته.<br />
وبفضل هذه المبادرة:<br />
● بدأت عملية رقمنة الوثائق؛<br />
● وتعزز دور مؤسسة “كاسا مدينة سيدونيا”؛<br />
● كما تم التواصل مع السلطات المغربية للمساهمة في حماية هذا التراث.</p>
<p>كذلك قام البروفيسور الكتاني بتقديم الدوقة إلى منصور إسكيديرو الذي ساهم في طباعة الكتاب والتعريف به إعلامياً.</p>
<p><a href="http://news.bbc.co.uk/hi/spanish/misc/newsid_1683000/1683276.stm">استقبال ملكي بالمغرب.</a></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-212564" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/elrey.jpg" alt="" width="300" height="180" /></p>
<p>بوساطة البروفيسور الكتاني، حظيت الدوقة بلقاء مع جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 17 شتنبر 2000.<br />
وقد حظي هذا الحدث باهتمام الصحافة المغربية والإسبانية، كما استقبل الملك وفداً من المسلمين الإسبان بقيادة منصور إسكيديرو.<br />
وشكلت هذه الزيارة آنذاك رمزاً للتقارب الثقافي والتاريخي بين المغرب والأندلس.</p>
<p>صدى إعلامي وتحفظ أكاديمي.</p>
<p>أثارت القضية اهتماماً إعلامياً واسعاً:<br />
● فقد خصصت BBC تقريراً بعنوان “إفريقيا ضد أمريكا”؛<br />
● ونشرت صحيفة إلباييس عدة مقالات وتحقيقات حول الموضوع؛<br />
بينما أصرت الدوقة على صحة أطروحتها قائلة:<br />
“لا يوجد أي نقاش… كتابي لا مثيل له، وعلى الباحثين أن يتحققوا بأنفسهم.”</p>
<p>ورغم الاهتمام الكبير الذي أثارته القضية، فإن الأوساط الأكاديمية ظلت متحفظة، إذ لم يتم التوصل إلى إجماع علمي يؤكد صحة الاستنتاجات التاريخية التي قدمتها الدوقة، رغم عدم التشكيك في القيمة المادية للأرشيف نفسه.</p>
<p>مصير الأرشيف.</p>
<p>قبل وفاتها في مارس 2008، اتخذت الدوقة عدة خطوات لحماية الأرشيف من التشتت والضياع، فعززت مؤسسة “كاسا مدينة سيدونيا” وأسندت مهمة متابعة الرقمنة والإدارة إلى سكرتيرتها ليليان دالمان.<br />
ولا يزال هذا الأرشيف محفوظاً إلى اليوم داخل قصر سانلوكار دي باراميدا، حيث يظل مفتوحاً أمام الباحثين والزوار المهتمين بتاريخ الأندلس والعلاقات عبر الأطلسي.</p>
<p>إرث فكري مستمر.</p>
<p>كان البروفيسور علي بن المنتصر الكتاني قد أسس جامعة ابن رشد بقرطبة باعتبارها فضاءً لإحياء التراث الأندلسي والفكر الحضاري المشترك.<br />
وفي هذا السياق، أعادت ابنته الدكتورة حسناء الشريف الكتاني إحياء هذه القصة من خلال فيديو حديث دعت فيه إلى صون الذاكرة التاريخية المشتركة بين المغرب وإسبانيا وأمريكا اللاتينية.</p>
<p>خاتمة.</p>
<p>يشكل أرشيف مدينة سيدونيا واحداً من أغنى الأرشيفات الخاصة في أوروبا، بينما تبقى فرضية اكتشاف المسلمين لأمريكا قبل كولومبوس موضوعاً مثيراً للجدل والنقاش.</p>
<p>ومهما اختلفت الآراء حول هذه الأطروحة، فإن هذه القضية تبرز أن التاريخ لا يزال يحمل كثيراً من المناطق الغامضة التي تستحق المزيد من البحث والدراسة، كما تعكس استمرار الحضور القوي للذاكرة الأندلسية في الوعي الجماعي على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-212568" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos.webp" alt="" width="1238" height="698" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos.webp 1238w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos-300x169.webp 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos-1024x577.webp 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos-768x433.webp 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos-390x220.webp 390w" sizes="auto, (max-width: 1238px) 100vw, 1238px" /></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-212570" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos-.jpg" alt="" width="730" height="738" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos-.jpg 730w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/archivos--297x300.jpg 297w" sizes="auto, (max-width: 730px) 100vw, 730px" /></p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-212572" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/duchesse.jpg" alt="" width="686" height="386" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/duchesse.jpg 686w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/duchesse-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/05/duchesse-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 686px) 100vw, 686px" /></p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>سحر الرباط في ليالي رمضان: قصبة الأوداية تتألق بين التاريخ والروحانية/فيديو</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/206972</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Siham Naciri]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 13 Mar 2026 13:47:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[أخبار]]></category>
		<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[الازقة]]></category>
		<category><![CDATA[الرباط]]></category>
		<category><![CDATA[الوداية]]></category>
		<category><![CDATA[ليالي رمضان]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=206972</guid>

					<description><![CDATA[تكتسي قصبة الأوداية بمدينة الرباط حلة خاصة خلال ليالي شهر رمضان، حيث تتحول أزقتها الضيقة وجدرانها العتيقة إلى فضاء نابض بالحياة والسكينة في آن واحد. ومع حلول المساء، يتوافد الزوار وسكان المدينة للاستمتاع بجمالية المكان وإطلالته الساحرة على نهر أبي رقراق والمحيط الأطلسي، بينما تعكس الأضواء الخافتة أجواء روحانية مميزة تزيد من سحر هذا المعلم &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>تكتسي قصبة الأوداية بمدينة الرباط حلة خاصة خلال ليالي شهر رمضان، حيث تتحول أزقتها الضيقة وجدرانها العتيقة إلى فضاء نابض بالحياة والسكينة في آن واحد.</p>
<p><iframe loading="lazy" title="سحر الرباط في ليالي رمضان: قصبة الأوداية تتألق بأزقتها التاريخية وإطلالتها الساحرة" width="1220" height="686" src="https://www.youtube.com/embed/c1RpUh68P_4?feature=oembed" frameborder="0" allow="accelerometer; autoplay; clipboard-write; encrypted-media; gyroscope; picture-in-picture; web-share" referrerpolicy="strict-origin-when-cross-origin" allowfullscreen></iframe></p>
<p>ومع حلول المساء، يتوافد الزوار وسكان المدينة للاستمتاع بجمالية المكان وإطلالته الساحرة على نهر أبي رقراق والمحيط الأطلسي، بينما تعكس الأضواء الخافتة أجواء روحانية مميزة تزيد من سحر هذا المعلم التاريخي.</p>
<p>وتظل القصبة، بما تحمله من ذاكرة تاريخية ومعمار أصيل، واحدة من أبرز الوجهات التي تجسد جمال الرباط وعمق تراثها، خاصة في ليالي رمضان التي تمتزج فيها روحانية الشهر بعبق التاريخ المغربي الأصيل.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة. مذكرات طفل من جرسيف (خاتمة)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204880</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 11 Feb 2026 14:04:03 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مرافئ الحياة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204880</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني جذور نوري. لم يعودوا هنا. أبي. أمي. أخي ناصر. حلّ الصمت مكانهم على مائدة الذكريات، غير أن حضورهم لم يغادرني يومًا. أنا ثمرة تضحياتهم الخفية، وحصاد سهرهم الطويل، واستجابة متأخرة لدعواتٍ همسوا بها في عتمة الليالي القاسية. إن كنت اليوم ثابتًا، فذلك لأن أيديهم حملتني حين كانت قدماي ترتجفان في طفولتي. كانت &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>جذور نوري.</p>
<p>لم يعودوا هنا.<br />
أبي.<br />
أمي.<br />
أخي ناصر.</p>
<p>حلّ الصمت مكانهم على مائدة الذكريات، غير أن حضورهم لم يغادرني يومًا.</p>
<p>أنا ثمرة تضحياتهم الخفية، وحصاد سهرهم الطويل، واستجابة متأخرة لدعواتٍ همسوا بها في عتمة الليالي القاسية. إن كنت اليوم ثابتًا، فذلك لأن أيديهم حملتني حين كانت قدماي ترتجفان في طفولتي.</p>
<p>كانت أمي مدرستي الأولى قبل المدرسة. في بساطة بيتنا المتواضع كانت ترى أبعد من الجدران. أدركت، بحدس الأمهات النقي، أن العلم سيكون زادي في الحياة. لولاها ما عبرتُ عتبة قسم دراسي. لم تكن تحمل شهادات، لكنها كانت تملك حكمة الشجاعة وفقه التضحية. كان كل دفتر يُشترى تضحية صامتة، وكل دخول مدرسي انتصارًا صغيرًا على العوز.</p>
<p>أما أبي فكان السور الذي يحمي الأسرة من رياح الشدة. حمل على كتفيه عبء تسع أفواه تحتاج إلى خبز وكرامة. في شتاءات جرسيف القاسية، حين كان البرد ينهش الأرض والأجساد، كان هو الدفء الذي يرفض الانطفاء. كان يعمل بصمت، بكرامة الرجال الذين لا يكثرون الكلام، لكنهم لا يسقطون.</p>
<p>وناصر… أخي. رفيق الظل والشمس.</p>
<p>كان يقتسم معنا الخبز والحلم والصمت. كان، مع أبي، سداً في وجه الجوع، وفي وجه الإهانة، وفي وجه الفقر الذي يسعى إلى كسر الإرادات. بفضلهما لم نذق مرارة المجاعة. بفضلهما لم تكن شتاءاتنا شتاءات ضياع. حوّلا القلة إلى صبر، والحرمان إلى قوة داخلية.</p>
<p>كنا فقراء، نعم. لكننا لم نكن يومًا متروكين.</p>
<p>ثم جاءت المدرسة. درجات تُرتقى واحدة بعد أخرى، وسنوات تُراكم كحجارة تُرصّ بصبر. لم تكن شهادة البكالوريا مجرد ورقة؛ كانت انفراجًا بعد ضيق، ووعدًا تحقق لمن آمنوا بي قبلي. فتحت لي أبواب الوظيفة العمومية، ثم أبواب الجامعة. وما إن بلغتُ سن الرشد حتى حملت المشعل. لا لأرتقي وحدي، بل لأرفع أهلي معي. لأقول أخيرًا وداعًا لذلك الفقر الذي أثقل كاهل أسرتنا طويلًا.</p>
<p>يومها، لم يكن نجاحي وحدي. كان نجاحهم.</p>
<p>اليوم لا أرثي الغياب فقط، بل أحتفي بالإرث. لا أستحضرهم لأتألم، بل لأشكر الله عليهم. حياتهم لم تذهب سدى؛ لقد أينعت في داخلي.</p>
<p>أبي، أمي، أخي ناصر الحبيب،<br />
أسأل الله أن يتغمدكم بواسع رحمته،<br />
وأن يجعل مثواكم الجنة،<br />
وأن ترقد أرواحكم في سلام.</p>
<p>كيف لي أن أحمل لكم إلا الوفاء؟<br />
أنا مدين لكم بكل شيء.</p>
<p>وما دمت حيًا، فإن كفاحكم مستمر فيّ</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (23). مذكرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204770</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 10 Feb 2026 10:41:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204770</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني تنطلق الحافلة بأنين مألوف. تجلس قرب النافذة، تكاد تلامس جبينك الزجاج البارد. الطريق يمتد ببطء، كأنه يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالًا عابرًا، بل عبورًا في الذاكرة. يهتز المحرك، ومع اهتزازه تعود الوجوه، التواريخ، والاختيارات التي لم تكتبها يومًا، لكنها سكنت حياتك حتى الأعماق. تسأل نفسك، مرة أخرى — ولعلها الأخيرة —: &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>تنطلق الحافلة بأنين مألوف.</p>
<p>تجلس قرب النافذة، تكاد تلامس جبينك الزجاج البارد. الطريق يمتد ببطء، كأنه يدرك أن هذه الرحلة ليست انتقالًا عابرًا، بل عبورًا في الذاكرة. يهتز المحرك، ومع اهتزازه تعود الوجوه، التواريخ، والاختيارات التي لم تكتبها يومًا، لكنها سكنت حياتك حتى الأعماق.</p>
<p>تسأل نفسك، مرة أخرى — ولعلها الأخيرة —: ماذا لو…؟ ماذا لو، بعد السابع من شتنبر 1971، بعد سقوط العمود الذي كان يسند البيت، اخترت طريق الهروب؟ ماذا لو سلكت، مثل عياد، درب الحياة الفردية، بعيدًا عن الجميع، تاركًا وراءك أمًا ما تزال في ريعان الأربعين، وإخوةً وأختًا، وظلّ الغياب الأبدي للأب؟</p>
<p>لكنك تعرف الجواب سلفًا. عرفته باكرًا، بالفطرة: البقاء. الصمود. عدم كسر الدائرة. وقبل أن تختار أنت البقاء، كانت هي قد اختارت. أمك، تلك الأرملة ذات الأربعين عامًا، التي باغتها الترمل باكرًا، كان بإمكانها أن تستسلم، أن تترككم لتقلبات القدر أو لأحكام الفقر القاسية. لكنها لم تفعل. بقيت واقفة، منتصبة في وجه العاصفة، تجمع أبناءها حولها كما تجمع الدجاجة فراخها حين يداهمها الخطر. لم تترككم لمصيركم أبدًا.</p>
<p>احتضنتكم جميعًا، واحدةً واحدة، بيقظة لا تنام، وصبرٍ مشبعٍ بالتضحيات الصامتة، وليالٍ طويلة بلا شكوى. حملت وحدها ثقل الفقد، والخوف من الغد، وغموض المستقبل، دون أن تسمح لمرارته أن تتسرب إلى قلوبكم. لم تكن مقاومتها صاخبة ولا بطولية بالمعنى المتداول؛ كانت مقاومة يومية، عنيدة، متجذرة في إيمان عميق بأن أبناءها لن يُتركوا للتيه.</p>
<p>ومن بين فراخها، كان هناك فرخ أخذته بيده باكرًا.</p>
<p>في أكتوبر 1958، قادتك بنفسها إلى المدرسة العصرية، وكأنها كانت ترى، قبل الجميع، أن الخلاص سيمر من هناك. كان ذلك الفعل البسيط في ظاهره فعلَ إيمانٍ عظيم في جوهره: إيمان امرأة راهنت على المعرفة كسلاح ضد الفقر، وعلى المدرسة كطوق نجاة لعائلة بأكملها.</p>
<p>أن تبقى، بالنسبة لك، لم يكن سوى امتداد لذلك الاختيار الأول. كان رفضًا للتشظي الذي بدا أن القدر يفرضه عليكم. كان سدًّا في وجه الفقر، ذلك الوحش الصبور الذي ينتظر لحظة الضعف. أمك، رغم شبابها الذي لم يخفت، لم تفكر يومًا في أن تبدأ حياة أخرى بعيدًا عنكم. كانت قد نذرت نفسها لمسار واحد: أن توصلكم جميعًا، واحدًا تلو الآخر، إلى بر الأمان.</p>
<p>كان بإمكان ناصر أن يتزوج. وكان بإمكانك أنت، منذ أكتوبر 1973، وأنت لم تتجاوز التاسعة عشرة، أن تنطلق في حياتك الخاصة، أستاذًا حديث التعيين، وأفق المستقبل مفتوح أمامك. لكنك كنت، في سنٍّ يفكر فيه الآخرون بأنفسهم، قد تهيأت لأداء دورك — لا صدفة، بل تربيةً وتكوينًا. كنت مستعدًا لتحمل تلك المهمة النبيلة، مهمة إنقاذ العائلة، التي أعدّتك لها أمك بصمت، دون أن تسميها يومًا.</p>
<p>لم يحدث شيء من ذلك بدافع القطيعة. لأن البقاء معًا كان عهدًا غير مكتوب، صاغته هي أولًا، ثم حملته أنت. عرفتم قسوة الأيام الخالية من الوعود. فقرٌ خفّف وطأته حضور الأب في حياته، ثم جرى تطويقه بعد رحيله بكرامة الأم الصلبة، وبالدخل المتواضع الذي كان ناصر يجنيه من عمله في مقاهي القرية، وفي فندق ومطعم المسافرين، وبجهودك أنت أيضًا، عبر أعمال صغيرة وضيعة، أنجزتها بالتوازي مع دراستك، دون ضجيج أو ادعاء.</p>
<p>تمضي في الحياة كما يُخاض نهر بارد: خطوة خطوة، دون تهور. ثم، ببطء، وبلا جلبة، تبدأ الأحوال في التحسن. يصبح راتبك كأستاذ قاعدةً صلبة. تبدأ معلمًا متدربًا، مكلفًا بتدريس علوم الحياة والأرض بإعدادية جرسيف، وتنهي مسارك أستاذًا مكوِّنًا، مسؤولًا عن طلبة يحملون على الأقل شهادة الباكالوريا زائد سنتين، تساهم، رفقة زملائك، في إعدادهم ليصبحوا أساتذة إعدادي. بين الضفتين، حياة كاملة من الجهد، والثبات، وتحمل المسؤولية — مسؤولية أبٍ لم يكن أبًا بيولوجيًا، لكنه كان سندًا لأسرة كاملة.</p>
<p>ترى إخوتك وهم يشقون طريقهم. ميلود وعبد الله يلتحقان بالقوات المساعدة. كريمة تؤسس بيتها بفرنسا.<br />
حسن يلج عالم الشغل داخل جماعة مكناس. نور الدين ينجح في التجارة. ناصر، الحاضر دائمًا، الوفي كظلّ رحيم، لا ينقصه شيء — سوى الزمن الذي ستختطفه منه المنية سنة 2008، بعد أن سبقتها أمكم إلى الرحيل في دجنبر 1999. وبقناعة راسخة، لم يرغب ناصر يومًا في الزواج، كأنما جعل من الأخوة التزامًا نهائيًا.</p>
<p>اليوم، باستثناء ناصر، الجميع متزوجون. لكل واحد ثلاثة أبناء، أو أربعة بالنسبة لكريمة، مع سعيد الابن الأكبر، الذي أصبح هو نفسه أبًا لثلاث بنات. الحياة تفرعت، وتكاثرت، واتسعت.</p>
<p>وأنت، وقد اكتسبت مسافة النظر، تدرك أخيرًا معنى الدور الذي قمت به: كنت ممولًا، نعم، لكنك كنت قبل ذلك حارس البوصلة، امتدادًا لتلك المرأة التي رفضت الانكسار منذ البداية. ثمانية وعشرون عامًا من ترمل أمك، وأسرة كاملة حملتها حتى اشتد عودها، إلى أن صار لكل واحد جناحاه.</p>
<p>أنت اليوم في الثانية والسبعين. لا ندم. لا شعور بالذنب. فقط اعتزاز هادئ، رصين، بأنك صمدت حين كان الصمود واجبًا، وأنك أنقذت أهلك من جحيم الفقر الذي كان يتربص بهم. تحمد الله، مرة بعد أخرى، لأنه أراك الطريق — وغالبًا ما أراك إياه من خلال شجاعة أمك الصامتة.</p>
<p>تتباطأ الحافلة. يعكس الزجاج صورتك: وجه أنهكه الزمن، لكنه مطمئن. يخفت صوت المحرك. الرحلة توشك على نهايتها.<br />
تنزل. خلفك الطريق، وأمامك سكون حياة مكتملة. وفي هذا المرسى الأخير، تعرف يقينًا: لم تعبر الحياة فقط — لقد حملتها، كما حملتك هي</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (22). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204512</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 05 Feb 2026 15:31:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204512</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني البداية: اهتزاز المحرّك تجلس بجوار النافذة، تسند جبهتك إلى الزجاج البارد. تتحرّك الحافلة بصرير مكتوم، وتغادر المحطة لتلتحم بالطريق الوطنية. خارج الزجاج، تنساب المناظر كصفحات كتاب لم يُكتب فصله الأخير بعد. تمايل الحافلة الرتيب لا يهدهد الجسد بقدر ما يوقظ الذاكرة. شيئًا فشيئًا، تطفو أمامك صورة وجهٍ مألوف، وجهٍ أحببته طويلاً حضورٌ &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>البداية: اهتزاز المحرّك</p>
<p>تجلس بجوار النافذة، تسند جبهتك إلى الزجاج البارد.</p>
<p>تتحرّك الحافلة بصرير مكتوم، وتغادر المحطة لتلتحم بالطريق الوطنية. خارج الزجاج، تنساب المناظر كصفحات كتاب لم يُكتب فصله الأخير بعد.</p>
<p>تمايل الحافلة الرتيب لا يهدهد الجسد بقدر ما يوقظ الذاكرة. شيئًا فشيئًا، تطفو أمامك صورة وجهٍ مألوف، وجهٍ أحببته طويلاً حضورٌ كان مرساةً في طفولتك، ومنارةً في شبابك: أخوك ناصر.</p>
<p>ناصر: الملاك الحارس ونبض البيت</p>
<p>تستعيد سنوات الرماد، حين كان الفقر ينهش تفاصيل الحياة اليومية لعائلتكم في جرسيف. وفي قلب ذلك العوز، كان ناصر يقف، لا متصدّرًا ولا متذمّرًا، بل كجدارٍ صامت يتلقى الضربات ليحمي الجميع.</p>
<p>نادراً ما ذكرتَه في الفصول السابقة، لا نسيانًا، بل لأنك كنت تؤجّل الكتابة عنه. كنت تعرف، في مكان ما داخلك، أن الحديث عن ناصر يحتاج فسحة أوسع، ونفَسًا أهدأ، وفصلاً يليق بثقل ما حمله عنكم جميعًا: عن والدتكم، وعن كريمة، وعن ميلود، وعبد الله، وحسن، ونور الدين.</p>
<p>ما زلت تراه وأنت تلميذ في إعدادية جرسيف، تقصده في مقهى العشي، في برد الشتاء أو حرّ القيظ. يناولك بيده كأس شاي منعنع، أو قهوة بالحليب، كأنما يقدّم لك دفئًا لا شرابًا.</p>
<p>وتراه في فندق ومطعم المسافرين، عند السيد كوني وزوجته، يعود ليلاً إلى البيت المتواضع، يوقظكم من النوم ليقسم معكم ما جلبه من أطايب أعدّها عمي موسى, طباخ السيد والسيدة كوني.</p>
<p>ولا تغيب تلك الأمسيات البسيطة مع والدكم، في مقهى الحاج علي، قبل المرور عند حمادي لتناول الحريرة والمعقودة، بطعمٍ لا يشبه أي طعم آخر.</p>
<p>نكران الذات… وظلّ الفقد</p>
<p>حين غادرتم جرسيف إلى الخميسات، ثم إلى مكناس بعد أن أصبحتَ أستاذًا للغة الفرنسية، ظل ناصر هو السند الذي لا يميل.<br />
وحين اشتد الألم في ساقه اليسرى، واضطر الأطباء بمستشفى محمد الخامس بمكناس إلى بترها من مستوى الفخذ، بدا لكم أن المصيبة بلغت منتهاها. لكن ناصر، على عادته، خفّف وقعها عنكم أكثر مما احتملها هو.</p>
<p>رغم الجسد الذي خانَه، لم يتخلَّ عن دوره. ظل حاضرًا، يقظًا، يسهر على طمأنينة الأسرة، خاصة في سنوات غيابك للدراسة أو للعمل في فرنسا خلال العطل الصيفية.</p>
<p>كان الأب الذي لم يغادر بعد رحيل والدكم في 7 سبتمبر 1971. لم ينشغل بحياته الخاصة كما فعل أخوك عيّاد، بل اختار طريقًا آخر: أن يبقى وحده، ليكون لكم جميعًا. وفي زوايا تلك الحياة المكرَّسة للآخرين، كانت السيجارة حاضرة.</p>
<p>لم تكن شراهة، ولا استعراض ضعف، بل استراحة قصيرة من ثقل الأيام. كان يمسكها كما لو أنها تمنحه لحظة صمت، نفسًا إضافيًا في حياة لم تترك له متّسعًا لنفسه. لم يكن أحد يتخيّل أن هذا الدخان الهادئ كان يتسلّل، ببطء، ليختصر العمر.<br />
حين وافته المنية، وقد تجاوز بقليل عتبة الستين، لم يكن الرحيل مفاجئًا بقدر ما كان موجعًا.</p>
<p>رحل ناصر، وترك وراءه فراغًا لا يُسمّى، وحسرةً ثقيلة في قلوب من أحبّوه وأحبّهم بصدق. عندها فقط، صار التدخين في ذاكرتك علامة فراق، لا عادة؛ سببًا صامتًا للموت، وسارقًا لسنوات كان يمكن أن تُعاش.</p>
<p>رحل في سنة 2007، بصمت الكبار، تاركًا في رقبتك، وفي رقبة الأسرة كلها، دينَ امتنان لا يسقط بالتقادم.</p>
<p>النهاية: زفير الكوابح</p>
<p>يوقظك صفير الكوابح الهوائية من شرودك. تتباطأ الحافلة، وتطحن عجلاتها حصى الرصيف. تعتدل في جلستك، وتشدّ معطفك على كتفيك. من حولك، يتحرّك الركاب في ضجيج مألوف.</p>
<p>تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة، نحو الطريق الذي ينسحب خلفك. تنهض، وتنزل درجات الحافلة، حاملاً معك ذكرى ناصر، وحزنًا هادئًا، وامتنانًا لا يشيخ… وتمضي نحو المرفأ القادم من حياتك</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (21). مذكّرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204411</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 04 Feb 2026 10:08:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204411</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني الرحيل: ارتعاشة المحرّك أنتَ جالسٌ قرب النافذة، جبهتك مسنودة إلى الزجاج البارد. تنطلق الحافلة في أنينٍ مكتوم، مغادرةً ,المحطة الطرقية، لتلتحم بالطريق الوطنية. من خلف الزجاج، تتوالى المشاهد كصفحات كتاب لم تُكمله بعد. اهتزاز الحافلة المنتظم يأخذك إلى شرودٍ عميق؛ لم تعد أفكارك هنا، بل صارت معلّقة بين ذكريات طفل كان يدرس &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>الرحيل: ارتعاشة المحرّك</p>
<p>أنتَ جالسٌ قرب النافذة، جبهتك مسنودة إلى الزجاج البارد. تنطلق الحافلة في أنينٍ مكتوم، مغادرةً ,المحطة الطرقية، لتلتحم بالطريق الوطنية. من خلف الزجاج، تتوالى المشاهد كصفحات كتاب لم تُكمله بعد. اهتزاز الحافلة المنتظم يأخذك إلى شرودٍ عميق؛ لم تعد أفكارك هنا، بل صارت معلّقة بين ذكريات طفل كان يدرس على ضوء الشمعة، وواقعٍ مغربيٍّ ملتهب يمزّق القلوب في مطلع سنة 2026.</p>
<p>حماسة شوارع الرباط</p>
<p>ذاكرتك تعود بك فورًا إلى ديسمبر 2022. وإن كنت قد تابعت المباريات من مكناس، فإن صورة الرباط هي التي تهيمن على مخيّلتك. ترى تلك الجموع الهائلة، مدينةً غارقة في بحرٍ من الأعلام الحمراء. ما زلت تشعر بحرارة الأجساد المتراصّة على طول الشوارع، من مطار الرباط–سلا إلى أسوار العاصمة العتيقة.</p>
<p>كانت ملحمة لا تُنسى: حافلة مكشوفة لأسود الأطلس تشق طريقها ببطء وسط مئات الآلاف من المواطنين في نشوة جماعية. تتذكّر الصيحات، الدموع، وذلك الإحساس النادر بالوحدة الوطنية. هناك، كان وليد الركراكي واقفًا، يحيّي شعبًا أعاد إليه الفخر بعد أن أسقط بلجيكا وإسبانيا والبرتغال.</p>
<p>تتويج الأمهات في القصر الملكي.</p>
<p>ثم ينتقل المشهد إلى ذروة ذلك اليوم التاريخي، داخل القصر الملكي. في بهو العرش، تشهد لحظةً تهزّ قناعاتك: جلالة الملك محمد السادس، وإلى جانبه ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد، يستقبل أبطال مونديال قطر.</p>
<p>لكن أكثر ما يمسّك في العمق هو حضور الأمهات. تراهنّ، بسيطاتٍ شامخات، إلى جانب أبنائهن أمام جلالة الملك. أنتَ، الذي لا تزال صورة أمّك في جرسيف ماثلةً أمامك، وهي تسهر على دروسك الليلية، تشعر أن في هذا المشهد جبرًا تاريخيًا. أن يُكرَّم العطاء الأمومي في أعلى مقام للدولة، فذلك أبلغ رسالة: النجاح لا قيمة له إن لم يعترف بجذوره.</p>
<p>ذاكرة البناء وجحود الحاضر</p>
<p>غير أن هذا الضوء يصطدم اليوم بعتمة قاسية. كيف يمكن للرجل نفسه، الذي قاد الأسود إلى الاستقبال الملكي، أن يصبح في 2026 هدفًا للجحود؟ لا تستطيع أن تتجاهل تفاصيل تلك النهاية المؤلمة أمام السنغال في مركب مولاي عبد الله: توتّر اللحظة، ضربة جزاء براهيم دياز التي ضاعت، الفوضى في المدرجات، والاستفزازات التي أفسدت العرس.</p>
<p>تعرف أن الجماهير تنسى سريعًا. تنسى أن وليد رفع المغرب إلى مصافّ الكبار، وأنه أطاح بعمالقة القارة، من مصر إلى كوت ديفوار. بالنسبة إليك، وليد هو ذلك “الجسر” الذي ربط أحلام طفل من جرسيف بالاعتراف العالمي. إن احتقاره لأن لقبًا أفلت من اليد، هو إنكار للنور الذي أشعله في قلب كل مغربي.</p>
<p>تستعيد طفولتك: أنتَ، الابن الأكبر لعائلة خوخشاني، تفرز الطماطم في السوق، أو تزيّت سلاسل الدراجات عند أحمد “سيكليس”. تعرف معنى البناء، وتعرف كيف يمكن لسنوات من الكدّ أن تُختزل في لحظة واحدة. لوليد، كانت تلك اللحظة ركلة جزاء أو فوضى خارجة عن إرادته. بالنسبة إليك، هي صورة مجتمع يُسرع إلى البحث عن مذنب، لا عن معنى.</p>
<p>تودّ أن تصرخ في وجوه المنتقدين: “انظروا إلى الجسر، لا إلى الغبار فوقه!”</p>
<p>فوليد يشبهك، ويشبهنا جميعًا: ابن هذا البلد، صعد بالنيّة والعمل، ويراد له أن يُكسَر عند أول تعثّر. تكتب هذه الكلمات درعًا لا مديحًا. فالعفو، في نظرك، ليس ضعفًا، بل سمة الكبار. ووليد ربح احترامه إلى الأبد، بما هو أعمق من أي كأس.</p>
<p>المحطّة الأخيرة: زفير الفرامل</p>
<p>صفير الفرامل الهوائية يوقظك من شرودك. الحافلة تُبطئ، عجلاتها تسحق حصى الحافة. تعدّل جلستك، تشدّ معطفك إلى كتفيك. من حولك، يتحرّك الركّاب، يستعيدون حقائبهم وسط ضجيج مألوف. تلقي نظرة أخيرة عبر النافذة إلى الطريق الممتدّ خلفك.</p>
<p>تنهض. تخطو بثباتٍ هادئ. تنزل درجات الحافلة، حاملاً معك هذا المزيج من ذكريات الطفولة وتمرد الرجل، مستعدًا لعبور الجسر التالي في حياتك</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (20). مذكرات طفل من جرسيف (1954 – 2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204322</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 03 Feb 2026 08:42:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204322</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني حين كان النضال قيمة… وحين صار الموقع غاية حين تركب الحافلة، في صباح يشبه أمسيات العمر المتأخرة، وتجلس قرب النافذة، لا تكون في طريقك إلى مكان بعينه، بقدر ما تكون في طريقك إلى نفسك. يهتزّ جسد الحافلة، وتهتزّ معه الذاكرة. يعود بك الزمن إلى البدايات، لا حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل لأن &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>حين كان النضال قيمة… وحين صار الموقع غاية</p>
<p>حين تركب الحافلة، في صباح يشبه أمسيات العمر المتأخرة، وتجلس قرب النافذة، لا تكون في طريقك إلى مكان بعينه، بقدر ما تكون في طريقك إلى نفسك. يهتزّ جسد الحافلة، وتهتزّ معه الذاكرة. يعود بك الزمن إلى البدايات، لا حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل لأن الحاضر يفرض عليك المقارنة، ويطالبك بالحساب.</p>
<p>تتذكّر حزب التقدم والاشتراكية كما عرفته أول مرة، لا كما صار يُعرَّف لاحقًا. حزبًا لا يُطرق بابه بحثًا عن منصب، ولا يُذكر اسمه دون أن يقترن بالسجن أو المنفى أو المحاكمة.</p>
<p>منذ نشأته الأولى في نونبر 1943، وهو يحمل اسم الحزب الشيوعي المغربي، لم يكن الانتماء إليه نزهة سياسية ولا مغامرة عابرة، بل اختيارًا أخلاقيًا مكلفًا، يدفع ثمنه من يصرّ عليه من حريته واستقراره، وأحيانًا من حياته نفسها.</p>
<p>لم تعش تلك المرحلة، لكنك عرفتها معرفة العارف. قرأت عنها، ونبشت في تفاصيلها في كتب التاريخ المعاصر للمغرب. عرفت كيف كان مناضلو الحزب، خلال فترة الحماية، يُلاحَقون ويُعتقلون ويُنفَون، لا لشيء سوى لأنهم آمنوا بأن العدالة الاجتماعية ليست ترفًا فكريًا، بل حقًّا يجب انتزاعه.</p>
<p>وبعد الاستقلال، لم تتغير المعادلة كثيرًا. اغتيل المناضل الكبير عبد الكريم بن عبد الله، فُرض الحظر على الحزب، اعتُقلت قياداته، مُنعت صحافته من الصدور، ودخلت البلاد سنوات طويلة من الصمت القسري والعمل في الظل.</p>
<p>تتذكّر مرحلة كان فيها الحزب محظورًا إلى حدود سنة 1968، ثم عاد باسم حزب التحرر والاشتراكية، قبل أن تُسحب منه الشرعية من جديد. ولم يُعترف به رسميًا إلا سنة 1976، تحت اسمه الحالي: حزب التقدم والاشتراكية، في سياق الانفراج الذي عرفه المغرب بعد نجاح المسيرة الخضراء سنة 1975، حين كانت البلاد في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار وإلى إجماع وطني حول القضية الأولى: استرجاع الصحراء.</p>
<p>ورغم القمع والحظر، لم يكن الإحباط يومًا سيد الموقف. كنت ترى، من خلال ما قرأت وما سمعت، رفاقًا متماسكين، لا يجمعهم الأمل في البرلمان ولا الطموح إلى الحكومة، بل الإيمان المشترك بقضية، وبقيمة النضال في حد ذاته.</p>
<p>وحين سُمح للحزب بالمشاركة في الانتخابات، لم تكن النتائج باهرة: بعض المقاعد الجماعية سنة 1976، ومقعد برلماني وحيد سنة 1977. ومع ذلك، ظل الحزب ملتفًا حول قيادته التاريخية، علي يعتة. لم تكن الزعامة محل نزاع، ولم تكن الأجهزة ساحة صراع. كان الاختلاف موجودًا، نعم، لكنه لم يكن مفسدًا للرفقة ولا مهددًا للوحدة.</p>
<p>في سنة 1977، كنت تدخل السياسة من بابها العملي. كنت آنذاك بالخميسات، أستاذًا للغة الفرنسية، حين وجدت نفسك تعتنق أفكار وقيم حزب التقدم والاشتراكية عن قناعة، لا عن مصلحة. تطوّعت لخوض الحملة الانتخابية إلى جانب مرشح الحزب لنيل مقعد في البرلمان، الرفيق ح. إدريس. لم يفز الرجل، ولم يكن ذلك مفاجئًا، فالحزب لم يكن بعد مصدر ثقة لدى السلطات العمومية المشرفة على الانتخابات. لكنك كنت قد حسمت أمرك: هذا حزبك.</p>
<p>حين التحقت بمكناس أستاذًا بإعدادية البساتين، التحقت رسميًا بالحزب. سنة 1979، أصبحت كاتبًا أول للفرع المحلي بالبساتين، وعضوًا في مكتب الفرع الإقليمي بمكناس. في بداية الثمانينيات، انتُخبت عضوًا في اللجنة المركزية، وهو الموقع الذي ستظل فيه إلى غاية سنة 2006، حين انتُخبت، خلال المؤتمر الوطني، عضوًا في المكتب السياسي للحزب، وكان أمينه العام آنذاك الأستاذ إسماعيل العلوي.</p>
<p>قبل ذلك، كنت إلى جانب سبعة رفاق آخرين عضوًا في المجلس الحضري لمدينة مكناس، ورئيسًا للجنة التواصل والإعلام بالمجلس الجهوي لمكناس–تافيلالت، الذي كان يرأسه آنذاك السيد اشباعتو، المنتمي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وكنت في الآن نفسه الكاتب الأول للفرع الإقليمي بمكناس، ومراسل جريدة الحزب الناطقة بالفرنسية، البيان. كل هذه المسؤوليات جعلتك تنام على السياسة وتستيقظ عليها.</p>
<p>لكن الحياة لم تكن سياسة فقط. في غشت 1992، تزوجت. ومع نهاية سنة 1997، أصبحت أبًا لثلاثة أطفال: بنتين وابن. المسؤوليات كانت كثيرة، والوقت ضيقًا. الزمن الذي خصصته للسياسة، ولقضايا المواطنين والمصلحة العامة، كان يبتلع الجزء الأكبر من الوقت الذي كان يفترض أن تمنحه لأسرتك الصغيرة.</p>
<p>وفي نهاية سنة 1999، فقدت من كانت بالنسبة إليك حصنًا ومعنى. والدتك التي كانت تزودك برضاها، وتخاف عليك الخوف كلّه مما قد تتعرض له بسبب التزامك السياسي.</p>
<p>علّمتك تلك المرحلة درسًا قاسيًا: كثيرون ممن عرفتهم عبر السياسة، وأسديت لهم ولذويهم خدمات شتى، كانوا جاحدين، لا يعترفون بشيء. أما الأسرة، فحتى وإن غضبت منك بسبب الغياب، فإنها تستقبلك، حين تعود، في الأحضان، وتعترف لك بكل ما قمت به من أجلها، ولو بابتسامة بعد غياب طويل.</p>
<p>مع اقتراب المؤتمر الخامس للحزب سنة 1995، لاحظت أن شيئًا ما بدأ يتغيّر. لم يعد السؤال: كيف نناضل؟ بل صار: من يقود؟ ومن يتقدّم؟ اشتد الخلاف حول منصب الأمين العام بين جيل شاب يرى نفسه أحقّ بالتجديد، وتيار آخر أكثر التصاقًا بالتجربة التنظيمية. ورغم تجديد الثقة في علي يعتة، أدركت أن الشرخ قد بدأ، وأن منطق المواقع أخذ يتسلّل ببطء إلى حزب لم يألفه.</p>
<p>ثم اقتربت ساعة حكومة التناوب. لحظة تاريخية من حيث المبدأ، لكنها كانت أيضًا بداية مرحلة مربكة. انشق مناضلون وبرلمانيون، وغادر رفاق كانوا، إلى وقت قريب، في الصفوف الأمامية. دخل الحزب حكومة عبد الرحمن اليوسفي وسط خليط حزبي غير منسجم، وبدأت مع المشاركة الحكومية هزّات داخلية لم تتوقف. وحتى بعد رحيل علي يعتة في غشت 1998، وتسلّم إسماعيل العلوي الأمانة العامة، لم تهدأ الصراعات، بل اتخذت أشكالًا جديدة، أحيانًا باسم الاختلاف الفكري، وأحيانًا أخرى باسم “التصحيح”.</p>
<p>بعد مغادرتك الطوعية للتعليم في أكتوبر 2005، تحمّلت مسؤوليات أخرى. من يناير 2007 إلى مايو 2009، عملت صحفيًا مهنيًا، تشرف على صفحة أسبوعية تُعنى بما يجري في مكناس من أنشطة سياسية وثقافية، وما يشوب تدبير المجالس المنتخبة والمؤسسات الإدارية من اختلالات.</p>
<p>ومن مايو 2009 إلى 2012، كنت منسقًا عامًا بمركب ابتسامة للرعاية الاجتماعية، تشرف على أربع وحدات: وحدة للنساء في وضعية صعبة، وأخرى لحماية الأطفال، وثالثة لمواكبة الأمهات العازبات وتتبع أوضاع أطفال الشارع، ورابعة للأنشطة النهارية لفائدة الأشخاص المسنين.</p>
<p>ومن 2013 إلى 2016، انتقلت إلى وزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية، مستشارًا للوزير، ثم رئيسًا لديوانه.</p>
<p>تسأل نفسك اليوم، وأنت تكتب هذه السطور، وأنت ما تزال في الحافلة نفسها: لماذا كان الحزب أكثر تماسكًا حين كان محاصرًا؟ ولماذا تفرّق حين اقترب من مراكز القرار؟</p>
<p>تخلص، دون مرارة ولكن بوضوح، إلى أن الحزب خسر شيئًا من روحه حين غلَب منطق التدبير على منطق النضال، وحين صار الموقع أحيانًا أهم من الموقف.</p>
<p>وحين تنزل من الحافلة، تدرك أنك لم تصل إلى نهاية الطريق، بل إلى مرفأ آخر من مرافئ الحياة. لا تكتب للتشهير ولا للتبرير، بل للتذكير. لأن الذاكرة مقاومة، ولأن الأحزاب، مثل الأفراد، تُقاس بما دافعت عنه حين كان الثمن غاليًا، لا بما حصدته حين صارت الطريق معبّدة</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (18). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204218</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 01 Feb 2026 12:33:36 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخشاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204218</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني أنت جالس في حافلة. صوت المحرّك يشبه أنفاساً قديمة، مألوفة. لا تعرف إلى أين تمضي، ولا متى ينتهي هذا السفر الطويل. من خلف الزجاج تمرّ مناظر تشبه حياتك: واضحة حيناً، ضبابية حيناً آخر. تمضي فقط. فأن تكتب حياتك وأنت تتقدّم كان دائماً عقيدتك. لم تعرف التراجع يوماً. تعلّمت باكراً أن مرافئ الحياة &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-204205" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2026/02/khoukhus6.jpeg" alt="" width="289" height="174" /></p>
<p>أنت جالس في حافلة.</p>
<p>صوت المحرّك يشبه أنفاساً قديمة، مألوفة. لا تعرف إلى أين تمضي، ولا متى ينتهي هذا السفر الطويل. من خلف الزجاج تمرّ مناظر تشبه حياتك: واضحة حيناً، ضبابية حيناً آخر. تمضي فقط. فأن تكتب حياتك وأنت تتقدّم كان دائماً عقيدتك. لم تعرف التراجع يوماً. تعلّمت باكراً أن مرافئ الحياة ليست أماكن للإقامة، بل محطات عبور.</p>
<p>لم تكن الطريق سهلة قط. العوائق لم تكن صدفة، بل كثيراً ما وُضعت عمداً في دربك. ومع ذلك، تجاوزتها. أما الامتحانات القاسية، فقد اجتزتها بصمت النبلاء، بلا شكوى ولا ادّعاء بطولة.</p>
<p>كانت سنتك الأولى في التبريز بمكناس توشك على الانتهاء حين تدخّل القدر، ذلك الرفيق الخفي. رأيتها من جديد. ظهوراً مفاجئاً، كأنه خارج الزمن. مقهى الأمم. كنت تبحث عن كرسي شاغر لتجلس مع أصدقاء دخلتم لتوّكم هذا الفضاء الذي يرتاده أساساً طلبة أساتذة المركز التربوي القريب. وفجأة، كانت هي هناك. نفس الشابة التي التقيتها قبل عام ونصف في قاعة الأساتذة بثانوية المطار في الناظور. لم يُمحِ الزمن شيئاً. كان فقط يؤجّل اللقاء.</p>
<p>هناك عرفت قصتها: الناظور، الخدمة المدنية، النجاح في المباراة المهنية، المدرسة العليا للأساتذة بمكناس، سنة تكوين، ثم تدريس السلك الثانوي. لم تتأخرا في الوعد بلقاءات أخرى. توالت المواعيد ببساطتها المضيئة: فنجان قهوة، نزهة ربيعية في إفران، ظلال الأرز السخيّة، وجداول الماء الصافي المنحدرة من قمم الأطلس المتوسط.</p>
<p>في ربيع 1991، دون إعلان أو ضجيج، أصبحت هي مختارة قلبك. أمّ أولادك الآتين. في يونيو، قدمت أمها برفقة أخيها الأكبر من وهران، حيث كانت تقيم أسرتها المغربية، إلى الرباط، حيث كانت الأخت الكبرى متزوجة من ابن خال من جهة الأم.</p>
<p>ومن جهتك، سافرت أمك، وأخوك ناصر، وأخوك ميلود وزوجته، وأصهار ميلود معك. في الرباط، التقت العائلات، وتصافحت المصائر. احتُفل بالخطوبة، ووُثّق الزواج بالعقد العدلي في السادس والعشرين من يونيو 1991. كنتما متحدين على الخير والشر، دون أن تدركا بعد عمق هذا العهد.</p>
<p>بعد انتهاء سنة التكوين الخاصة بها، أوصلتها إلى وجدة، ومنها اتجهت إلى وهران لقضاء عطلة الصيف مع أهلها، في انتظار معرفة مقر تعيينها مع بداية الموسم الدراسي 1991–1992. أما أنت، فكنت تستعد لمرحلة أخرى من التكوين، هذه المرة في باريس، من أجل التبريز. افترقت الطرق مجدداً، دون أن ينقطع الخيط.</p>
<p>في مايو 1992، عدت إلى المغرب، واتجهت إلى سيدي بنور، حيث كانت تُدرّس اللغة الفرنسية. المدينة احتضنتها سريعاً. زملاؤها، تلامذتها، مدير المؤسسة، والإدارة كلها شهدت بكفاءتها وأحبت حضورها. حين غادرت مع الدخول المدرسي في سبتمبر 1993، بكى كثيرون رحيلها.</p>
<p>لكن قبل ذلك، كان الزواج بفاس في أغسطس 1993. ليلة فرح كنت وحدك تعرف ظلّها القادم. مع بداية الموسم، ستفترقان من جديد، ثمان مائة كيلومتر بينكما. هي في سيدي بنور، وأنت في الناظور. انتقال تأديبي مقنّع، نتيجة جرأتك على قول الحقيقة لأستاذ فرنسي من أصل تونسي خلال سنتك الثانية في التبريز. رجل نافذ، سبق له التدريس بمكناس، ومرتبط بالمنسّق المغربي للتكوين. يومها أدركت مرة أخرى أن الاستقامة لها ثمن.</p>
<p>في تلك السنة، كان القدر أشد قسوة. خلال أول زيارة زوجية إلى وهران، فقدت زوجتك جنيناً في شهره الخامس والنصف. تبيّن لاحقاً وجود اتساع في عنق الرحم لم يُشخّص في الوقت المناسب. رحلة لم يكن ينبغي أن تتم. وكانت تلك آخر سنة بقيت فيها الحدود البرية المغربية–الجزائرية مفتوحة.</p>
<p>بعد سنة زواج عشتماها متباعدين قسراً، سمحت الحياة أخيراً بالالتئام. مكناس. نُقلتَ إليها أستاذاً مكوِّناً بالمركز التربوي الجهوي، حيث كنت قبل ثماني سنوات طالباً أستاذاً. وكانت هي تُدرّس الفرنسية بثانوية الزيتونة. للمرة الثانية في مسارك، أصبحت أستاذاً في المكان الذي كنت فيه متعلّماً: جرسيف سنة 1973، ثم مكناس سنة 1993. دائرة تكتمل بهدوء.</p>
<p>بعد اثني عشر عاماً من الاشتغال بللمركز التربوي الجهوي بممناس، وبالضبط في شهر أكتوبر 2005، أنهيت مسارك المهني في قطاع التربية والتكوين في إطار المغادرة الطوعية. اثنتان وثلاثون سنة من الخدمة. اثنتان وثلاثون سنة قُدّمت للوطن بكرامة ونزاهة وتفانٍ. غادرت بلا مرارة، محمّلاً بما لا يُصادر: انسجام المسار.</p>
<p>الحافلة تواصل سيرها.</p>
<p>أنت ما زلت قرب النافذة. مرافئ الحياة تمرّ: جرسيف، الناظور، مكناس، فاس، باريس، سيدي بنور، وهران… لا تعرف أيها الأخير. لم تعد تسأل. تمضي. هكذا كتبت حياتك دائماً.</p>
<p>المحرّك يواصل همسه.</p>
<p>والسفر لم ينتهِ بعد.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مرافئ الحياة (19). مذكّرات طفل من جرسيف (1954–2026)</title>
		<link>https://lecollimateur.ma/ar/204149</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[Le collimateur]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 31 Jan 2026 09:56:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[عين على التاريخ]]></category>
		<category><![CDATA[محمد خوخاني]]></category>
		<category><![CDATA[مذكرات طفل من جرسيف]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://lecollimateur.ma/?p=204149</guid>

					<description><![CDATA[بقلم: محمد خوخشاني أنت جالس قرب نافذة الحافلة المتجهة إلى مكناس. هدير المحرّك يشبه همس الذاكرة، والطريق الممتد أمامك ليس مجرد مسافة تُقطع، بل زمنٌ يُستعاد. الحافلة، كما تعرف جيدًا، ليست وسيلة نقل فحسب؛ إنها ممرّ خفيّ بين ما كنتَه وما أنت مُقبل على أن تكونه. كل منعطف يقرّبك من مكان، ويُبعدك – أو يُعيدك &#8230;]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>بقلم: محمد خوخشاني</p>
<p><img loading="lazy" decoding="async" class="alignnone size-full wp-image-200575" src="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg" alt="" width="1080" height="607" srcset="https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A.jpg 1080w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-300x169.jpg 300w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-1024x576.jpg 1024w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-768x432.jpg 768w, https://lecollimateur.ma/wp-content/uploads/2025/12/khoukh-A-390x220.jpg 390w" sizes="auto, (max-width: 1080px) 100vw, 1080px" /></p>
<p>أنت جالس قرب نافذة الحافلة المتجهة إلى مكناس.</p>
<p>هدير المحرّك يشبه همس الذاكرة، والطريق الممتد أمامك ليس مجرد مسافة تُقطع، بل زمنٌ يُستعاد. الحافلة، كما تعرف جيدًا، ليست وسيلة نقل فحسب؛ إنها ممرّ خفيّ بين ما كنتَه وما أنت مُقبل على أن تكونه. كل منعطف يقرّبك من مكان، ويُبعدك – أو يُعيدك – إلى زمن آخر.</p>
<p>في أكتوبر 1993، تطأ قدماك عتبة المركز التربوي الجهوي بمكناس. ليس وصولًا عاديًا، بل رسوًّا في ميناء الذاكرة. هنا بالذات، قبل سبعة عشر عامًا، دخلت شابًا متدرّبًا، متخرجًا سنة 1976، ضمن ثاني فوج لأساتذة اللغة الفرنسية في سياق سياسة مغربة التعليم؛ تلك السياسة التي لم تكن مجرد إجراء إداري، بل حلقة أساسية في مسلسل الاستقلال الذي انطلق منذ 1956، حين بدأ المغرب يستعيد سيادته على المدرسة بعد عقود من الاعتماد على متعاونين أجانب، خصوصًا من فرنسا ورومانيا.</p>
<p>تعود اليوم إلى المكان نفسه، لكن بوجه آخر.</p>
<p>لم تعد متعلّمًا، بل صرت مُكوِّنًا.</p>
<p>عشرون سنة مرّت، ومع ذلك تشعر أن الجدران ما زالت تحفظ خطاك.</p>
<p>يفتح لك المركز أبوابه كصديق قديم لم ينسَك. تلتقي هناك نخبة من الزملاء، من مختلف التخصصات، يجمعهم حماس نادر وإحساس عميق بالمسؤولية. وفي قلب هذه الكوكبة، تبرز قامة استثنائية: السي محمد باهي. مدير، نعم، لكنك لا تكاد تشعر بأنه مدير. لا صرامة مصطنعة، ولا سلطة متعالية. كان يقود كما يقود قائد أوركسترا، بهدوء، وبحكمة، وبهيبة نابعة من المعرفة والنزاهة.</p>
<p>في مكناس، آنذاك، كان المركز يكوّن أساتذة السلك الإعدادي: في الفرنسية، والعربية، والإنجليزية، والتاريخ والجغرافيا، والرياضيات. شباب في مقتبل العمر، سيُعهد إليهم قريبًا بتربية مراهقين تتراوح أعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة عشرة، تلك السنّ الحساسة التي يمكن فيها لكلمة أستاذ أن تغيّر مصير إنسان.</p>
<p>كنتَ واحدًا من فريقٍ مختار، واعٍ بثقل الأمانة. كنتم متحمسين، صادقين، مدركين أن التعليم ليس مهنة كسائر المهن. وإلى جانبكم، أساتذة متمرّسون في مؤسسات التطبيق، يفتحون أقسامهم كما يُفتح المشغل، ويدرّبون المتكوّنين على مهنة قاسية وجميلة في آن: مهنة التربية.</p>
<p>تبتسم أحيانًا في صمت.</p>
<p>ها أنت تعود إلى نقطة البداية.</p>
<p>ويخطر ببالك سؤال لا يلحّ، لكنه لا يختفي:</p>
<p>هل ستكون، أنت أيضًا، جزءًا من إرث محمد باهي؟</p>
<p>هل أنتم شهود أفول جيلٍ استثنائي؟</p>
<p>مهما يكن، فأنت ترى نفسك أحد قُدامى هذا الصرح. وريثًا متواضعًا، لكن واعيًا بقيمة ما تلقّاه.</p>
<p>في سنة 2026، تكون ثماني سنوات قد مرّت على رحيل محمد باهي سنة 2018. حضوره لا يعود إليك كحنين عابر، بل كدرسٍ أخلاقيّ وإنسانيّ. أستاذ اللغة الفرنسية السابق، والمدير الرمزي للمركز التربوي الجهوي بمكناس، كان واحدًا من أعمدة تلك «الحراسة التربوية» التي حملت المدرسة المغربية على أكتافها في مرحلة ما بعد الاستقلال.</p>
<p>معه، كنتَ جزءًا من سيمفونية تربوية.</p>
<p>وتعلم أن إنصافه يقتضي ألا يُفصل عن فرقته.</p>
<p>فالمركز لم يكن ليصير منارة وطنية لولا تآزر كوكبة من المكوّنين ذوي العلم الغزير، وإدارة وفية نادرة الإخلاص. معًا، صنعوا العمود الفقري لأساتذة الإعدادي بالمغرب. منهم من غادر طوعًا، ومنهم من ظلّ وفيًا إلى آخر يوم في مساره المهني. جميعهم خدموا بنكران ذات يبدو اليوم كأنه ينتمي لزمن آخر.</p>
<p>بالنسبة لهم، لم يكن التعليم وظيفة. كان رسالة.</p>
<p>والمقارنة مع واقع اليوم موجعة، لكنها لا مفرّ منها. في زمنهم، لم تكن المسارات تُدبَّر، بل كانت المهمات تُؤدّى. لم يكن المركز محطة إدارية، بل بوتقة تُصاغ فيها هوية تربوية وطنية، تجمع بين الصرامة العلمية والطموح الوطني.</p>
<p>اليوم، وقد أنهك النظام التعليمي تحت وطأة إصلاحات تقنية وفقدان المعنى، يبدو عهد محمد باهي أشبه بعصر ذهبي. لقد أدركوا أن الإصلاح الحقيقي لا يوجد في الوسائط الرقمية، بل في نظرة مُكوِّن يؤمن بكرامة مهنته.</p>
<p>يمضي الزمن بلا رحمة. بعضهم، مثل محمد باهي، لحق بالرفيق الأعلى، تاركًا فراغًا كبيرًا وأثرًا مضيئًا. وآخرون، آخر شهود تلك الملحمة، ينتظرون في سكينة، حاملين شعلة يخشون أن تنطفئ.</p>
<p>إن تكريم محمد باهي هو تكريم لجيلٍ كامل من البنّائين، أحياءً وأمواتًا، جعلوا من الطباشير واللغة أدوات للتحرر. لم يكوّنوا أساتذة فقط، بل ربّوا مواطنين.</p>
<p>نسأل الله أن يتغمد محمد باهي ورفاقه بواسع رحمته، وأن يجد الأحياء منهم في هذا النص اعترافًا صامتًا بما قدّموه لوطنهم.</p>
<p>تتباطأ الحافلة.</p>
<p>تلوح مكناس.</p>
<p>تنزل، مثقلًا بالذاكرة، مطمئنًّا بالوفاء. ينتهي السفر، لكن الطريق داخلك لا ينتهي.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
